fbpx

هنا القصة الثالثة

ترجمة - The Atlantic

ترجمة - The Atlantic

مقالات الكاتب

الصداقة بين الرجل والمرأة… لمَ الارتياب؟

عام 1989، طرح فيلم “عندما التقى هاري بسالي”، سؤالاً لا تزال الكيانات الثقافية الشعبية الأخرى تحاول الإجابة عليه منذ ذلك الحين: هل بإمكان الرجال والنساء أن يُصبحوا أصدقاء مقرَّبين بالفعل، من دون أن تتحوّل علاقاتُ الصداقة إلى علاقات عاطفية؟ (وفقاً لِمسلسل “المكتب” The Office فإنّ هذا ليس ممكناً. إلّا أنّ فيلم “ضائع في الترجمة”Lost in Translation يرَى هذا ممكناً، ويبدو الأمر مُعقّداً قليلاً في مسلسل “الأصدقاء” Friends، فأحياناً يكون مُمكِناً وأحياناً لا).

شغَل هذا السؤالُ الكُتّابَ السينمائيّين منذ فترة طويلة. وبحسب دراسة جديدة نُشرت في مجلة “بحوث العلاقات” Relationships Research، فغالباً ما يشغل هذا السؤال أيضاً بالَ الأشخاص الذين يمتلك شركاؤهم العاطفيّين أصدقاء مقرَّبين من جنسٍ مختلف.

خلال الدراسة، استعانت إلترا غيلكريست- بيتي، أستاذة مساعدة في فنون التواصل بجامعة ألاباما، ولانس كايل بينيت طالب دكتوراه في جامعة آيوا، بـ346 شخصاً، تتراوح أعمارُهم بين 18 و64 سنة، كانوا في علاقة عاطفيّة مغايرة جنسيّاً مع شريكٍ يمتلك صديقاً مقرَّباً من جنس مختلف. وعندما استطلَع الباحثون آراءَ المشاركين حول علاقات الصداقة القريبة بين الرجال والنساء، وجدوا أنّ الأشخاصَ المخطوبين وعلى وَشكِ الزواج لديهم تجاه هذا النوع من الصداقات آراء أكثر سلبيّةً من المتزوِّجين أو العازبين أو الأشخاص الذين في علاقة عاطفية. وجدوا أيضاً أن الأشخاص الذين يُشكِّكون في علاقات الصداقة القريبة تلك بين الرجال والنساء يكونون عموماً أكثرَ عرضةً لمهاجمة شركائهم عندما يشعرون بالتهديد من أصدقاء شركائهم المقرَّبين، بدلاً من التواصل البنّاء مع شركائهم -أو أصدقائهم المقرَّبين- حول هذا الوضع.

لم يستهوِ احتمال نشوء علاقة عاطفية بين الأصدقاء المقربين من جنسٍ مغاير الكُتّابَ والمخرجين على مدى عقودٍ فحسب، بل كان أيضاً موضوعَ دراسة وبحث متكرِّر لِعلماء النفس وعلماء الاجتماع. (بحسب دراسات سابقة، فإن الاِنجذابَ الجنسيّ بين الرجال والنساء الذين تربطهم علاقاتُ صداقة غالباً ما يؤدِّي إلى زعزعة متانة الصداقة عموماً، وهو أيضاً أمرٌ شائعُ الحدوث للغاية). لَطالما كانت علاقةُ الصداقة العُذريّة الوطيدة بين رجال ونساء لديهم ميول جنسانية متوافقة أمراً شائعاً -بطبيعة الحال- لفترةٍ يعتقد الباحثون أنها قد تصل الآن إلى أجيال عدة. إلّا أنّ الأفلام التي تُصوِّر علاقةَ الصداقة العُذريّة التي تتطوَّر إلى ما هو أكثر تعقيداً (مثل فيلم “عندما التقى هاري بسالي”، وأيضاً أفلام مثل “زواج أعز صديق” و”أصدقاء مع امتيازات” و”زاك وميري يمثّلون فيلماً إباحيّاً”، وأخيراً فيلم “الرفاق السكارى”) تبدو وكأنها تُصرّ على وجود احتمال دائم أنْ يتصرف أيّ رجل وامرأة تجمعها علاقة صداقة وطيدة على أساس الانجذاب الجنسيّ الكامن بينهما.

