fbpx

هنا القصة الثالثة

حازم صاغية - كاتب لبناني

حازم صاغية - كاتب لبناني

مقالات الكاتب

الصراع على الزعامة الدرزيّة في لبنان (2 من 2)

على نحو منظّم ودؤوب، قدّم نظام الوصاية دعمَه لمَن همّشتْهم، أو تجاوزتْهم، وحدة الدروز إبّان حرب الجبل. أكثر من هذا، خلق النظامُ المذكور، ممّا يقارب العدم، قوىً أنعشَ تفتّتُ المجتمع اللبنانيّ طموحَها. الرغبة المعروفة عند وجهاء القرى الصغار أن يصبحوا وجهاء أكبر عزّزت ذاك الطموح.

قليلون جدّاً مَن صدّقوا أنّ السخاء الذي يُبديه نظام الوصاية سببُه “مصلحة لبنان”، أو “عروبته” أو “ديمقراطيّته”، أو أنّ هدفه إيجاد توازن أكثر صحّيّةً بين الطوائف أو في داخلها. أمّا الدائرون على مضض في فلك الوصاية، وجنبلاطُ يومها أبرزهم، فكانوا أكثر مَن يدركون ما تُبيّته الأفعال “الأخويّة”.

هكذا، ما أن انسحب الإسرائيليّون من طرف واحد، عام 2000، مُعطّلين حجّة النظام السوريّ للبقاء، حتّى طالب وليد بـ “إعادة تموضع القوّات السوريّة” في لبنان. بعد أشهر، قفز إلى “مصالحة الجبل” التي شاركَه صنعَها البطريرك المارونيّ نصر الله صفير.

“المصالحة” هذه بدت من جنس التصعيد. لاحتْ بمثابة مراجعة ضمنيّة لتاريخ طائفيّ ولتحالفات سياسيّة، لكنّها انطوت أيضاً على مراجعة لفهمٍ ثبّتَه، بطريقة عوجاء، اتّفاق الطائف. مفاد المراجعة إعادة الاعتبار لأولويّة الجبل بوصفه صانع “لبنان الكبير” وأساسَه. التهليلُ لتلك “المصالحة” حرّك ارتياب المرتابين بجنبلاط في دمشق. الشيفرة لم يكن فكُّها صعباً.  

حافظ الأسد كان، في هذه الغضون، قد مات. ابنه بشّار حلّ محلّه. غازي كنعان، بوصفه الوالي الأمنيّ والعسكريّ على لبنان، استُبدل برستم غزالي. الأعمار باتت أصغر والرُتَب أدنى والخبرات أقلّ، والإهانة حين تصدر عن طاقم أقلّ إحرازاً للاعتراف به تغدو أشدّ إيلاماً للمُهان. وبدوره، فالتمديد لإميل لحّود، الذي لا يُشتهى رئيساً لبلدٍ عدوّ، إهانة كبرى.

صوت النوايا المسموع
مع اغتيال رفيق الحريري في 2005، بعد ترشيح وليد جنبلاط للاغتيال، وإثر محاولة اغتيالٍ كادت تودي بمروان حماده، أحد أبرز أقطابه، سُمع صوت النوايا الجنبلاطيّة المكبوتة. لقد سُمع عالياً وجهيراً. فطولُ مدّة الكبت وطولُ زمن الاضطرار إلى الظهور بما يعاكس الرغبة جعلاه أقوى أصوات المعارضة التي ما لبثت أن عُرفت بـ 14 آذار. هكذا جاء النقد الذي عبّر عنه أقربَ إلى الشتيمة، وجاء النقض الذي أقام فيه أقربَ إلى التشهير. لقد استضافتْ خطبُه في هجاء الأسد قاموساً غير معهود في السلاطة عادلَ قاموس المدائح التي كان مُجبَراً على كيلها. لقد بدا لوهلة شبيه نفسه كما لم يشبهها في عهد الوصاية.      

بشّار الأسد، الذي سحب قوّاته من لبنان مُهاناً ومهزوماً، لاحقتْه شتائم جنبلاط إلى دمشق. حزب الله بات هو الفاعل في الشأن اللبنانيّ بعدما كان، في عهد الوصاية، نائب الفاعل. أمّا وليد، الذي ملأ الفراغ في قيادة 14 آذار، فصار المرجع القياديّ الأوّل لأكثر من ثلثي اللبنانيّين.

