fbpx

هنا القصة الثالثة

حازم صاغية - كاتب لبناني

حازم صاغية - كاتب لبناني

مقالات الكاتب

الصراع على الزعامة السنيّة في لبنان (١)

مع تولّي فؤاد شهاب رئاسة الجمهوريّة، أواخر 1958، بدت زعامة السنّة في لبنان شديدة البعثرة والتفتّت. الطائفة السنّيّة لم تكن قد استكملت تشكّلها الذي تمّ في وقت لاحق وارتبط باسم رفيق الحريري.

أبرز علامات البعثرة أنّ القطيعة كانت كاملة بين السياسيّين السنّة في المدن وزملائهم في الأرياف. الأوّلون كانت المواقف العربيّة عنصراً مُقرّراً في زعامتهم. الآخرون لم ينشغلوا بما يتعدّى الأقضية التي تزعّموها. الأوّلون كانوا يساهمون في رسم حظوة الخدمات، لأنفسهم ولمن يريدون. الأخيرون كان همّهم الأوحد تَسوّل الانتفاع بها لتوسيع رقعة مُنتخبيهم وتجديد زعامتهم. زعماء المدن، أو بعضهم، رأوا في أنفسهم أنداداً لرئيس الجمهوريّة المارونيّ. زعماء الأرياف، وهم في معظمهم ملاّكو أراضٍ كرفعت قزعون في البقاع وزعماء آل المرعبي في عكّار، كانوا يلتحقون بالرئيس التحاقاً. عبده عويدات في إقليم الخرّوب وسليمان العلي في عكّار كانا شمعونيّين، مثلهما مثل أيّ سياسيّ مارونيّ شمعونيّ. ناظم القادري في البقاع الغربيّ وبشير العثمان في عكّار كانا شهابيّين، مثلهما مثل أيّ سياسيّ مارونيّ شهابيّ.

وجوه المدن

هذه لم تكن حال سنّة المدن، ومنهم قادة الطائفة الذين يملكون مفاتيح دار الإفتاء والمدارس والمؤسّسات المذهبيّة. أولئك حاولوا تقليد رياض الصلح في التعاطي الندّيّ مع رئيس الجمهوريّة الذي كانه بشارة الخوري، كما في الاستعاضة بالمواقف والعلاقات العربيّة عن ضعف القاعدة الانتخابيّة وتعدّد الولاءات تبعاً لتعدّد الأحياء والحارات.

على أيّ حال، رحل زعيم طرابلس عبد الحميد كرامي في 1950، وفي العام التالي، اغتال السوريّون القوميّون الصلحَ في عَمّان. هكذا استقرّت خريطة السياسة في بيروت الخمسينات على ثلاثة: صائب سلام، الذي رأس الحكومة في السنة الأخيرة من عهد بشارة الخوري، 1952، وفي السنة الأولى من عهد كميل شمعون، 1953، وسامي الصلح، المولود في 1890، والذي درس الحقوق في تركيّا ثمّ جاء إلى السياسة من الإدارة والقضاء، وعبد الله اليافي، الذي لم يُعرف بميول صِداميّة مع الرؤساء الموارنة، ما أفقده بعض جاذبيّته الشعبيّة. اليافي اكتسب أهميّتَه من كونه “ضدّ صائب”.

أمّا طرابلس، ففيها ورث رشيد كرامي، الذي درس في مصر، أباه عبد الحميد. في العهد الشمعونيّ بدأ كرامي الشابّ يتولّى رئاسة الحكومة، قبل أن تنهار علاقات شمعون بالرئيس المصريّ جمال عبد الناصر. في ذاك الحين، وُصف رشيد بأنّه مَن تغلّب للتوّ على منافسة عمّه مصطفى، ووُصف شمعون بأنّه راعيه في انتقاله إلى الصدارة السياسيّة.