تميل أيضاً سرديّات الثقافة الشعبيّة تلك إلى توطيد الفكرة القائلة إنّ الشركاءَ العاطفيّين، لأشخاصٍ يمتلكون أصدقاءَ مقرَّبين من جنس مغاير يجب أن يأخذوا حذرهم دائماً، وهو ما قد يفسِّر سبب أنّ معظمَ المشاركين في الدراسة التي أجرَتها غيلكريست- بيتي مع بينيت -كما كتبت لي في رسالة إلكترونيّة- كانوا غيرَ متحمِّسين -بصورة تدعو إلى الاندهاش- لفكرةِ الصداقة الوطيدة بين الرجال والنساء من حيث المبدأ.

وقالت في رسالتها، “إنّ الافتراضات المعياريّة المغايرة عبر التاريخ قد عوَّدتنا الاعتقادَ أنّ الرجالَ والنساءَ لا بدَّ أن يكونوا شركاء عاطفيّاً أو جنسيّاً. ولهذا السبب، يميل الأفراد في النهاية إلى تبنّي افتراض معلول مفادُه أن الصداقةَ بين الرجال والنساء يمكن أن تتطور لأكثر من كونها مجرد علاقة صداقة، ويبدو أن هذا الافتراض واسعُ الانتشار للغاية”.

تتساءل أليكساندرا سولومون (أستاذة مساعدة في علم النفس بجامعة نورث وسترن، حيث تدرِّس مساق “الزواج 101″، ولم تشارك في دراسة غيلكريست-بيتي وبينيت) عمّا إذا كان من الممكن أن تُعزَى العلاقة بين الآراء الرافضة لتكوين صداقات بين الرجال والنساء وبين التعبير السلبي أو العنيف عن الغيرة إلى معتقدات المشاركين الشخصية حول الأدوار الجنسانيّة (أدوار النوع الاجتماعيّ).

وقالت سولومون “يُعبِّر هذا عن أسلوب تفكير مُتعنّت ومزدوج، أعتقد أن هناك بُعداً آخَر يتعلّق بمدى تأييد الأشخاص المشاركين في الدراسة الأدوار الجنسانيّة التقليديّة”. إذ قد تشعر المرأة التي تمتلك أفكاراً أكثر تقليديّةً حول الجنسانيّة بالتهديد من صديقةِ شريكها العاطفيّ المقرَّبة، لأنها، على حدِّ قول سولومون، “ربما تؤمن بتلك الفكرة القائلة: يجب أن أكون المرأةَ الوحيدةَ في حياتك، ويجب أن أكون قادرةً على الإيفاء بجميع احتياجاتك. إذا كنت تُحبُّني حقاً، فلن تلجأ لأحدٍ غيري”.

وأضافَت أنّ رجلاً ذا أفكار تقليديّة أو نمطية مماثلة حول الأدوار الجنسانيّة قد يشعر بمشاعر الملكيّة أو الاقتناء، كما لو كانت شريكته الأنثى من مقتنياته وتنتمي له هو فحسب.

تشير نتائج الدراسة أيضاً إلى أنّ وضع العلاقة الاجتماعيّة يمكن أن يلعب دوراً في مستويات الثقة لدى البعض في أفضل علاقات الصداقة العابرة للجنس. وكتبت غيلكريست-بيتي إليّ في رسالة إلكترونيّة تقول إنّ من بين نتائج الدراسة كان أكثر ما أثار دهشتَها هو أنّ المخطوبين هم أكثر الناس ارتياباً. فقد افترضَت أنّه ربّما يكون لدى اثنين مخطوبَين توجّهاتٌ وقائيّة تحديداً في العلاقات، لأنّهما تقريباً وصلا إلى خطّ النهاية للزواج، “ولا يرغبان أن يهدد أيّ شيءٍ أو أيّ أحد -بما في ذلك الصداقة الحميمة بين الرجل والمرأة- زواجَهما المقبل”. تشير أيضاً هي وبينيت، في الدراسة، إلى أنّ المخطوبين يكونون في موقفٍ مُرهِق بشكلٍ فريد، مقارَنةً بالعُزّاب ومَن هم في علاقة عاطفية وأولئك المتزوِّجون: فالمخطوبون ليسوا فقط في مرحلة انتقاليّة ليصبحوا أزواجاً وشركاء في الحياة، “وإنّما هم أيضاً منخرطون في عمليّة دمج لحياتَيهما ويعملان على التجهيز لحفل الزواج”. وكما أشارا في الدارسة، فإنّ هذا يشمل مشكلات أسريّة وعوائق ماليّة، وكلا الأمرَين معروفٌ ما ينتج عنه من توتّر وضغوط طويلة المدى على الناس والعلاقات بينهم.

