الصراع بين الأبوّة والأبويّة: نواف الموسوي نموذجاً

Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email

تابعنا في الأشهر الماضية قصة غدير الموسوي، ابنة نائب حزب الله المستقيل نواف الموسوي، مع حضانة ولديها. وشهدنا فصولاً من اضطهاد زوجها السابق لها، أبرزها فيديو مسرّب لملاحقته لها ومحاولته اقتحام سيارتها. وقد ظهر الموسوي في هذه القصة أباً منحازاً لظلامة إبنته، مواجهاً بذلك قوانين مذهبية وشرعية مجحفة بحق النساء.  

يعيدنا شريط فيديو جديد يظهر فيه نواف الموسوي أثناء مشاركته بحلقة “دبكة” في عرس ابنته غدير إلى مسارات قصتها، فهي أم استأنفت حياة لم يعقها الاضطهاد، وبمباركة ورعاية الأب مرة أخرى. فمن الضرورة إعادة كتابة وقائع هذه القصة ودلالاتها من مسافة زمنية مختلفة وأكثر برودة من تلك التي فرضها عنف المشهد في ذلك الوقت.  

فضيحة

في 14 تموز/ يوليو، أصدر مخفر بلدة الدامور برقيّةً، سرعان ما تسرَّبت إلى وسائل الإعلام، جاء فيها أن عضو كتلة “الوفاء للمقاومة” النائب نواف الموسوي حاوَل اقتحامَ المخفر مع مجموعة من الرجال المسلحين. وبينما كانت ابنته غدير هناك لتقديم شكوى ضد طليقها حسن المقداد، اقتحم أربعة رجال المخفر وطعنوا المقداد بمِفكّ.

انتشرت أخبار تفيد بأن الموسوي كان يستهدف طليقَ ابنته. هنا كان على قوات الأمن التدخل، فقامت بتأمين المخفر وإغلاقه. بعد ذلك بقليل، أُطلِقت أعيرة نارية من خارج المخفر، فأصيب المقداد الذي نُقِل على عجلٍ إلى المستشفى.

كان هذا شأناً عائليّاً كما اتّضح في ما بعد. خرج الخلاف إلى العلن وتحولت القضية إلى قضية رأي عام.

يخوض حسن وغدير معركةَ حضانةٍ مريرةً منذ طلاقهما. وقد اعتادا المواجهةَ في المخفر، حيث يتنقّل طفلاهما جيئةً وذهاباً بين الأبوَين. إلّا أنّ تلك المرة كانت مختلفة، إذ كان حسن وغدير في خِضمِّ مشادّةٍ عنيفة حينما أوقفتهما دوريةُ شرطة على الطريق الساحلي الرئيسي بين بيروت وصيدا، حيث كان حسن يُطارِد سيارة طليقته على الأوتوستراد. كانت غدير برفقة طفليها (4 سنوات و7 سنوات)، وشقيقتها الصغرى التي صوَّرت المطارَدة بكاميرا هاتفها المحمول.

يخوض حسن وغدير معركةَ حضانةٍ مريرةً منذ طلاقهما. وقد اعتادا المواجهةَ في المخفر، حيث يتنقّل طفلاهما جيئةً وذهاباً بين الأبوَين.

فور انتشار أخبار الحادثة، سُرِّب مقطع الفيديو للعلن، حيث يظهر حسن وهو يحاول اقتحامَ السيارة، مروِّعاً غدير والطفلين، بينما كانوا جميعاً يصرخون. ويُقال إنه حاول مسحَ مقطع الفيديو الذي التقطته شقيقة غدير، إذ نسمعه يصيح “عم بتصوّري! عم بتصوّري!”، قبل أن تَسْودّ صورة الفيديو.

إلى جانب برقية الشرطة المسرَّبة، فضح الفيديو المسجّل خلفية قصة الأب الغاضب الذي يسعى إلى الانتقام، إذ كشف للجمهور ذعر ابنته وخوفها وارتِياعها الواضحين في التسجيل المشوَّش. هنا أُذِيعت معركة الحضانة الخاصة في العلن ليشاهدها الجميع، ونُصِّب الموسوي بطلاً لها، مع تصدُّر وسْمُ #متضامن_مع_نواف_الموسوي منصاتِ التواصل الاجتماعي.

