fbpx

هنا القصة الثالثة

حازم صاغية - كاتب لبناني

حازم صاغية - كاتب لبناني

مقالات الكاتب

الصراع على الزعامة الدرزيّة في لبنان (1/ 2)

في الخمسينات والستينات، بدت الزعامة الدرزيّة موزّعة بين رأسين يستلهمان الانقسام العصبيّ القديم إلى جنبلاطيّين ويزبكيّين: كمال جنبلاط، الذي باشر حياته السياسيّة حليفاً شابّاً لإميل إدّه و”الكتلة الوطنيّة” المتّهمَين بمحاباة فرنسا، ومجيد أرسلان، المنتسب إلى “الكتلة الدستوريّة” التي أسّسها بشارة الخوري وأُخذت عليها وعليه “إنكليزيّتهما”. جنبلاط كان يقف على رأس الجنبلاطيّين، وقاعدةُ قوّته الشوف. أمّا أرسلان، وإن كانت عائلته جنبلاطيّة بحسب الانقسام التقليديّ، فيتزعّم اليزبكيّين في عاليه ومحيطها.

الزعامتان، المتفرّعتان عن أصول اجتماعيّة أساسها ملكيّة الأرض، تطوّرتا على قدر من التوازي. زعيم الشوف وجد في شبلي العريان حليفاً وامتداداً لزعامته في راشيّا. زعيم عاليه وجده في منافسه سليم الداوود. الأوّل “عطف” على الشيوعيّين (مع أنّه في شبابه الأوّل غازل القوميّين السوريّين). الثاني على القوميّين.

احتكار الزعامة الدرزيّة هذا كان سبباً لاحتقان وغضب دائمين يصيبان آخرين. الغاضبون شبّان في الطائفة لمسوا في أنفسهم جدارةً مصدرها العلم أو الثروة، لكنّهم رأوا أيضاً أنّ الوجهين التقليديّين يسدّان الأبواب عليهم: الأستاذ الجامعيّ بشير العريضي قضى عمره يخوض الانتخابات النيابيّة ضدّ “الإقطاع” ويرسب. المحامي عصام نعمان اختار طريقاً التفافيّة عبر حزب البعث انتهت به، وهو مُحبَط، إلى حزب جنبلاط، التقدّميّ الاشتراكيّ. المليونير نجيب صالحة حاول أن يستخدم التمايز النسبيّ لمنطقته، المتن الجنوبيّ – بعبدا، ذات الأكثريّة المارونيّة، فيفاوض الزعيمين من موقع قويّ نسبيّاً.

الشركاء في الاحتقان والإحباط كانوا المسيحيّين. هم، في الشوف وعاليه، أكثر عدداً وتعلّماً وثراء، لكنّ الزعامة لا بدّ أن تكون في يد قطب درزيّ. هذا “القدر”، الذي لا رادّ له، أسّس مظلوميّة مسيحيّة في الجبل كان كميل شمعون أبرز الناطقين بلسانها والمتمرّدين عليها، كما أبقى ذاكرة القرن التاسع عشر حيّةً، لا تكاد تخبو حتّى تشتعل.

المرارة المسيحيّة كانت في الشوف أشدّ منها في عاليه: ذاك أنّ مجيد أرسلان ليس ذاك المناوىء للرئيس المارونيّ الذي كانه كمال جنبلاط. إنّه، على العكس، حليف الرئيس الدائم، وبالتالي حليف المسيحيّين في العاصمة – المركز. وإذا كان سيّد الشوف، أقلّه منذ أواسط الخمسينات، صاحب خيارات عربيّة لا يستسيغها المسيحيّون، فإنّ سيّد عاليه لم يملك ترف الخيارات التي تتعدّى قضاءه أو فضولها.