في صيدا خصوصاً، ولكنْ في طرابلس أيضاً، كانت الفوارق الاجتماعيّة والطبقيّة حادّة الحضور في النزاعات السياسيّة

ومع أنّ زعامة آل كرامي بدت بالغة المتانة، فهذا لم يخلُ من دم ومن حِدّة لم تعرفهما العائلات البيروتيّة: في آذار (مارس) 1947، قبيل معركة انتخابيّة متوتّرة، زار “المجاهد” الطرابلسيّ الأصل فوزي القاوقجي مدينته، لكنّ المنافسة على استقباله بين عائلتي كرامي والمقدّم المتنازعتين انتخابيّاً، تسبّبت بمقتل 16 شخصاً وجرح أكثر من سبعين. لاحقاً تصدّى لأحاديّة الزعامة الكراميّة قبولي الذوق وعوني الأحدب، ولم يسعفْهما الحظّ. خرقُ لائحة رشيد في انتخابات طرابلس تأخّر حتّى 1972. عامذاك خُرقت بالطبيب الشعبيّ، البعثيّ وصاحب الخدمات الإنسانيّة، عبد المجيد الرافعي.

في صيدا، تقاسم الزعامةَ، على نحو لم يخل من حدّة الاستقطاب، نزيه البزريّ ومعروف سعد، أوّلهما طبيب ذو خدمات إنسانيّة والثاني مدرّس ومفوّض شرطة قاتلَ في فلسطين عام 1948. الصورة لم تنجلِ على هذا النحو إلاّ حين حُسم أمر التركة السياسيّة لرياض الصلح الذي كان نائباً عن المدينة نفسها. صلاح البزري، قريب نزيه، وابنا عمّ رياض، تقي الدين وكاظم، رشّحوا أنفسهم للوراثة. معروف سعد، الصلحيّ أيضاً في شبابه، سريعاً ما اندمج في الناصريّة وتحالف مع كمال جنبلاط. حضنَه الفقراء والمهمّشون كما حضنه البعثيّون، قبل نزاعهم مع عبد الناصر، ومثلهم فعل الشيوعيّون، ثمّ أحاطت به “حركة القوميّين العرب”. نزيه البزري، في المقابل، وثّق علاقاته بصائب سلام من دون أن يقطعها مع كميل شمعون.

في صيدا خصوصاً، ولكنْ في طرابلس أيضاً، كانت الفوارق الاجتماعيّة والطبقيّة حادّة الحضور في النزاعات السياسيّة. ومع أن نزيه وصلاح البزري تحدّرا عن بيتين متواضعين في آل البزري، على عكس زعماء صيدا التقليديّين الذين سبقوهما من آل البرازي، فإنّهما خاطبا عائلات صيدا وأحياءها الأغنى.

في بيروت، لم يتبلور ذاك البُعد حتّى أواسط الستينات، مع نشأة التنظيمات الناصريّة التي راحت، في السنوات التالية، تتكاثر وتعلن طموحها التمثيليّ.

صائب سلام

والحال أنّ الاستجابة للجديد، تعليماً ومهناً، أو لتحدّي الأحزاب، بدت معقولة عند أقطاب المدن، لا سيّما منهم صائب سلام الذي حمل على لائحته قانونيّاً كصبحي محمصاني، واقتصاديّاً كرفيق نجا، ثمّ مثّل، للمرّة الأولى، السنّة في منطقة رأس بيروت، من خلال رجل الأعمال زكي المزبودي. وبدرجة أقلّ تبدّى هذا المستجدّ في طرابلس، من خلال الطبيب هاشم الحسيني ورجل القانون أمين الحافظ. أمّا صيدا فاقتصر تمثيلها حتّى 1972 على نائب واحد.

مع هذا، لوحظ في بيروت، حيث تقيم عائلات ضخمة العدد كعيتاني وشاتيلا، ولكنْ أيضاً في طرابلس، عزوف عن اصطحاب أبناء هذه العائلات إلى البرلمان. ذاك أنّ العصبيّات التي فكّكتها المدينة يُستحسن أن تبقى مفكّكة، لا تعاود التجمّع من حول وجه واحد.