الخروج إلى العلن 

قضية غدير الموسوي ليست قضية استثنائية على الإطلاق. بل في الحقيقة وعلى مدار السنوات القليلة الماضية، تصدَّرت عناوين الأخبار قصصُ النساء اللاتي يخسرن أطفالَهن في معارك حضانة مريرة وأحياناً عنيفة. ويُعزَى جزءٌ كبير من هذا إلى جرأة النساء اليوم وعدم خوفِهن من الحديث علناً عن تجاربهن ومِحَنهن في الزواج والطلاق والحَضَانة، التي تُنظّمها قوانينُ أحوالٍ شخصيّةٍ دينيّة تمييزيّة.  فشهادات النساء حول العنف الجسدي والنفسي، الذي يتعرَّضنَ له من قِبَل الرجال في حياتهن، أصبحت متداولة في البرامج التلفزيونية المثيرة أو الحملات التشريعية ومقاطع الفيديو التوعوية التي تنشرها منظّمات المجتمع المدني مثل مؤسسة “أبعاد” وجمعية “كفَى”. وقد اجتذبت قصصُ النساء الشخصية مع عائِلاتهن وقصصُ العنف الجنسي الذي يتعرَّضْن له اهتمامَ الرأي العام، حتى أن مسلسلات درامية – والتي كتبتها نساء بالمناسبة- تضمَّنَت قصصاً نسائية تتمحور حول العنف المنزلي والطلاق ومعارك الحضانة.

نواف الموسوي وابنته غدير

وهكذا ازدهر نوعٌ جديد بالكامل يمكن وصفه بالشكوى النسائية، ليُسلَّط الضوء عليها من خلال أكثر من حملة منها حركة “#أنا_أيضاً” #MeToo، التي أظهرت حجم التحرش الجنسي في المجتمع. وكما هي الحال مع حركات الوسوم المناهضة للعنف الجنسي، اتّخذت أمهاتُ لبنانيات من مواقع التواصل الاجتماعي منصّةً لفضح العنف الذي تمارسه قوّات الأمن والمحاكم الدينية، لأخذ الأطفال من أحضان أمّهاتهم بالقوة. ففي السنة الماضية، انتشرت على وسائل الاعلام مقاطع فيديو مصوّرة بكاميرات الهواتف المحمولة توثّق عمليات اقتحام قوات الأمن منازلَ نساء وانتزاع الأطفال المذعورين الباكين من أمهاتهم، تنفيذاً لأوامر المحاكم الدينية.

إذاً، ينتمي مقطع الفيديو المسرَّب لمطاردة حسن سيارةَ غدير -حيث يمكننا بوضوح سماع صراخ غدير وطفليها- إلى نهج جديد يعتمد فضح العنف الذي تتعرَّض له نساء، غالباً بمفردهنّ وبصمت. لقد أصبحت الأمور غير المرئية تُسجَّل بالكاميرات الآن، وباتت الشؤون الخاصة مطروحة للنقاش بشكل علني. وبفضل جهود جمعيات ومنظمات حقوق المرأة خلال العقد الماضي، تخضع هذه القضايا الآن لتشريعات ومحاكمات جنائية جديدة.

لِنُلقِ نظرةً على الموسوي، ربِّ الأسرة.

باسم الأب

أوضح الموسوي في تصريح أدلى به لوسائل إعلام محلية أنه وفي تصرّفه هذا تحمّل مسؤولياته كأب بالدرجة الأولى. وعلى رغم أنه نائب في البرلمان اللبناني، فقد قرر أن واجبه والتزامه بحماية ابنته يفوق الآن التزاماته كمشرّع. وفي معرض تعليقه على استقالته من البرلمان يوم 18 تموز الماضي، أكد حاجته إلى التعامل مع المسائل الخاصة بخصوصية، والتخلي عن دوره كموظف حكومي. وقال في تصريح لقناة تلفزيونية محلية، “أنا عندي الأولوية أن أكون أباً على أن أكون نائباً. هاي الخطوة أنا أخدتها لحتى أنا وكون عم بحمي بناتي ما يكون في أي تبعات أو آثار ضارة على الحزب أو على المقاومة. لحتى قول انه أنا بتحمل مسؤولية كل ما جرى بصورة شخصية”.