بين “البك” و”المير”

الفارق بين الزعيمين لم يكن بسيطاً: فجنبلاط ديناميكيّ، له، وإن بطريقته الخاصّة، مداخلات ومواقف تبدأ بأديان الهند ولا تنتهي بفلسفات اليونان وأوروبا، وله كذلك جولات تحمله إلى دمشق والرياض والقاهرة وموسكو، ومنذ أواخر الستينات غدا، هو الآخر، يملك سهماً في “تحرير فلسطين”. في بداياته كان واحداً من رموز النخبة الجبليّة واللبنانيّة الناطقة بالفرنسيّة، والتي وجدت مصنعها ومنبرها في “الندوة اللبنانيّة” لميشال أسمر. بعد حين، بات يؤسّس الجبهات “الوطنيّة” و”التقدّميّة” التي توسّع نطاق طائفته الصغيرة العدد وتكبّر نفوذها. أمّا الطموح الذي استبدّ به فأقنعه أنّه يستحقّ أكثر ممّا يستحقّ “فلاّحونا” الموارنة الذين لا بدّ أن يكون منهم رئيس الجمهوريّة.

زعامة جنبلاط درجت، بالتالي، على أن تردّ الصاع صاعين للرئيس المارونيّ، فتقدّم نفسها عابرة للطوائف من غير أن تُخفي استهدافها لطائفة واحدة يُراد تصغيرها واستصغارها، هي طائفة الرئيس

لقد اجتمعتْ في يده زعامة التقليد وزعامة التجديد: طائفته المحافظة منحتْه ناصية الزعامة الأولى. الحزب الشيوعيّ اللبنانيّ، ومن ورائه موسكو السوفياتيّة، بايَعَاه على الزعامة الثانية التي سبق أن أسّس لها حزباً يحاول الظهور بمظهر حديث. في الانتخابات النيابيّة، بات لجنبلاط وحزبه مرشّحون، ولو أنّ معظمهم رمزيّون، في بعلبك والجنوب وطرابلس، وكان له نائب في بيروت هو فريد جبران، ونائب آخر يتقاسمه مع صائب سلام هو نسيم مجدلاني، والاثنان مسيحيّان. ولئن بنى عدوُّه كميل شمعون، حين كان رئيساً، مواقع له داخل الطائفة الدرزيّة، كبشير الأعور وفضل الله تلحوق وقحطان حماده، فقد اقتطع جنبلاط لنفسه مواقع داخل الطائفة المارونيّة نفسها، وكان بعض مَن اقتطعهم، كفؤاد عمّون وفؤاد الطحيني، من أبناء بلدة شمعون، دير القمر.

زعامة جنبلاط درجت، بالتالي، على أن تردّ الصاع صاعين للرئيس المارونيّ، فتقدّم نفسها عابرة للطوائف من غير أن تُخفي استهدافها لطائفة واحدة يُراد تصغيرها واستصغارها، هي طائفة الرئيس. في وجه المرشّح المارونيّ للمنصب الأوّل كان يرشّح “المناضل الوطنيّ” جميل لحّود ثمّ يسحبه، وحين يكون اسم المرشّح سليمان فرنجيّة أو الياس سركيس، كان يُخضعه لامتحان. لقد عامل “البكُ” نفسه كرئيس ظلٍّ مستعدّ دوماً للقفز إلى الضوء الذي يرفل فيه مارونيّ مشكوك باستحقاقه له.

المير مجيد إرسلان عام 1964

أرسلان، في المقابل، كان بطيئاً وضيعويّاً. لقد بدا، بطربوشه وشاربيه، كأنّه يمثّل التاريخ في الحاضر ويستحضر الفولكلور إلى الواقع. يضيّق الطائفة إلى حدود قصره في خلده. يكفيه أنّ لائحته تفوز كلّها في انتخابات عاليه، فهذا “أكثر ممّا نستحقّ”. وهو لم يُعرَف بمزاعم علميّة أو فكريّة كالتي وُصف بها، على نطاقين عربيّ وإسلاميّ، قريباه الأخوان شكيب وعادل أرسلان. منطقته عالمه والعالم في عرفه كتلة عتم وغموض. دوره، كـ “بطل الاستقلال” ثمّ كوزير دفاع لبلد مسالم، أسبغ عليه صورة “القبضاي” القديم، وهيئةَ القويّ الذي تُعامَل قوّته كأمر واقع يخضع للتكريم ولا يخضع للاختبار.