أشارت سولومون إلى أنّ الضغوط والتوتّر يمكن بالتأكيد أن يكونا عاملين سلبيّين في نشأة مشاعر الغيرة. أخبرتني عن هذا قائلةً “حين يعاني أيٌّ منّا من الضغوط والتوتّر، فإنّنا نتراجع بعضَ الشيء، ثم نغرق في طرائق أقّل نفعاً في التكيّف والتعافي. يمكن أن يتزايد القلق وانعدام الطمأنينة، وإنْ لم يكن المرء متصالِحاً مع ذاته وراضياً بأحواله، فمن المرجح أن يرغب في توجيه العالَم من حوله. أعتقد أن التأمل في هذا التحوّل الكبير في الهويّة -وهو تحوّل في الوضع الاجتماعيّ يستدعي التزاماً مدى الحياة- يُوقِظ مشاعِرَ القلق التي لا نعرف دوماً أفضل طرائق التكيّف معها أو التعافي منها. لذا فإنّ التحكّم في شريك الحياة قد يبدو طريقةً في التكيّف مع تلك المشاعر”. وأضافت أنّ تلك الطريقة هي بالتأكيد إحدى الطرائق غير الصحّيّة وغير المُجدِية في التعافي والتكيّف، “لكنّها مفهومة”.

أشادت سولومون أيضاً بجهود الدراسة في التفريق بين “مشاعر” الغيرة و”التعبير” عن الغيرة؛ فعادةً ما يتم الخلطُ بينهما، كما أخبرتني. على سبيل المثال، يشيع استدعاء مفهوم “المحبّ الغيور” لوصف المحبّين الذين يشعرون بالغيرة، وأيضاً أولئك الذين يُبدون سلوكيّات هيمنة تجاه شركائهم في الحياة. وأضافَت أنّ النظر إلى الشعور بالغيرة على أنّه أمرٌ لا يستدعي بالضرورة فعلاً يقابله، يمكن أن يساعدِنا في إزالة الوصمة عن هذا الشعور وفي توضيح أسباب كونِ الناس عُرضةً له على وجه التحديد.

وأضافت: “ربّما هذا سبب آخر من أسباب كون المخطوبين هم أكثر الناس معاناةً. حين نُحِبّ ويصبح لدينا التزام تجاه شخص ما، فإنّنا في الواقع نرتبط بهذا الشخص عصبيّاً وعضويّاً. يتغلغل شركاؤنا المقرَّبون في أعماقنا، فللشركاءِ والأزواج أهميّة عند بعضهم بعضاً، لدرجةٍ تجعلهم يكادون يتشاركون تنسيقَ الجوانب الفيزيولوجيّة لبعضهم بعضاً. لذا بالطبع فإنّ أيَّ شيء ينتج عنه شعور “يا إلهي! قد أفقدك!” هو أمرٌ مفزِع ومرعِب. ولكنّ هذا أمرٌ آخر وبعيد ممّا ستفعله حيالَ ذلك”. تقول أيضاً إنّه، وبصيغة أخرى، هناك فارقٌ كبير بين قولنا “أنا أحبّك، وآخُذ في الاعتبار قدرَ احتياجي إليك”، وبين قولنا “أنا أحبّك، لذا فإنّ عليّ التحكّم فيك والسيطرة عليك لأنّني أخشى أن أفقدك”.

تقول سولومون “نميل إلى الانتقال بسرعة من مجرّد الشعور بالغيرة إلى التصرّف بناءً عليها”. ولكن بدلاً من ذلك لو نظر الناس إلى الغيرة على أنّها فرصة للتأمّل في أحوالِهم العاطفيّة الخاصّة وما قد يؤثّر فيها، فيمكن أن يكون الأمر مثمراً وتنويريّاً. بعبارةٍ أخرى، كما تلاحِظ سولومون، فإنّ دراسة غيلكريست-بيتي وبينيت تشير إلى أنّه ليس هنالك ما هو خطأ بطبيعته في الشعور سرّاً بالغيرة من صديقٍ من الجنس الآخر لشريكنا في الحياة، ولكن هنالك أساليب صحّيّة وسليمة وأخرى غير ذلك في التصرّف بناءً على ذلك الشعور.

هذا المقال مترجَم عن theatlantic.com ولقراءة المادة الاصلية زوروا الرابط التالي

عن أخطاء النساء المغفورة والخيانات الزوجية المحتملة

إقرأ أيضاً