fbpx

هنا القصة الثالثة

ترجمة - Foreign Policy

ترجمة - Foreign Policy

مقالات الكاتب

السوريون في لبنان… بدء العدّ التنازليّ

“سيقتلون الأطفال. سيقتلون الجميع! لا يمكننا العودة!”.

بالنسبة إلى فاطمة، تبدو فكرةُ العودة بأطفالِها الخمس إلى سوريا التي مزّقتها الحرب فكرةً مضحِكة. علاوةً على هذا، إلى أيّ شيءٍ تعود؟ تقول، “كان لدَينا بيت ومزرعة، ولكن كلّ شيءٍ دُمِّر”.

تبدو الحدود السوريّة قريبةً بشكل يثير عذاباتِ فاطِمة وهي جالسةٌ أمام خيمتِها هذا الصيف، على رغم أنّ بستان زيتون في مقاطعة عكّار في أقصى الشمال اللبنانيّ كان يخفيها. تقول فاطِمة، “أرغب في العودة، لكنّنا لا نستطيع”.

إلّا أنّ قراراً من السلطات اللبنانيّة، مصحوباً بموجة من العداء المتزايد تجاه اللاجئين في كلٍّ من وسائل الإعلام والأوساط السياسيّة، قد لا يدَع لفاطِمة خياراً آخر عمّا قريب. في الربيع الماضي، أعلن المجلس الأعلى للدفاع في لبنان أنّ أيَّ سوريّ دخل البلاد من دون وثائق كافية بعد 24 نيسان/ أبريل سيكون عُرضةً للترحيل. وكان أثر هذا القرار فوريّاً، ففي 26 نيسان، ووفقاً لمنظّمة “هيومان رايتس ووتش”، تمّ ترحيل 16 سوريّاً على الأقل، وبشكل فوريّ، بعد وصولِهم إلى مطار بيروت، على رغم أنّ معظمهم عبّر عن مخاوف من التعرّض للتعذيب والاضطهاد حالَ عودتِهم إلى سوريا. في المُجمَل، وبحسب وكالة الأنباء الوطنيّة المملوكة للدولة اللبنانيّة، فقد تمّ ترحيل 301 سوريّ من البلاد في أيار/ مايو الماضي.

صورة لطفل لطفل سوري عائد إلى سوريا

تزعم الرواياتُ المباشرة عن هذا الترحيل القسريّ، والتي حصل عليها “مركز وصول لحقوق الإنسان” في بيروت، حصولَ انتهاكاتٍ للإعلان العالميّ لحقوق الإنسان -الصادر عن الأمم المتّحدة عام 1948- والذي يلتزم به لبنان دستوريّاً. تتحدث الشهادات الأخرى عن تعرّض اللاجئين للتعذيب والضرب على أيدي قوّات الأمن اللبنانيّة، وعن حرمانهم من الحصول على مشورة وتمثيل قانونيّين، وعن إعادتهم إلى سوريا، على رغم ما قد يمثّله هذا من خطرٍ عليهم. وَفق إحدى الروايات، ورَدَ أنّ قوّات الأمن اللبنانيّة سلّمَت لاجئاً إلى السلطات السوريّة، ونُقِل إلى دمشق ولم يُسمع عنه أي خبر منذ ذلك الحين.

يلوح خطر الترحيل القسريّ عالياً في أفق مجتمعات اللاجئين. يقول محمّد، زوج فاطِمة، إنّ “العائدين سُجنوا أو قُتِلوا. وقد يتمّ تجنيدي في الجيش إذا عُدت إلى سوريا”.

سُجنت ن.، وهي ناشطة وصحافيّة سوريّة شابّة تعود أصولها إلى حمص، بسبب حديثها دون خوف ضدّ نظام بشّار الأسد في العام 2014. وإذ تعيش الآن في مدينة طرابلس اللبنانيّة، فإنّها لا تشكّ في المصير الذي قد ينتظرها إن هي عادَت إلى سوريا. وقالت لاحقاً: “إذا رجعت إلى سوريا، فسيأخذونني إلى المعتقل. سأعود إلى الموت”. تعتقد أنّ مصيراً مشابهاً ينتظر كثراً من العائدين إلى سوريا، “بخاصّة النشطاء والصحافيّون”.

إلى جانب الترحيل القسريّ، فإنّ السلطات اللبنانيّة منخرطة أيضاً في حملة أكثر مكراً وغدراً تسعى إلى طرد اللاجئين من البلاد. إذ تزيد قوانين العمل الجديدة صعوبة استمرار العيش في لبنان بالنسبة إلى السوريّين. في حزيران/ يونيو الماضي، أعلن وزير العمل كميل أبو سليمان خطّة حكوميّة لفرض عقوبات ماليّة قاسية على أيّ مؤسّسة توظّف عمّالاً أجانب، من دون تصاريح عمل، وهي خطّة أدّت إلى طرد كثر من العمّال في أنحاء البلاد. ونظراً إلى أنّ الحصولَ على تصريحٍ للعمل قد يكلّف المرء نحو 1200 دولار، فإنّ العمل ببساطة يصبح بعيداً من متناوَل كثر من اللاجئين السوريّين، ولذا فسيمثّل عجزُهم عن إعالة أُسَرهم ضغطاً إضافيّاً عليهم للرحيل وترك لبنان.