هكذا تأدّى عن الضعف القياديّ في زعامة البيئة اليزبكيّة نموّ الحزب السوريّ القوميّ فيها وتمدّده في عائلاتها. حتّى لوائح أرسلان الانتخابيّة نفسها ضمّت وجوهاً كتلحوق وإميل مكرزل، وهما شمعونيّان أكثر منهما أرسلانيّين، كما ضمّت منير أبو فاضل، وهو شهابيّ أكثر منه أرسلانيّاً، ناهيك عن خليل – بشارة – الخوري بوصفه ابن أبيه قبل أيّ اعتبار آخر. زعامة “المير” كان يعصف بها القلق والتردّد على عكس الثقة الذاتيّة المفرطة التي استوطنت الزعامة الجنبلاطيّة. الأولى كان كلّ جديد يهدّدها. الثانية كانت تزعم أنّها مصدرٌ لكلّ جديد.

انتخابات 72

على مدى الستينات، أمكن للزعامتين أن تتساكنا، بقليل من التوتّر وكثير من اللياقات، تحت سقف الخيمة الشهابيّة: جنبلاط سيّد الشوف بلا منازع. في مواجهته أُسقط المرشّح كميل شمعون في انتخابات 1964. مع هذا فتمدّده في اتّجاه عاليه غير مسموح به إلاّ رمزيّاً. يحقّ له أن يرشّح المحامي الاشتراكيّ شكيب جابر في مواجهة اللائحة الأرسلانيّة، لكنّ الفشل بفارق كبير سيكون مضموناً.

أرسلان، بدوره، مُعزّز مُكرّم في عاليه، أمّا أن يتقدّم نحو الشوف فهذا ما لا يحتاج شهاب إلى ردعه عنه لأنّه هو نفسُه يردع نفسَه. لقد رأت الشهابيّة فيه نافذة لا بأس بإبقائها مفتوحة على شمعون، وربّما عصا يمكن التلويح بها لجنبلاط حين تنفجر فيه العَظَمة أو تستعصي على الضبط.

من اليمين: كمال جنبلاط، بيار الجميل، ياسر عرفات، صائب سلام

لكنْ مع تصدّع الشهابيّة واحتدام التناقضات اللبنانيّة بأنواعها كافّة، ضرب كمال جنبلاط “ضربة معلّم” وحّدت الطائفة سياسيّاً للمرّة الأولى. آثار ذاك الإنجاز تجلّت لاحقاً، في “حرب الجبل” التي اندلعت بعد سنوات ستّ على اغتياله.

ففي 1972 تشكّلت في عاليه لائحة مشتركة برئاسة “المير” ورعاية “البك”، استُبعد منها الشمعونيّون العتاة كتلحوق ومكرزل، وحلّ محلّهم “معتدلون” كالدرزيّ توفيق عسّاف والمارونيّين بيار حلو وشفيق بدر، فضلاً عن الأرثوذكسيّ أبو فاضل. ولائحةٌ تجمع بين “المير” و”البك” هي حتماً “لائحة الدروز”. اللائحة المقابلة ضمّت تلحوق ومكرزل وصاحب جريدة “النهار” غسّان تويني والسوريّ القوميّ عصام العريضي. الأخيرون تحدّثوا كثيراً عن “دور الشباب” و”مكافحة الإقطاع”، غامزين من قناتي جنبلاط وأرسلان، وكانوا كلّما تحدّثوا يؤكّدون للدروز أنّهم “لائحة مسيحيّين”.