فلسطين وسوريّا

لكنّ الموضوع “القوميّ” وإن أثّر في بيروت، بقي أشدّ تأثيراً في صيدا، وخصوصاً في طرابلس. في “عاصمة الجنوب” كان عنوانه فلسطين التي عاش واندمج فيها عدد كبير من الفلسطينيّين ممّن نزحوا بعد قيام إسرائيل في 1948. قبلذاك هناك تاريخ جامع ومديد من العلاقات الاقتصاديّة والوحدة الإداريّة مع شمال فلسطين. في “عاصمة الشمال” كانت سوريّا هي العنوان. المبادلات التجاريّة والقرابات العائليّة جعلت الشرط الأوّل للزعيم الطرابلسيّ أن يكون مُصاباً بطلب الوحدة مع سوريّا، وألاّ يرى في الانتداب الفرنسيّ و”لبنان الكبير” الذي أنشأه إلاّ “عاراً” ينبغي محوه.

هنا يكمن سرّ الزعامة الكراميّة: فعبد الحميد كان جذريّاً في موضوع الوحدة السوريّة، عزله الفرنسيّون وأحلّوا محلّه، على رأس الإفتاء، الشيخ رشيد الميقاتي. باقي الزعماء الذين سبقوه أو جايلوه لم يُرضوا المزاج الطرابلسيّ المهتاج: الشيخ محمّد الجسر، المتوفّى في 1934، بعدما ترأّس المجلس النيابيّ في 1927 وترشّح لرئاسة الجمهوريّة في 1932، رفض الحركة الفيصليّة وآمن بـ “لبنان الكبير”. خير الدين الأحدب، الذي بدأ نائباً عن بيروت ثمّ بات أوّل رئيس حكومة سنّيّ، انتهى مؤيّداً للانتداب و”لبنان الكبير” بعد سنوات قضاها في معارضتهما. خير الدين توفّي محبطاً ومعزولاً في باريس. النائب راشد المقدّم، مثله مثل الأحدب، كان مقرّباً من إميل إدّه الموصوف بممالأة فرنسا، ومتّهَماً بالحصول على “دعم فرنسيّ” في مواجهة عبد الحميد.

في المقابل، لم يكن في وسع بيروت، التي كانت تتّسع وتزدهر كعاصمة مكرّسة، أن تبالغ في الشكوى من خسارة فلسطين أو من “الانفصال عن سوريّا”.

أثر الشهابيّة

متعدّدَ الأوجه كان الأثر الذي تركه فؤاد شهاب على الزعامة السنّيّة. لقد آمن بتحويل مقاتلي “ثورة 1958” نوّاباً، ما قد يمتصّ تطرّفهم واحتكامهم إلى الشارع، كما يُلزمهم بالبرلمان والانضواء في المؤسّسات. هكذا ضُمّ عبد الله المشنوق وعثمان الدنا إلى لائحة سلام في دائرة بيروت الثالثة، كما ضُمّ محمّد حمزة إلى لائحة كرامي في طرابلس. أمّا سامي الصلح، في دائرة بيروت الثانية، فعوقب بإسقاطه، في انتخابات 1960، لمصلحة رئيس “حزب النجّادة” عدنان الحكيم. ذاك أنّ “بابا سامي”، بحسب لقبه الشعبيّ، آثر أن يبقى الزعيم السنّيّ الوحيد المتحالف مع شمعون والذي يرأس حكوماته المُدانة إسلاميّاً. خلفيّته العثمانيّة لم تستسغ جمال عبد الناصر. شجاعته كانت مؤكّدة. إبّان “ثورة 1958” أُحرق منزله في بيروت.

رئيس الجمهورية فؤاد شهاب ورئيس الحكومة رشيد كرامي عام 1959

في صيدا، كوفىء معروف سعد باحتكاره المقعد النيابيّ لمدينته طوال الستينات. البزري لم يعد إلى المجلس إلاّ في 1972.

على المستوى الحكوميّ، ضمّت الحكومة الرباعيّة، أواخر 1958، رشيد كرامي الذي كان رئيسَها، وحسين العويني، الذي لم يُعرَف كوجه سياسيّ، وإن عُرف كرجل أعمال وثيق الصلة بالمملكة العربيّة السعوديّة. هكذا خاطبتْ بيروتُ الشهابيّةُ القاهرةَ ودمشقَ (في زمن الوحدة المصريّة – السوريّة) بكرامي، فيما خاطبت الرياضَ بالعويني. قبل انفجار حرب اليمن في 1962 كان هذا لا يزال ممكناً.

