fbpx

هنا القصة الثالثة

سعيد ولفقير - صحافي مغربي 

سعيد ولفقير - صحافي مغربي 

مقالات الكاتب

الصحافة في المغرب: سجن وملاحقات وقضايا “مفتعلة”

في صباح من مطلع شهر نوفمبر/تشرين الثاني المنصرم، نطقت المحكمة بحكمها النهائي على الصحافي توفيق بوعشرين: السجن النافذ لمدة 12 سنة وغرامة مالية تصل إلى 200 ألف دولار للمشتكيات.

القصة بدأت في شهر شباط/ فبراير الماضي، عندما اقتحمت فرقة أمنية مقر جريدة “أخبار اليوم” التي يملكها الصحافي ذاته، والتهمة ثقيلة: “الاتجار بالبشر والتحرش الجنسي والاغتصاب”.

أيام بعد الاعتقال، أعلنت هيئات حقوقية ومتضامنون أن التهم “ملفقة” و”مسيسة” وأسلوب الاعتقال لا يحترم معايير الضابطة القضائية.

مضت أسابيع قليلة، ثم بدأت جلسات المحاكمات يوم 8 آذار/ مارس الماضي، في قضية سميت بـ “محاكمة  القرن”، عُرِضَتْ فيها أقوال وشهادات المشتكيات و”الضحايا” اللاتي يعملن في مؤسسته الإعلامية، مشفوعة بـ50 مقطعاً مصوراً تظهر بوعشرين في أوضاع جنسية مختلفة.

دفاع بوعشرين أنكر التهم الموجهة إليه، واعتبر الفيديوهات مفبركة وطالب بخبرة تقنية محايدة لفحصها والتدقيق في صحتها.

الخبراء من جهتهم أكدوا أن الفيديوهات غير مزيفة، في الوقت ذاته، أكد محامو المشتكيات أن “بوعشرين” اعترف بممارسته علاقات رضائية معهن، وهو ما نفاه دفاعه، إذ أفاد بأنه “لم يعترف بصحة الأشرطة الجنسية أو بالرضائية وإنما كان يستعرض أمام المحكمة ملاحظاته حول ما عرض فيها”.

القضية شائكة إذاً، إذ تحمل بين طياتها تفاصيل محيرة، فخلال سير التحقيقات أنكرت أربع نساء، وصفهن الادعاء بأنهن “ضحايا” صلتهن بالموضوع ، وحكم على إحداهن بالسجن ستة أشهر، لـ”اتهامها” الشرطة بتزوير شهادتها، بينما رفضت الأخريات المثول أمام المحكمة.

هذا المعطى، تشبث به مناصرو بوعشرين، معتبرين أن “المشتكيات” لم يُمَارَس ضدهن أي اعتداء بقدر ما كن يتعرضن  لضغوطات أمنية بغية الاعتراف بشهادات يراها المدافعون عن القضية “غير حقيقية”، في وقت يسجل القضاء المغربي ندرة في مثل هذه الملاحقات بحكم أن الضحايا يتحفظن أو لا يبلغن عن مثل هذه الاعتداءات، بسبب التبعات الاجتماعية في ظل مجتمع محافظ و قانون لا يشدد أحكامه على المغتصبين.

بيد أن المدافعين عن “المشتكيات” يرون بأن الحكم “مخفف” و التعويضات “هزيلة جدا” بالنظر إلى خطورة التهم الموجهة ضد بو عشرين، الذي مازالت الملاحقات القضائية تنهال عليه،إذ رفعت وزارة الداخلية مؤخراً دعوى قضائية ضد مؤسسته الاعلامية  بسبب نشر خبر زائف حول أحوال الطقس.

و تتابع النيابة العامة “بوعشرين” بجنحة “القيام بسوء نية بنشر خبر زائف ومستندات مختلقة منسوبة للغير”،و أيضا كاتب التقرير،الصحفي “توفيق السليماني” بتهمة “المشاركة والقيام بسوء نية بنشر خبر زائف”

من ناحيتها،لم تنشر وزارة الداخلية أي بلاغ بخصوص هذا الموضوع،في حين لم تنف مديرية الأرصاد الخبر وفق ما ذكره موقع “اليوم 24“.