عامذاك بدت المواجهة الانتخابيّة أقرب إلى استنفار عصبيّ تبيّن لاحقاً أنّه تمرين مبكر على حرب أهليّة مقبلة. لائحة أرسلان – جنبلاط فازت كلّها بطبيعة الحال.

الأمر انعكس على مشيخة العقل. فبعدما قسّم خلافُ الزعامتين “العقلَ” بين شيخين، واحد جنبلاطيّ هو محمّد أبو شقرا، وآخر يزبكيّ هو رشيد حماده، توافق الطرفان، مع رحيل حماده في 1970، على أبو شقرا. لقد بدا الدروز موحّدين في الدين والدنيا.

موارنة وعلويّون

في 1977، وباختتام “حرب السنتين” على هزيمة “المقاومة الفلسطينيّة” و”الحركة الوطنيّة”، ومع دخول قوّات الردع السوريّة إلى لبنان، اغتيل كمال جنبلاط على مفرق بعقلين – دير دوريت. حاجزٌ للأمن السوريّ اغتاله، لكنّ مسيحيّي دير دوريت هم الذين عوقبوا. حصل ذلك بقسوة دمويّة لن يقلّل من هولها إلاّ الدم الذي سيسيل في الجبل بعد سنوات قليلة. لكنّ رحيل كمال والمأسويّة التي اصطبغ بها صلّبا الوحدة الدرزيّة الناشئة: “المير” الذي يقارب السبعين باتت تخذله همّته. المتذمّرون الدروز من “التورّط” في “حرب السنتين” وتكبُّد أكلافها “كرمى للفلسطينيّين” – وهم موظّفون وأصحاب مصالح زراعيّة وتجاريّة وحِرَفيّة صغرى – طووا تذمّرهم أمام هول الفاجعة وساروا في الجنازة المهيبة.

إلى ذلك، تكشّف الوارث الشابّ، وليد جنبلاط، عن استثمار بالغ النجاح في مكائد السياسة اللبنانيّة. فهو ذهب بعيداً في مبدأ الواقع حتّى استغنى به عن كلّ مبدأ. لقد نفض عنه “الوطنيّة” و”التقدّميّة” وسواهما، وتخفّف من الهموم التي وجدت مَن يصفها بـ “الفكريّة” و”الفلسفيّة” لوالده، مُركّزاً على وحدة الطائفة في ظلّه. ذاك أنّ حجم الدروز وموقعهم حيال الطوائف الأخرى يستدعيان منه أن يستخدم الأفكار والنظريّات انتقائيّاً وبالمفرّق، مانعاً الذاكرات من أن تكون قويّة، ومُجتثّاً كلّ شعور بالذنب قد ينشأ عن قوّتها.

وبالفعل بدا الوريث شديد الاستعداد لأن يكون أشياء كثيرة في وقت واحد، من دون أن يُخلّ بنظام في الأولويّات تنتجه السيطرة على الذاكرة وتستدعيه توازنات القوى. وهو اختار أن يبدأ بالموارنة الذين لم يقتلوا أباه، مُضطرّاً، لإنجاز هدفه، أن يحالف النظام السوريّ الذي قتله، وأن يحالف معه كلّ راغب في التحالف.

والحقّ أنّ انتخاب بشير الجميّل رئيساً للجمهوريّة، في أعقاب الاجتياح الإسرائيليّ وبفعله، أشعل وليد جنبلاط. ذاك أنّ “القوّات اللبنانيّة” سريعاً ما سعت إلى ترجمة الواقع البيروتيّ الجديد في الجبل: “فليصعدْ إليه مَن هُجّروا منه في حرب السنتين أو إبّان مذبحة دير دوريت. لقد تمّ تهجيرهم بالقوّة، وبالقوّة سوف يعودون”. وهذا بالفعل ما مارسه أنصار بشير بفوريّة وبإلحاح وفظاظة تخبّىء فيها مكبوت التاريخ الضخم. وهم، فيما كانوا يطلبون حقّاً مؤكّداً، بدوا لا يرغبون إلاّ بكسر شوكة الدروز وإذلال مجتمعهم التقليديّ المتباهي.