بعدذاك شكّل صائب سلام الحكومة التي ضمّت، للمرّة الأولى حتّى حينه، 18 وزيراً، جامعةً القوى السياسيّة اللبنانيّة كلّها ومستثنيةً التيّار الشمعونيّ وحده. هذه الحكومة التي استقالت في أواسط 1961، أنهت العلاقة بين شهاب وسلام الذي انتقل إلى المعارضة.

أثرٌ آخر رتّبته الشهابيّة على الزعامة السنّيّة. فـ “المكتب الثاني”، من خلال عمله الدؤوب في “البيئات الجوفيّة للمدينة”، مسلّحاً بالعلاقات الوطيدة مع القاهرة وسفيرها عبد الحميد غالب، نسج علاقات متينة مع وجهاء أحياء صغار، أو شبّان طامحين ومتجرّئين، في عائلات كقليلات وشهاب الدين وكريديّة وسواها. بعض هؤلاء صاروا لاحقاً وجوهاً بيروتيّة وناصريّة في آن. في مطلق الحالات، لم يشعر زعماء بيروت المكرّسون بالارتياح حيال تدخّل الدولة، التي كانت تقليديّاً لا تتدخّل، في ثنايا الجماعات الأهليّة وتضاعيفها. صائب سلام كان الأكثر ارتياباً بنوايا التهميش الشهابيّة وبالضرب الشهابيّ في بيروت بسيف عبد الناصر.

صائب ورشيد

على مدى الستينات، كان البيروتيّ صائب سلام والطرابلسيّ رشيد كرامي أبرز زعماء السنّة اللبنانيّين. في معظم تلك السنوات الشهابيّة شغل كرامي رئاسة الحكومة، وكان سلام أحد قادة المعارضة. السياسيّان متناقضان في كلّ شيء تقريباً، بما في ذلك التكوين الشخصيّ.

سلام جاء من خلفيّة تجاريّة. والده سليم علي سلام كان تاجراً ووجيهاً بيروتيّاً، مع أنّه لم يكن عديم الصلة بالسياسة التي بدأها مبكراً من خلال عضويّته في مجلس المبعوثان العثمانيّ. لاحقاً لم يرشّح نفسه للانتخابات وكان يكتفي، غالباً بالتنسيق مع الوجيهين والسياسيّين البيروتيّين الآخرين عمر بيهم وعمر الداعوق، بدعم مرشّحين شبّان أبرزهم عبد الله اليافي.

كرامي جاء من خلفيّة دينيّة. والده عبد الحميد كرامي دخل عالم السياسة من باب الإفتاء، الذي يمتدّ لمئات السنين في عائلته. رصيده في مناهضة الانتداب توّجَهُ بسَجنه في راشيّا، مع باقي مَن سُجنوا من الاستقلاليّين. بعدذاك انتسب إلى نادي رؤساء الحكومات.

صائب سلام كان فيه شيء من المرونة والسلاسة الممزوجتين، في لحظات الغضب، بعفويّة قد تذهب بعيداً في عدوانيّتها. لقد سكنه التاجر والقبضاي في تعايش غير مألوف بين هاتين الشخصيّتين. رشيد كرامي كان بارداً، يوحي بأنّه دائم السيطرة على مشاعره وعواطفه القليلة. بطء العالم السلطانيّ كان يستوطنه ويحمله على مقاربة الحياة ومسائلها الجديدة بـ “الحِكَم” المتوارَثة أباً عن جدّ. صائب كان يتباهى بمتابعة الصحافة الغربيّة. رشيد كان يتباهى بالآيات القرآنيّة و”تفسير الجلالين”. أوّلهما كان في صلته بالآخرين شخصيّاً، وأحياناً حميماً. الثاني كان بعيداً ومتعجرفاً.

من اليمين: رشيد كرامي، ريمون إدّه، صائب سلام

آل سلام صاهروا مبكراً مسلمين شيعة غير بيروتيّين، كآل الزين. آل كرامي لم يصاهروا، حتّى السبعينات، إلاّ عائلات سنّيّة وشماليّة كآل علم الدين. المصاهرة المبكرة بين العائلتين، بنتيجة زواج المهندس مالك سلام، شقيق صائب، من نجوى كرامي، شقيقة رشيد، لم تقرّب بينهما. لقد أدّت إلى اندماج مالك في آل كرامي وسياساتهم.