توفيق بوعشرين

صحافي معتدل بجبة “معارض”

يرى مناصرون لبوعشرين أن محاكمته فيها تشوبها علامات استفهام وأن التهم الموجهة إليه مجرد ذريعة، بل “انتقام” من كتاباته، فقد استهدف بوعشرين في مقالاته الأحزاب الموالية للسلطة ، وانتقد شخصيات مقربة من القصر الملكي كوزير الفلاحة ورجل الأعمال المعروف “عزيز أخنوش” الذي وصفه بـ”ابن الفشوش” (الابن المدلل).

في شهر آب/ أغسطس من العام الماضي، كتب بوعشرين مقالاً في افتتاحيته المنشورة بجريدته “أخبار اليوم”، حمل جرعات لوم وقليل من النقد تجاه غياب الملك  محمد السادس في ظل تصاعد الاحتجاجات الشعبية والأزمات السياسية بالبلد. يقول بوعشرين في مقاله،”الحُكم ليس نزهة على الشاطئ في طقس معتدل، والملك متعب حتى إن استقر صاحبه في أجمل القصور، وأحاط نفسه بكل متع الدنيا… احتفى ملك البلاد، يوم الاثنين، بعيد ميلاده الـ54 في أجواء لا تدعو إلى الفرح، لا الشخصي ولا الجماعي، في بلد يعيش أزمة عميقة… ما عاد محمد السادس شاباً، ولا عهده جديداً، ولا حكمه بلا سوابق”.

على رغم ذلك، لم يكن بوعشرين كاتباً صحافياً شرساً راديكالياً في خطابه أو معارضاً للنظام الحاكم بقدر ما كان يتبنى رؤية تدعو إلى إرساء ملكية برلمانية.

“هو يدفع ثمن جرأته” هكذا يرد المدافعون عن قضية بوعشرين، معتبرين أن الاتهامات جاءت في إطار تصفية الصحافيين والضغط عليهم وإسكاتهم وإرغامهم على عدم ملامسة الخطوط الحمر.

المهداوي وأنوزلا وآخرون: صحافيون يدفعون ثمن جرأتهم

ليس بوعشرين لوحده من لوحق بأحكام قضائية ثقيلة، بل سبقه صحافيون آخرون لوحقوا بتهم قيل عنها إنها “مسيسة” و”انتقامية” بسبب آرائهم و انتقادهم للسلطة.

الصحافي حميد المهداوي واحد من هؤلاء، ففي يوم 20 تموز/ يوليو من العام الماضي، وجهت إليه تهمة “تحريض أشخاص على ارتكاب جنح بواسطة الخطب والصياح في الأماكن العامة ودعوتهم إلى المشاركة في تظاهرة بعد منعها والمساهمة في تنظيم ذلك” بعد دعوته إلى التظاهر في مدينة الحسيمة التي شهدت احتجاجات شعبية عرفت بـ”حراك الريف”.

المهداوي، صحافي و ناشر موقع “بديل”، عرف بفيديوهاته المباشرة عبر منصات التواصل الاجتماعي، كان يعرض فيها وجهة نظره حيال ما يقع  في البلد بلهجة لا تخلو من خطاب النقد والاحتجاج تجاه سياسات الحكومة والدولة.

“أنا ملكي”، هكذا يرد المهداوي على من يشكك في سعيه نحو المس بالنظام الحاكم، لم يكن يتبنى أفكاراً راديكالية بقدر ما كان يسعى إلى كشف المستور وفضح الفساد ودعوته المغاربة إلى المطالبة بالحقوق والحريات.

حميد المهداوي

القضاء لم يكتف بتهمة واحدة، بل أثقل كاهل “المهداوي” بتهمة اضافية وهي “عدم التبليغ عن جريمة تمس أمن الدولة”، بسبب عدم تبليغه عن مكالمة هاتفية تلقاها من شخص يقيم في الديار الهولندية تحدث فيها عن “إدخال أسلحة إلى المغرب لصالح المحتجين في منطقة الريف”، والنتيجة هي: 3 سنوات سجناً نافذاً مع غرامة قدرها 3000 درهم (نحو 300 دولار).