مذبحة كفر متّى حين قُتل العشرات، وفي عدادهم الشيخ مسعود الغريب، كانت من أفظع أعمالهم. ولأنّ الغريب، المتقدّم في السنّ والمكانة، يزبكيٌّ انتقل إلى بكفيّا كي يهنّىء الجميّل بانتخابه فكافأه البشيريّون بالموت، بدا قتله قتلاً لكلّ درزيّ، خصماً كان أم حليفاً. هكذا استجاب الدروز لرغبة أعدائهم التي عاملتْهم كأنّهم واحد، فهبّوا كواحد، وكواحد فجّروا في وجوههم فائض التاريخ وضيق الجغرافيا.

لقد فعل الابن ما لم يستطع والده أن يفعله. إنّه، كما قيل بحقّ، قتل فرويديّ للأب، بل قتل لأبوين في وقت واحد

لكنْ إلى سياسات الطوائف وأحقادها ربّما انضافت أسباب تتّصل بوليد جنبلاط نفسه صانعةً حساسيّته الفائقة حيال بشير الجميّل. فالأخير، الذي لا يكبره إلاّ بعامين، صار رئيساً وهو في الخامسة والثلاثين. ثمّ إنّ اسم “بشير” قد يذكّر بشياطين التاريخ والعائلات في جبل لبنان، والذي حلّ في قلبه “صراع البشيرين”، كما أقام التماهي العاطفيّ مع مأساة بشير جنبلاط التي أنزلها به “حليف النصارى” وربّما “النصرانيّ بالسرّ” بشير شهاب. ولربّما قرأ وليد جنبلاط “وصيّة” أبيه التي خطّها في سنته الأخيرة، فكال فيها للعلويّين والموارنة نعوتاً عنصريّة لا تبزّها إلاّ المؤامرات الجهنّميّة المنسوبة إليهم. وبشير، بعد كلّ حساب، طارىء شعبويّ لا يستسيغه ورثة العهد القديم وأريستوقراطيّوه. بيد أنّ التعالي على شعبويّته قد لا تحول دون الغيرة من شعبيّته التي صنعها بيديه ولم يأتِه منها، عبر الوراثة، إلاّ القليل.

في الحالات كافّة، قرّر جنبلاط أن ينتقم من الموارنة وأن يتقرّب من العلويّين، في انتظار أن يقضي الله أمراً.

الابن الذي صار أباً

هناك، في البيئة الدرزيّة، غاب المنافسون. أمّا الحداد المديد والمكتوم على كمال جنبلاط فكان يزيد في تعطيل المنافسة وإطفاء طموح الطامحين. فيصل مجيد أرسلان حاول مبكراً، لكنّه ذهب ضدّ التيّار، وهو أعزل من كلّ شيء تقريباً. وبينما كانت “يا غيرة الدين” الدرزيّة تنطلق صرخةً تشقّ السماء، والمُسنّون يزيّتون البنادق التي احتفظوا بها منذ 1958، اختار فيصل تلك اللحظة ذاتها كي يمتّن صلته بالرئيس المنتخب بشير الجميّل. لقد ارتكب الخطأ الفادح الذي قضى عليه سياسيّاً، سيّما وقد قضى بشير نفسه بانفجار الأشرفيّة بعد أيّام على انتخابه.