مع هذا، فرملَ “البك” فجأةً وجهة المصالحة مع المسيحيّين حين تنبّه إلى “مخاطر” عودتهم إلى الواجهة. أشباح الماضي ضربت من جديد. ذاك أنّ خروج سمير جعجع من السجن ورجوع ميشال عون من فرنسا أيقظا هاجس “الفلاّح المارونيّ” الضارب في القرن التاسع عشر، وأغْرَيَا باحتمال التعايش مع “الفلاّح الشيعيّ” المسلّح الذي مثّله حزب الله. الحكمة الضمنيّة كانت أنّ المارونيّ قريب في الجبل بينما الشيعيّ بعيد في لبنان.

هكذا نشأت الفكرة الخرقاء عن “تحالف رباعيّ” في انتخابات 2005، يضمّ إلى جنبلاط وحزبه كلاًّ من سعد الحريري وتيّار المستقبل، ونبيه برّي وحركة أمل، وحزب الله نفسه.

المسيحيّون كان من الطبيعيّ أن يشعروا بأنّ الزعيم الدرزيّ لا يزال يفضّل الخصومة القديمة لهم على الصداقة الجديدة معهم. إنّه، بهندسته “التحالف الرباعيّ”، لا ينوي إلاّ التمديد للهامشيّة التي عانوها في الحقبة السابقة. لقد بدا المطلوب، في نظر جنبلاط، إدامة التوازنات التي سادت عهد الوصاية السوريّة لكنْ من غير أوصياء سوريّين.

والحال أنّ حسّ الواقع، مُصاغاً بحسابات أقلّيّةٍ شكّاكة، وزاخراً بتاريخ من التناحر، كان يجعل العواطف كلّها ناقصة أو مزدوجة، تقيم فيها المكائد المتبادلة والخطط الملتوية. وبعد كلّ حساب، لم يكن انقضى على حرب الجبل سوى عشرين عاماً، وكان دروزٌ كثيرون ومسيحيّون أكثر لا يزالون يتقبّلون التعازي بضحاياهم.

في الحالات كافّة اندفع مسيحيّون، ممثّلين بالتيّار العونيّ، نحو حزب الله، وهم اندفعوا إلى أبعد ممّا اندفع جنبلاط، مُنشئين “تفاهم مار مخايل”. أمّا الحزب الإلهيّ، الذي ربّما توهّم “البك” فصله عن دمشق، أو عوّل على ترشيده عبر صديقه نبيه برّي، فضاعف التصاقَه بدمشق، ساخراً من رهانات قرويّة لا تفهم المنطقة وأحلافها الإقليميّة العابرة الحدود.  

وبين حساسيّتين، واحدة جبليّة ومسيحيّة وأخرى لبنانيّة وشيعيّة، انتهى جنبلاط خاسراً على الجبهتين. فقد تلاحقت الضربات الصغرى داخل الطائفة: أعلن وئام وهّاب، تأسيس “تيّار التوحيد اللبنانيّ”، ولاحقاً “العربيّ”، مُقلّداً ما سبق أن فعله طلال أرسلان في 2001 بتأسيسه “الحزب الديمقراطيّ اللبنانيّ”. وكان وهّاب انتسب في شبابه إلى جنبلاط وحزبه، ثمّ انتقل إلى أرسلان وحزبه، من دون أن يقتصد في عقد الصلات يمنةً ويَسرة. أمّا في البقاع الغربيّ فظهر حزب لا يعوز اسمَه التواضعُ هو “حركة النضال اللبنانيّ العربيّ” بزعامة فيصل الداوود. وأرسلان ووهّاب والداوود، ومعهم القوميّون السوريّون من دروز وغير دروز، لم يُخفوا هواهم الأسديّ، وارتباطهم، على نحو أو آخر، إمّا بحزب الله أو بميشال عون أو بالاثنين معاً.

أهمّ من ذلك كان ما شهدته مشيخة العقل. فقبيل وفاة محمّد أبو شقرا في 1991، أوصى الشيخ بتعيين بهجت غيث قائمقاماً لشيخ العقل. لكنْ في 2006، وكان قد عُزل غيث الذي تضخّمت طموحاته السياسيّة والفقهيّة، عاد العمل بنظام الرأسين. هكذا اختير شيخ عقل للجنبلاطيّين هو نعيم حسن، وآخر لليزبكيّين هو ناصر الدين الغريب.