وخلافات صائب ورشيد في السياسة لم تكن قليلة على أيّ حال. فالأوّل، لا سيّما بعد 1961، بدأ ينحاز للرياض على القاهرة، بعدما كان الوجهَ اللبنانيّ الأبرز لـ “ثورة 1958” المدعومة من عبد الناصر. أمّا الثاني فجمع بين الشهابيّة والناصريّة. لقد وُصف بتطرّفٍ ردَّه البعض إلى “التكفير عن 57”: في ذاك العام كانت الانتخابات التي اشتُهرت بتزويرها، إذ أسقط كميل شمعون صائب سلام وأحلّ محلّه في نيابة بيروت جميل مكّاوي ورجلَ أعمال اسمه فوزي الحصّ. كمال جنبلاط في الشوف، وصبري حمادة في بعلبك – الهرمل، وأحمد الأسعد في الجنوب أُسقطوا أيضاً. الوحيد الذي لم يرسب، من بين كبار التقليديّين المسلمين، كان رشيد كرامي. يومها قيل إنّ الأخير كان ألطف من زملائه في معارضة شمعون لأنّه “يدين له” بتولّيه رئاسة الحكومة في عهده. بيد أنّ “الخطيئة” هذه، التي لا يغفرها المزاج الطرابلسيّ، بات محوها تكفيراً مطلوباً بإلحاح عصبيّ.

طبيعة الخصم كان لها دورها أيضاً: في مرحلته “الناصريّة”، احتوى صائب مُحبّي “المارد الأسمر”: رعى “القوميّين العرب” وقرّب أحدهم، جميل كبّي، الذي اصطحبه لاحقاً على لائحته الانتخابيّة، وبالطبع كان كبّي قد قطع علاقته بـ “الحركة”. ابراهيم قليلات، الذي سيؤسّس بعد سنوات حركة “المرابطون” أو “الناصريّون المستقلّون”، كان كبير مرافقيه. لكنّ سلام ما لبث أن واجه الناصريّة – الشهابيّة في بيروت، فيما بقي الشيوعيّون والبعثيّون، الذين لم يربطهم به أيّ ودّ، أفراداً محدودي التأثير. أمّا كرامي، الناصريّ – الشهابيّ، فوجد في وجهه الشيوعيّين والبعثيّين. الأوّلون، وكان منهم عدد مُعتَبر من المهندسين والأطبّاء البَرِمين باحتكاره الحياةَ السياسيّة لمدينتهم، عالجهم أيضاً بالاحتواء. لقد اصطحب على لائحته الطبيب هاشم الحسيني الذي كان يتولّى رئاسة “حركة أنصار السلم” و”جمعيّة الصداقة اللبنانيّة السوفياتيّة”. وبعد كلّ حساب، ففي العرف السوفياتيّ كان كرامي صديقاً ومن رموز “البورجوازيّة الوطنيّة” الكبار.

البعثيّون كان خطرهم، من خلال عبد المجيد الرافعي، كبيراً. لهذا ضمّ كرامي إلى لائحته في 1960 وفي الانتخابات التي تلتها متعلّماً يواجه به الطبيب الرافعي: إنّه خرّيج القانون من لاهاي، وابن الأسرة الدينيّة التي تحاكي أسرته، أمين الحافظ. بيد أنّ انفجار الخلاف الناصريّ – البعثيّ وما تسبّب به من غضب شعبيّ على البعثيّين، سهّل على كرامي مهمّته. لقد امتنع الرافعي، في 1964، عن الترشّح إلى الانتخابات لمعرفته أنّه راسب لا محالة.

وبينما ظلّ “الأفندي” رشيد كرامي حليفاً لـ “البك” كمال جنبلاط، وإن بقدر من التوتّر المضبوط الذي شاب تحالفهما، ظلّت العلاقة بين سلام وجنبلاط إحدى أسوأ العلاقات بين سياسيّ لبنانيّ وآخر.

إقرأ أيضاً:
الصراع على الزعامة الدرزيّة في لبنان
الصراع على الزعامة المارونيّة في لبنان

إقرأ أيضاً