طلال، أخوه الأصغر غير الشقيق، استُدعي إلى الواجهة، لكنّه بدا مُلحَقاً بسيّد المختارة الجديد، يسأله ويقلّده ويتعلّم منه. ووليد من أمٍّ أرسلانيّة، هي ابنة شكيب أرسلان، فيما طلال من أمٍّ جنبلاطيّة. لكنّ مصائر الآباء تبقى أشدّ تأثيراً من أصول الأمّهات. وبموجب الحسبة الأبويّة التي لا يُعتدّ إلاّ بها في مجتمعاتنا، كان الحدثُ رحيلَ “المير” الأب في 1983. لقد تبدّى أنّ تدريب طلال قد لا يثمر فيما الزعامة اليزبكيّة كلّها محاطة بعلامة استفهام.

كمال جنبلاط عام 1976

لحظتذاك، كان ممنوعاً على الميّت أن لا يكون شهيداً. معادلات تلك الحرب الفنائيّة صاغها الشاعر الزجليّ الدرزيّ طليع حمدان في ملحمة نقّلت ملاك الموت بحيث زار القرى الجبليّة قريةً قرية كأنّه يطهّر الطبيعة من أدرانها. هكذا ضُمّ “المير” الأب إلى قائمة الشهداء دفاعاً عن طائفة يقودها على الأرض وليد جنبلاط.

اليزبكيّة بدا كأنّها ماتت. وليد بدا وارث الأبوين. طلال كان يتكشّف عن بطء لا يصمد أمام أحداث بالغة السرعة وبالغة الحدّة في آن معاً.

في حرب الجبل تلك حُلّل كلّ شيء. فطلباً للبقاء، أو ما توهّمه الدروز كذلك، استُلّ من معطف قديم لكمال جنبلاط تحالفه مع الفصائل الفلسطينيّة المسلّحة، وأُلصق به تحالف مع القوّات السوريّة يغسل يديها من دماء الأب، كما عُطّل التحالف المارونيّ – الإسرائيليّ بتحالف درزيّ – إسرائيليّ مقابل. العمل جرى دائماً على القطعة، لكنّ النتيجة أتت باهرة بالمجمل. لقد فعل الابن ما لم يستطع والده أن يفعله. إنّه، كما قيل بحقّ، قتل فرويديّ للأب، بل قتل لأبوين في وقت واحد.

صوت النوايا

بحلول الوصاية السوريّة، طوّر وليد جنبلاط ثنائيّ الظاهر والباطن. في الظاهر، مضى حليفاً وطيداً لـ “سيادة الرئيس حافظ الأسد”. ما يصدر عنه خلطة مرغوبة من عروبة وإسلام وفلسطين زُيّنت بالاشتراكيّة والتحرّر الوطنيّ، واستلهام لجدّه من جهة الأمّ شكيب أرسلان، ولسنوات أبيه الممتدّة من أواسط الخمسينات حتّى لحظة الخلاف مع القيادة السوريّة.

في هذه الغضون وطّد، بالتفاهم مع رموز الوصاية، زعامته ومواقعه. فعل ما كان يفعله باقي سياسيّي تلك الحقبة، من رفيق الحريري إلى نبيه برّي ومن سليمان فرنجيّة إلى ميشال المرّ وعصام فارس. سهر على الوحدة الدرزيّة باختيار مرشّحيه، في الشوف وباقي الأقضية، من اليزبكبّين ومن عائلات ليست معروفة بأيّ هوى جنبلاطيّ، كحماده في بعقلين وشهيّب في عاليه والعريضي في بيصور… اختياراته هذه نمّت عن براعة عالية في خدمة الهدف: كلّ شيء للحفاظ على وحدة الدروز في ظلّه.

ميوله تلك وجدت ما يعزّزها في طبيعة المرحلة: فإبّان الطائف وبُعيده، انهار الاتّحاد السوفياتيّ ومعسكره وراج كلام كثير ومتسرّع عن نهاية الإيديولوجيّات من كلّ نوع. حافظ الأسد نفسه ما لبث أن قاتل بقيادة الأميركيّين في الكويت. من جهة أخرى، ولدت الحريريّة في لبنان. مطبعة نقودها راحت تعمل بكامل طاقتها. النتيجة كانت: لا معنى لأيّ مبدأ، والشاطر بشطارته.