2006-2008

الحدث الأبرز في 2006 كان بالطبع حرب إسرائيل وحزب الله. هنا أمكن الالتفاف على الأجندة السياسيّة التي طرحها انقسام 8 و14 آذار بعد اغتيال الحريري، وأعيد الاعتبار مجدّداً إلى “القضيّة المقدّسة” التي يرعاها الأسد على مستوى إقليميّ. وكممثّل لهذه القضيّة، طامعٍ إلى الإمساك إلى ما لا نهاية بقرار الحرب والسلم اللبنانيّين، غزا حزب الله وحلفاؤه بيروت بعد عامين، فحاصروا جنبلاط وسعد الحريري في منزليهما بالعاصمة. الغزاة حاولوا التقدّم نحو الجبل الدرزيّ الذي صدّهم، وهو ما شكّل جائزة ترضية نسبيّة وموضعيّة قوّتْ موقع جنبلاط قليلاً مُتيحةً له أن يستسلم على نطاق وطنيّ.

هنا حصل انكسار لا يُمارى فيه. فإلى التشهير الحادّ والمهين الذي تعرّض له، والمُشهِّرُ لم يكن سوى حسن نصر الله نفسه، آثر وليد جنبلاط مغادرة 14 آذار كصيغة للتحالف والعمل السياسيّ. أمّا داخل الطائفة نفسها، فراح يبذل الجهود الآيلة إلى تهدئة أصحاب الرؤس الحامية الراغبين في مقاتلة الحزب الشيعيّ والانتقام لجرحهم.

وأكثر من أيّ وقت سابق بدت حساسيّة جنبلاط ممزوجة بالخوف. فالطائفة الدرزيّة صغيرة العدد وعديمة التسليح قياساً بالطائفة الشيعيّة، ووليد نفسه ابنُ أب ذهب قتلاً، هو بدوره ابنٌ لأب ذهب قتلاً. قاتل الجدّ، فؤاد، كان يُدعى شكيب وهّاب. هذا ما يقوله مبدأ الواقع في تأويله الجنبلاطيّ، بتوازنات قواه وبالأحقاد التي تبادلها تاريخه.  

لقد بدا الأمر انكساراً مُرّاً، لا لوليد جنبلاط فحسب، بل لطائفة يعزّ عليها الشكل والمظهر والأنفة.

في المقابل، لم يتحوّل الفتات الذي جمعه حزب الله ودمشق، للوقوف في وجه الزعيم الدرزيّ، جسماً متجانساً. لقد حالت عوامل شخصيّة، في عدادها تشاوف “المير” طلال على حلفائه، وافتقاره إلى شروط القيادة والإقناع، دون ذلك. مع هذا، وبطرق شتّى لم تراعِ دوماً عفّة اللسان التي اشتُهر بها الدروز، استؤنفت الحملة على جنبلاط، فلم تكن تهدأ إلاّ حين ينوي حزب الله تهدئتها لغرض من أغراضه.

في الحملة هذه، كان وئام وهّاب أفصح التعابير المحلّيّة عن ظاهرة الشعبويّة البذيئة التي تباشر قضم السياسة في العالم.   

السلاح المألوف في ابتزاز المسيحيّين، أي إسرائيل، بدأ يُستخدَم همساً وتلميحاً ضدّ جنبلاط. كلّما احتجّ دروز من الجولان على إسرائيل وطالبوا بالعودة إلى سوريّا، وكلّما أظهر دروز من الجليل أنّهم مندمجون في الحياة الإسرائيليّة، بدا جنبلاط مضطرّاً لأن يعلّق مندّداً أو مباركاً أو داعياً “أهلنا” إلى الانتفاض كما لو أنّه يدفع ضريبة الذميّة. وعندما حُرّر الأسير الدرزيّ سمير القنطار من السجون الإسرائيليّة، عام 2008، بدا كأنّ رفع القنطار إلى سويّة الأسطورة إنّما يستهدف خفضاً لسويّة جنبلاط في طائفته. ولربّما تذكّر “البك”، في واحدة من هذه المرّات التفتيشيّة اللئيمة، كيف أنّه هو نفسه كان يشارك في هذا الابتزاز حين كان يستهدف خصومه المسيحيّين في الجبل.

في الحالات كافّة، بدا أنّ حزب الله، ومن ورائه “سوريّا الأسد”، ينظران إلى وليد جنبلاط بوصفه أبرز العوائق التي تمنع إمساكهما بالحياة الداخليّة لباقي الطوائف اللبنانيّة.