ونفى المهداوي أن تكون المكالمة التي تلقاها من متصل يدعى نور الدين ذات صدقية، وقال عن المتصل بأنه “مجنون، كذاب، أو شخص يحاول خداعي… لم آخذ كلامه مأخذ الجد أبداً”.

علي أنوزلا هو الآخر، نال حصته من المتابعات القضائية، فخلال عام 2013، نشر عبر موقعه “لكم” رابطاً لصحيفة “إلباييس” الفرنسية يتضمن فيديو مدته 41 دقيقة من توقيع تنظيم القاعدة في المغرب الاسلامي، يحرض على “الجهاد” ضد النظام الحاكم ويهاجم الملك. بسبب هذا المقطع المصور قضى أنوزلا خمسة أسابيع رهن الحبس الاحتياطي قبل الإفراج عنه بكفالة، لكن القضاء لم يسقط عنه التهمة، إذ ما زال متابعاً بالسجن مع وقف التنفيذ.

كثير من المراقبين والمتضامنين مع “أنوزلا” يرون أن ملاحقته كانت “مفتعلة” وهي ضريبة يدفعها مقابل آرائه ومواقفه التي تناولت بجرأة المؤسسة الملكية وانتقدت تجاوزات النظام الحاكم في تسييره الشأن العام.

“علي المرابط” هو واحد من الصحافيين الذين دفعوا ثمناً باهظاً في سبيل ملامسة ملفات حساسة  كالمؤسسة الملكية وأخرى ذات طابع أمني، جرأة الصحافي قادته إلى متابعات قضائية أودعته في السجن عام 2003 وأفرج عنه بعفو ملكي عام 2005، ليحاكم من جديد بالمنع عن الكتابة لمدة 10 سنوات.

الصحافة في المغرب ليست بخير

الصحافة في المغرب ليست في أفضل أحوالها، واقع قاتم تكشفه تقارير منظمات غير حكومية، والمحصلة: تراجع في مؤشر حرية الصحافة بدرجتين، فمن الرتبة 133 عام 2017 إلى الرتبة 135 عام 2018 (مراسلون بلا حدود).

ويعود تراجع حرية الصحافة وفق منظمة “مراسلون بلا حدود“، إلى ما سجلته البلاد عام 2017 من “قدر كبير من المضايقات القضائية ضد الصحافيين”، مؤكدة أن السلطات “عرقلت عمداً وسائل الإعلام الوطنية والأجنبية، التي قامت بتغطية احتجاجات حراك الريف”.

وزادت المنظمة أنه خلال تلك الفترة شهد المغرب “تقديم دعاوى قضائية ضد صحافيين مهنيين وهواة (صحافة المواطن)، إلى جانب سجن الكثير منهم وفرض غرامات مالية على آخرين، فضلاً عن طرد الكثير من الصحافيين الأجانب”.

أما عن قضية الصحافي بوعشرين، فالمنظمة وصفتها بـ”المفتعلة”، ويكتنفها  “الغموض”، وقالت: “يبدو أن هذه القضية تُظهر رغبة في شن تصعيد قضائي ضد صحافي كان نشاطه المهني قد تسبب له أصلاً في الكثير من المشكلات مع السلطات”.

وأدانت منظمة “هيومن رايتس ووتش” الأحكام التي صدرت في حق الصحافي حميد المهداوي، مؤكدة أن الاتهامات “مشكوك فيها”.

وقالت سارة ليا ويتسن، مديرة قسم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بالمنظمة إن “الطريقة التي سارت بها إجراءات المحاكمة لا تسمح باستبعاد فرضية أن هذه القضية قد تم افتعالها أو على الأقل استغلالها في محاولة أخرى لتشويه سمعته كصحافي”، مؤكدة أن “هذا الحكم يشوبه الكثير من الشكوك”.

وأضافت: “من خلال الحكم على المهدوي بـ3 سنوات لمجرد عدم التبليغ عن تهديدات واهية، تريد السلطات المغربية تخويف بقية الصحافيين المستقلين في البلاد بتهديد مبطن: قد نستخدم أي عذر لمحاكمتكم”.

 

إقرأ أيضاً:

الكرم قاموساً ومزاجاً من الأردن إلى المغرب

عازبات المغرب وأرامله ينتفضن كي يرثن الأرض

إقرأ أيضاً