بيد أن الموسوي، كما أظهرت الصحافية اللبنانية ديانا مقلد في مقال لها، لديه سجل حافل من المواقف التقدمية تجاه التشريعات التي تحمي النساء من العنف، وغالباً ما اختلف موقفه عن توجه الحزب الرسمي في هذا الشأن. وكما أكد الموسوي مراراً، كان هو النائب المسلم الوحيد من بين النواب العشرة الذين وقعوا على اقتراح تعديل قانون حماية المرأة من العنف الأسري، في وجه رفض شرس من مؤسسات دينية، وتحديداً دار الفتوى والمجلس الإسلامي الشيعي الأعلى. ووفقاً لما أشارت إليه القصة، فقد أثّرت تجربته الشخصية بشكل عميق على موقفه السياسي والعام بشأن هذه المسألة، الأمر الذي دفعه إلى الدعوة لإقرار قانون موحد للأحوال الشخصية المدنية. وقد أشار كثيرون، وهو من بينهم، إلى أن الطبيعة الذكورية والأبوية للقانون، الذي خضعت له غدير وكثيرات، قد تكشفت أمامه جليةً من خلال المعاناة الشخصية التي واجهتها ابنته. وبصفته عضواً في البرلمان، حاول أن يصحح ما اعتبره نظاماً تمييزياً ظالماً، وكثيراً ما كان يستجيب لدعوات جمعيات حقوق المرأة الداعية لتشريعات مناهِضة للعنف الأسري والتحرش الجنسي.

ولكن، على رغم أنه رجل قانون وعضو في أقوى حزب سياسي في لبنان، فقد وجد نفسه عاجزاً، وغير قادر على حماية ابنته، ناهيك عن بقية النساء. ولذا كانت الأبوة ملاذه الأخير.

صورة عائلية

وضع هذا الجدل المثار الموسوي في مواجهة مع أب آخر على القدر نفسه من القوة. إذ إن والد طليق ابنته هو الشيخ محمّد المقداد، مدير مكتب الوكيل الشرعي لآية الله علي خامنئي في لبنان. إضافة إلى ذلك، لا مصلحة ل”حزب الله” في زعزعة العلاقات مع عشيرة آل “المقداد” التي تُعتبر إحدى العائلات الكبيرة والأكثر نفوذًا. وعلى هذا، وعلى الرغم من انتمائهما إلى النظام الأيديولوجي والسياسي نفسه الذي يربط بين “حزب الله” وإيران، فقد وقف الموسوي والمقداد الآن على طرفي نقيض، كوالدين لزوجين مطلقين يخوضان معركة مريرة حول حضانة أحفادهما.

بذلك أصبحت قضية غدير الموسوي فضيحة من العيار الثقيل. ولمَ لا، وقد توفرت جميع الأسباب التي تجعلها كذلك، إذ إنها تنطوي على شخصية سياسية مشهورة ومثيرة للجدل، وخصومة عائلية، ومخطط انتقامي، وسياسات حزبية، وآية الله نفسه. ولكنها فضيحة أيضاً لأنها تعطي اسماً علنياً ووجهاً لما هو معروف ولكن غير معترف به، ألا وهو ارتفاع معدلات الطلاق والحاجة إلى إصلاح القوانين البالية والتمييزية، بما في ذلك الحضانة.

لكن قصة غدير تُقصد بها العبرة أيضاً، إذ إنها قصة تحذيرية من المخاطر الناجمة عن الطلاق و”خربان البيوت”.

وهنا نتوقّف عند الكلمة الشهيرة التي ألقاها الأمين العام لـ”حزب الله” حسن نصر الله بمناسبة يوم المرأة المسلمة في آذار/ مارس عام 2017. وأشاد فيها بفضائل فاطمة الزهراء، ابنة النبي محمد، مشيراً إلى صبرها وصمودها، مقدماً إياها قدوة للمرأة المسلمة اليوم. كما أنّه تطرق في خطابه إلى دور المرأة في حماية الأسرة والحفاظ عليها مواجهةً للاعتداءات الثقافية والأخلاقية تسعى إلى تدمير الأسرة وتقويضها. يُحذر نصر الله قائلاً، “إنهم يريدون التعمق، في داخلنا، لضرب هذا المجتمع من الداخل، وتدميره، ثقافياً ونفسياً”. وأعرب أننا اليوم، “نواجه حرباً من نوع آخر تتمثل بما يسميه السيد القائد الإمام الخامنئي الحرب الناعمة”.

على رغم أنه رجل قانون وعضو في أقوى حزب سياسي في لبنان، فقد وجد نفسه عاجزاً، وغير قادر على حماية ابنته، ناهيك عن بقية النساء.