أمّا الله الذي كانه حافظ الأسد، ومعه حزب الله، فكانا يسمعان نوايا وليد جنبلاط مثلما يسمعان نوايا رفيق الحريري

ووليد كان شاطراً. نظام الوصاية مدّه بالخدمات والمنافع الكثيرة كما كيّف القوانين الانتخابيّة بما يخدم نفوذه. لقد رُسم واحداً من أعمدة النظام الجديد الذي هُمّش فيه الطرفان المهزومان، المسيحيّون والفلسطينيّون. التفاؤل الكاذب، الذي تبادله الجميع، أشاع أنّ الكلّ في عرس مفتوح، وأنّ الحرب لم تنشب أصلاً.

أمّا في الباطن فالأمر اختلف. ذاك أنّ عالم الطائف لم يكن، لوليد جنبلاط، كلّه عسلاً. إنّه يُملي عليه المضيّ في النسيان الصعب، كما يُبقي تجاوز الأب ناقصاً مثلوماً بالخجل من دم القتيل. فوق هذا، سيكون مُمضّاً على سليل البكوات والأمراء الذي من عاداته قول أيّ كلام يخطر له، والجلوس برِجلين ممدودتين إلى أقصاهما في حضرة أيٍّ كان، أن يتكتّف أمام ضابط متواضع المنبت صار وصيّاً عليه.

إلى هذا، غيّرت الطائف المعنى المألوف للسياسة، وغيّرت مبناها. فالسياسة كانت، وفقاً لتجربة الجبل، ما يدور بين الموارنة والدروز حرباً وسلماً وبين بين. وفي غالب المرّات قضى التاريخ بأن ينتصر الدروز في القتال ثمّ ينتصر الموارنة في السياسة. هكذا يروح الموارنة يبكون قتلاهم ويروح الدروز يشكون استبعادهم. هنا، مع الطائف، فُعّل “لبنان الكبير” – الذي كرهه كمال جنبلاط الشابّ – للمرّة الأولى، بيد عسكريّة وسوريّة. لقد أُدخل الشيعة في المعادلة من أعرض الأبواب: أُدخلوا بوصفهم الطرف القادر على إحراز النصر العسكريّ ضدّ الموارنة والدروز معاً، والطرف الذي يملك شرعيّة مقدّسة في السياسة اسمها المقاومة.

إذاً اللعب بالنار مع الموارنة غيره مع الشيعة.

أمّا الله الذي كانه حافظ الأسد، ومعه حزب الله، فكانا يسمعان نوايا وليد جنبلاط مثلما يسمعان نوايا رفيق الحريري. ذاك أنّ البراعة الجهازيّة في التنصّت تطال، بموجب ثقافة الشكّ بكلّ آخرٍ، نوايا الآخرين. هكذا اتُّبعت سياسة مزدوجة مع وليد جنبلاط ومع رفيق الحريري ذي الولاء غير المضمون لأنّه سنّيّ “أكثر ممّا يجب” وسعوديّ “أكثر من اللازم”. مفاد تلك السياسة الدعم في مركز الزعامة والقضم في أطرافها. إنّه القضم الذي يُناط به تنبيه تلك الزعامة إلى حدودها.

وللعمليّة هذه، استُخدمت تعديلات جينيّة تكبّر أعضاءً بل تلد كائنات: طلال أرسلان ينبغي تكبيره بعد سحبه إلى خارج المظلّة الجنبلاطيّة. آل الداوود ينبغي تعزيزهم. القوميّون السوريّون ينبغي بعثهم إلى الوجود. وجوه جديدة، كالصحافيّ وئام وهّاب، ينبغي الاعتناء بهم.

إقرأ أيضاً:
ملاحظة سريعة حول العونيّة الثقافيّة…
75 عاماً من الاستقلال…

إقرأ أيضاً