سوريّا ودروزها

مع اندلاع الثورة السوريّة، تطرّفت الرهانات كلّها واحتدم التناقض بينها. وليد جنبلاط لم يتّخذ موقفاً مؤيّداً للثورة فحسب، بل تطرّف مرّةً في غضبه مُستبيحاً دم الدروز المؤيّدين للنظام. وهو، من غير انقطاع، أرفق انحيازه السياسيّ بوقفات نبيلة حيال السوريّين في لبنان مَيّزتْه عن سائر السياسيّين. طلال أرسلان وباقي مناوئيه اعتمدوا تلك اللغة الببغائيّة المعروفة: “جنبلاط متآمر على دروز سوريّا وينفّذ أجندات أجنبيّة”، “بشّار الأسد ضمانة قوميّة”، “السيّد حسن سيّد المقاومة”…

الثورة السوريّة وقمعها تحوّلا مادّة ضمنيّة في السجال المسموم بين وليد وخصومه المصنوعين وأنصاف المصنوعين. انشقاق دروز سوريّا بين مشايخ عقل ثلاثة، قد يصيرون أربعة، ونشوء “حركة رجال الكرامة” ثمّ اغتيال مؤسّسها الشيخ وحيد بلعوس، أمدّت ذاك السجال بوقود لا ينضب. في هذه الغضون، واصلت تلفزيونات الممانعة وجريدتها التشهيرَ بجنبلاط مصحوباً بتضخيم خصومه، كما واصل ناشطوها على شبكات التواصل المهمّة ذاتها.   

بدا كذلك، مع الانتخابات النيابيّة الأخيرة، أنّ استهداف “البك” الدرزيّ هدف يجمع بين “الفلاّح المارونيّ” ممثّلاً بالعونيّين الذين وعدوا فلاّحهم بالثأر من قهر نزل به في الماضي، و”الفلاّح الشيعيّ” ممثّلاً بحزب الله الذي وعد فلاّحه بتأميم المستقبل واحتكاره. هكذا أمكن خفض كتلته النيابيّة من 11 مقعداً إلى 9، غير أنّ المقعدين اللذين خسرتْهما الكتلة كانا مارونيّين، كسبهما “التيّار العونيّ”، لا درزيّين. كلّ المقاعد الدرزيّة بقيت لجنبلاط، باستثناء مقعد درجَ، متعالياً، على تركه لـ “المير” طلال.  

واليوم، وعملاً بـ “التقليد” اللبنانيّ، يورّث وليد نجلَه تيمور الزعامة. لقد حلّ النجل، مُرغماً على الأرجح، في المقعد النيابيّ الذي اعتزله الوالد. لكنّه، هو الذي تتكاثر البراهين على كرهه السياسةَ، يرث أيضاً زعامة تصارع خصوماً أقوياء من خارجها يدعمون الخصوم الضعفاء من داخلها.

والحال أنّ أشكال الحصار تنوّعت، وتتنوّع: من قضم التمثيل الجنبلاطيّ في الحكومة، إلى انتزاع إذعان “البك” لحكومة تُفرض على الحريري وتستجيب كلّ رغبة إيرانيّة أو سوريّة، لا سيّما بعد العقوبات الأميركيّة الأخيرة على طهران. وئام وهّاب، عبر موكب سيّاراته الذي “تحدّى” المختارة، ثمّ “إشكال الجاهليّة الأمنيّ” وذيوله، بدا للبعض أنّه هو المكلّف باستكمال الحصار الذي بدأ في 2008. البعض قالوا إنّ حزب الله، من خلال “سرايا المقاومة”، حاضر في هذه الهجمة.

العداوة، التي لا تفتر، قد تتحوّل سبباً آخر لقوّةٍ تزدهر دائماً على العداوة. ومَن يدري، فهي ربّما صلّبت، بعد وقت يطول أو يقصر، عود تيمور وحبّبته بالسياسة. لكنْ في هذه الغضون، وفي معمعة التنافس على وحدة الطائفة وزعامتها، يُلقى بشابّ بريء آخر إلى هذا الوحل الذي يصبغ المشاعر، وإلى ذاك الدم الذي يصبغ الأفعال، فيما أهازيج الكرامة والشهامة والمبايعات تستولي على الأفق. والجبل، إلى أن يجدّ جديد، هو هذا، ولبنان أيضاً.

 

إقرأ أيضاً:

الصراع على الزعامة الدرزية ١

 

إقرأ أيضاً