بحسبه إذاً، الحفاظ على النظام من “الداخل”، أي الحفاظ على البيت والأسرة، يشكّل دوراً أنثوياً بجدارة يُعادل المقاومة المسلحة في أهميتها الاستراتيجية. فغياب هذا النوع من المقاومة سوف يؤدي حتماً إلى التفكك الاجتماعي والتحلّل الأخلاقي. وفي ظل هذا النموذج للتنظيم الاجتماعي المزدوج بين العام والخاص، تُمثل الأسرة خط المواجهة الأمامي حيث تلتحم الآفاق الداخلية والخارجية -في القطاعين الخاص والعام- لتكوّن جبهة واحدة للمقاومة.

في نفس الخطاب، أعربَ نصرالله عن قلقه حيالَ ارتفاع معدّلات الطلاق في لبنان والمجتمعات العربيّة والإسلاميّة عموماً، قائلاً “لم تكن أمّهاتنا وجدّاتنا بهذا الشكل. في الأيام الخوالي، كانت النساء أكثر صبراً. أمّا اليوم فالمرأة تعود إلى والدَيها شاكيةً زوجَها، وسرعان ما يشرعون في إجراءات الطلاق”. هنا أيضاً يرى نصر الله أنّ انعدام الشعور بالعار عند ما يسمّيه “المجتمع النسائيّ” له عواقبَ خطيرةً، متّهماً الزوجات وأهلهنّ بالتخلّي عن المسؤوليّة في إنقاذ وحماية مؤسّسة الزواج.

ليس بوسعنا إلا التساؤل: أيّ نوع من الآباء هو الموسوي؟ ماذا قال حين جاءته ابنته شاكيةً زوجَها؟ هل حاول إقناعَها بالبقاء مع زوجها؟ هل وفّى بواجبه كأبٍ كما أوصى به نصرالله؟ أم هل شعَر -قبل اندلاع المواجهة العنيفة مع زوج ابنته- بالتناقض بين التعاليم الأيديولوجيّة التي عليه تجسيدها وبين الواقع الذي تعيشه أسرته؟ هل كانت غدير تجلس بين جمهور النساء اللاتي تجمّعْن في النبطيّة وبعلبك والضاحية الجنوبيّة (لبيروت) لمشاهدة خطاب نصر الله مباشرةً على شاشة البثّ الكبيرة؟ وهل كان والدها يهزّ برأسه وهو يستمع إلى خطاب نصر الله الواعظ حول قدسية الزواج ومخاطر الطلاق؟

في مقابلة مع مجلّة “المفكّرة القانونيّة”، شرح الموسوي أنّ غدير أدركَت باكراً أنْ ليسَ باستطاعتها البقاء مع زوجها. وحين سعَت إلى استشارة المرجعيّات الدينيّة، نصحوها بـ”حماية أسرتها”. إلّا أنّه حين صارَ وضعها لا يُحتمَل، طلبَت الطلاق، ففقدَت حضانةَ طفليها اللذين لا تراهما الآن سوى مرّة أسبوعيّاً؛ إذ كان هذا شرطُ زوجِها. وشرح الأمر بالقول إن المشكلة في قوانين الأحوال الشخصيّة لدى الشيعة هي أنّ الزوجَة لا يمكنها أن تقرّر إنهاءَ عقد الزواج، فذلك من امتيازات الرجل الذي وحده يمكنه إنهاء عقد الزواج متى أراد، وهذا تمييز قانوني يراه الموسوي ظالماً للغاية.

وأكّد علمه أنّ “حالات العنف ضد المرأة وقتل النساء هي أكثر انتشاراً بكثير مما يُكشَف عنه، ولكنّها حالات لا تُعلَن على الملأ، فالمرأة تؤثِر التعرّض للضرب والانتهاك على أن تفضح نفسَها”. يبدو أنّ مفهوم العار -على النقيض من مزاعم نصر الله- أبعد ما يكون من الانحسار في المجتمع النسائيّ. إلّا أنّ الخروج إلى العلن في الحديث عن المسائل الشخصية هو تحديداً ما وجد الموسوي نفسَه مضطراً إليه، وهو ما كلّفه في نهاية المطاف مقعده النيابي. وكقصص كثيرات من اللواتي خسِرنَ المعركة القانونيّة، قرّرَ والد غدير كشفَ الأمر علانيةً. ما تخسره النساء من سمعةٍ ومكانة اجتماعيّة خسره هو سياسيّاً، متنازلاً عن حصانته القانونيّة كعضو في البرلمان.

سياسات أبويّة

في تبرير استقالته من البرلمان، يستدعي الموسوي قانونَ الأب.فحين عجز عن تحقيق العدالة لابنته كعضو نافذ في “حزب الله” وكمشرّع في البرلمان، قرّر الموسوي أن يتحرّك ويتحدّث بصفته أباً. ومع أنّه ليس وحده في هذا السياق -ما أكثر الأباء في السياسة!- إلّا أنّ أداءه وخطابه الأبويّ كان من نوع مميّز، إذ تنازل عن السلطة في سبيل الأسرة.

نواف الموسوي وحفيدته

حين انتخب ميشال عون رئيساً للجمهورية، متولّياً المنصبَ الذي ظلّ شاغراً لأكثر من عامَين، تسلّ الرئاسة تحت شعار “بَيّ الكلّ”. لم يكن عون مجرّد رئيس، وإنّما أب روحيّ آتٍ لتوحيد جميع أبناء الشعب المنقسم. كما أنّ الرئيسَ الذي كان سابقاً سياسيّاً منبوذاً منفيّاً هو أيضاً اليوم “بَيّ” سلالة سياسيّة ناشئة تحملُ اسمَه. ولأنّه لم يُرزق إلا ببنات، فإنّ صهرَه جبران باسيل، وزير الشؤون الخارجيّة والقياديّ الحالي للحزب الذي أسّسه عون نفسُه، هو مَن يتم الآن تأهيله لوراثة الرئاسة.

وباسيل ليس وحده في هذا الشأن، فرجال السياسة غالباً ما يؤهّلهم آباؤهم لهذا الدور: تيمور جنبلاط وطوني فرنجية وميشال معوَّض وسامي فتفت وسامي الجِمَيِّل ووليد البعريني وطارق المرعبي وفيصل كرامي. فكما تذكرنا الملصقاتُ المنتشرةُ في كلّ مكان لرئيس الوزراء سعد الحريريّ مع والده الراحل رئيس الوزراء الأسبق رفيق الحريريّ، “يلّلي خلّف ما مات”.

الواقع أنه خلال المناقشات البرلمانية الأخيرة حول الموازنة الوطنية، أصبحت ذكرى قائد ميليشيات حزب الكتائب اللبنانية، المُغتال بشير الجميّل، موضوعاً للسجال الحاد بين نجله النائب نديم الجميّل، والنائب عن مدينة زحلة، سليم عون. وسرعان ما تحول الخلاف إلى سلسلة من الإهانات التي أكد فيها الجميّل “أنا مش هون لأني ابن بَيّي”، وهو تصريح لا يصدقه الجميّل نفسه بالتأكيد. فالجميّل الابن هو الوصي الذكر على إرث والده السياسي. ومما يُحسب له أن هذه النكتة كان لها أثر عليه، إذ أنهى السجال ممازحاً بالقول: “بَيّي أقوى من بَيّك”.

فيجدر السؤال: إذا ورث كل هؤلاء الرجال أدوارهم السياسية العامة عن آبائهم، لماذا اعتُبرت أبوة الموسوي دليلاً كافياً لإثبات عدم كفاءته كسياسيّ؟ أو بعبارة أخرى، لماذا لا يُمكن التوفيق بين دور الموسوي الشخصي كأب وبين دوره العام كمشرع؟

الأحوال الشخصية هي أحوال سياسية

جاء في رسالة استقالة الموسوي أن الشؤون الشخصية لا يُمكن أن تتدخل في السياسة. على الأقل ليس على هذا النحو. ففيما نجد أن العائلات السياسية منتشرة في كل مكان ومقبولة على نطاق واسع، إذ يتحدث كثيرون ويتصرفون سياسياً باسم آبائهم، أو إخلاصاً لذكراهم، نجد أن السياسات العائلية محظورة. إذ لا ينبغي أن نتحدث علناً عن الاغتصاب الزوجي والعنف الأسري والعمل المنزلي وسفاح المحارم. والواقع أنه من خلال الدعوات التي وجهتها المنظمات المعنية بحقوق المرأة على مدى العقد الماضي، حظيت هذه المسائل بالاهتمام، وأصبحت محطاً للتشريع وتنظيم الدولة. إذاً فالقضية لا تتعلق بتداخل ما هو شخصي مع ما هو سياسي. بل هي المكانة التي تمنح الشخص المعني الحق بالمطالبات السياسية (أو) أي مكانة يجب أن يتمتع بها المرء لتخوله إجراء مطالبات سياسية.

في عالم بديل، قد تٌعتبر قصة غدير واللاتي سبقنها، دليلاً قاطعاً على ضرورة أخذ النساء على محمل الجد، باعتبارهن كيانات سياسية، وأخذ معاناتهن على محمل الجد، باعتبارها مشاكل سياسية. تُشكل أوجه اللامساواة البنيوية والممنهجة بين الرجال والنساء -والتي تضرب بجذورها في القواعد الدينية والمدنية- مشكلة تحتاج إلى حلول منهجية، وليس مجرد إلى آباء حريصين على حماية بناتهم. وهنا يبقى السؤال، لماذا يعدُل “حزب الله” عن الضغط لإجراء إصلاحات قانونية تصبّ في مصلحة النساء، لا سيما النساء اللواتي ينتمين إلى الدوائر السياسية والاجتماعية التابعة له؟ والسبب واضح، لأن النساء -كما نعلم- أبعد من أن يمثلن جمهوراً انتخابياً سياسياً حقيقياً، يُمكن أن تُبالي الأحزاب السياسية واللجان التشريعية باحتياجاته ومصالحه.

قد يشيد نصر الله ويتغنى بفضائل المرأة، وقد يدعو قادة آخرون إلى “تمكين المرأة”، ويثنون على أنفسهم للسماح لبعض النساء بالترشح في الانتخابات والانضمام إلى الحكومة. بيد أن هذا لا يزال بعيداً كل البعد من الاعتراف بأن الحياة الخاصة حافلة بعلاقات القوة التي تجد فيها المرأة نفسها دوماً على الجانب الخاسر من الصراع. وهذا ليس نتيجة تواجد بعض “البذور السيئة” والحالات الاستثنائية من الرجال المعنّفين. كما أنه لا يتعلق بتفكك القيم الأسرية. فقد كشفت قصة غدير كيف يُمكن لأولئك الذين يمسكون بزمام السلطة أن يقعوا ضحايا للنظام الأبوي في حياتهم الخاصة والعامة.

أما بالنسبة إلى قصة والد غدير، فقد أظهرت كيف يُمكن أن تؤثر التجربة الشخصية على الموقف السياسي. ففي نهاية المطاف، كان نضال الموسوي الشخصي جنباً إلى جنب مع نضال ابنته هو الذي كوّن نظرته إلى الوضع السياسي والقانوني للنساء، وأقنعه  بضرورة إصلاحه. قد يكون الموسوي اعتمد نهجاً أبوياً في الدفاع عن ابنته. ولكن من المثير أن النهج هذا، الذي استند إلى خطاب التقاليد والأخلاق والرجولة، شكّل نوعاً مختلفاً من التحدي للنظام الأبوي السائد.

“إلا ابنتي”: نواف الموسوي يواجه قوانين الأحوال الشخصية بـ”السلاح”

Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email

إقرأ أيضاً

ميريام جبيلي – إعلامية لبنانية
أقف خلف مجموعة شبّان، يشتمون بعبارات نابية. تنظر فتاة إليّ وتراقبني، هل سأكمل الـ”هيلا هو” أم لا؟ أكملها بملء غضبي. تصمت وتبتسم لي. لا تزال في مراحل علاجها الأولى.
– ana ladmin
درج
لم يعتدِ خلدون جابر على متظاهرين، لم يضرب أحداً بالعصي والحجارة ولم يحرق خيماً. كل ما فعله أنه هتف في ساحات الاحتجاج أمام قصر بعبدا “عهدك جوّع الكل”.
ترجمة – New Yorker
بالطبع لديك فرصة لأن تصبح أكثر سعادة في الثمانين عما كنت عليه في العشرين أو الأربعين، لكنك سوف تشعر أنك أسوأ حالاً!
عبدالله المحمد – صحافي سوري
يرصد هذا التحقيق خلال ستة أشهر، استئصال رحم فتيات سوريات مصابات بإعاقات عقلية، إمّا خوفاً من تعرّضهنَّ للاغتصاب ومن ثم الحمل، أو للهروب من مصاعب الدورة الشهرية وآلامها، والتي لا تستطيع المصابة التعامل معها.
“درج”
من حسن حظ الانتفاضة اللبنانية أنها ما زالت على هامش انشغالات الإعلام العربي. قناة “الجزيرة” لم تتحول إلى قناة “الثورة” على نحو ما كانت هذه القناة في سوريا ومصر واليمن وغيرها، وقناة “العربية” ما زالت حذرة في تحويلها الانتفاضة إلى قصتها الرئيسية.