إلى جانب الترحيل القسريّ، فإنّ السلطات اللبنانيّة منخرطة أيضاً في حملة أكثر مكراً وغدراً تسعى إلى طرد اللاجئين من البلاد.

وفقاً لـ”منظّمة العفو الدوليّة”، هناك أكثر من 900 ألف سوريّ مسجّلين لاجئين في لبنان، فيما تُحصي الحكومة اللبنانيّة 500 ألف آخرين من غير المسجّلين. ورأى سياسيّون لبنانيّون أنّ هذا التدفّق الكبير للاجئين يمثّل ضغوطاً على الاقتصاد اللبنانيّ، وأنّ المواطنين اللبنانيّين يخسرون فرص العمل بسبب السوريّين. وقد سلّطَ بحثٌ جديد أجراه “مركز وصول” الضوءَ على حالاتٍ لسياسيّين لبنانيّين استخدموا لغةً معاديةً للاجئين في خطاباتهم ومسيراتهم لتوجيه الرأي العام ضدّ السوريّين.

في حزيران الماضي، قال وزير الخارجية اللبناني جبران باسيل إنّ “اللبنانيّ فوق الكل”، معتبراً أنّ “التميُّز الجينيّ” للبنانيين يجعلهم متفوّقين على نظرائهم السوريين. وبحسب ما جاء في مقالة لوكالة “أسوشييتد برس”، قام متظاهرون، في مسيرة تحت شعار “وظف لبناني”، نظمها حزب “التيار الوطني الحر “الذي يرأسه باسيل، بتخريب مطعم يملكه سوريّ وهم يهتفون “سوريا اطلعي برّا”، ويأتي هذا ضمن حملةٍ أوسع نطاقاً أطلقها الحزب لإغلاق المحال والأعمال التجارية التي توظِّف عمالاً سوريين.

مخيم للاجئين السوريين في البقاع اللبناني

إلّا أنّ السوريين، كما ذكرت نعمت، ليسوا سوى كبش فداء. وأضافت: “لا يوجد تعليم، ولا يوجد عمل أو وظائف للشباب”، سواء كانوا لبنانيّين أم سوريّين، موضحة أن البطالة تؤدي إلى الإحباط، ويشجع المسؤولون المواطنين على إفراغ غضبهم في السوريين. وقالت “عندما ترى جميعَ تغريدات السياسيين على تويتر، ترى طريقة تعاملهم مع الشعب والمجتمع وتلاعبهم بمشاعر الناس، فهم يقولون: (ليس لديكم وظائف لأن السوريين أخذوا وظائفكم). عندها يظن الأشخاص العاديون أن السوريين يأخذون وظائفهم، لكن ذلك ليس صحيحاً”. وفقاً لإحصاءات صادرة عن منظمة العمل الدولية، فإن 92 في المئة من العمال السوريين ليس لديهم عقد عمل رسمي، ويحصل أقل من 25 في المئة منهم على أجر شهري ثابت، ويعمل معظمهم في الزراعة والخدمات المنزلية، وفي وظائف، كما يقول كثرٌ من السوريين، لا يُحبِّذها معظم اللبنانيين.

وأظهر استطلاعُ رأيٍ حديث أجراه مركز “كارنيغي للشرق الأوسط” أن 96 في المئة من اللاجئين فرّوا من سوريا، بسبب الوضع الأمني المتدهور هناك، وليس بسبب الوضع الاقتصادي. ويرغب كثيرون في العودة إلى وطنهم عندما تسمح الأوضاع الأمنية بذلك. إلّا أنّ بعض السوريين -مثل معتصم، وهو لاجئ آخر في لبنان- يتفهّمُون الضغط الذي يشكله عددُ اللاجئين الضخم على المجتمع اللبناني، إذ يؤدّي الاكتظاظ في المجتمعات المُضيفة إلى زيادة الطلب على الخدمات العامة، ما يؤثر في مدى توافر خدمات الرعاية الصحية والتعليم وجودتها. وشهدت أسعار الإيجارات أيضاً ارتفاعاً كبيراً للغاية كردّ فعلٍ على زيادة الطلب تلك. وأضر قرب لبنان من النزاع السوري في القطاعِ السياحيّ، مع انتشار مئات المخيمات عبر أراضيه.

أخبرنا مُعتصم من منزل عائلته، وهو خيمة من المشمَّع الممتدّ على سقالة من الألواح الخشبية عليها شعار الأمم المتحدة، أنه يُدرِك وضعَه ونظرة لبنانيين كثيرين إليه، لكنه، كما قال هذا الصيف، لا يملك خياراً آخر. وتابع: “سأموت إن عدت إلى سوريا. إذا حصلت على مالٍ، سأذهب إلى أوروبا. لكنني لن أعود أبداً إلى سوريا”.

من السهل تفهُّم السبب. فقد عَرض لنا مقطع فيديو وصلَه على هاتفه لشارعه القديم في حلب، لكنه رفض الكشف عن هوية مُرسِله. قال لنا: “في مدينتي لا توجد كهرباء ولا يوجد ماء. دُمِّرت المباني. لا توجد طرق ولا بشر”.

ومثل كثيرين هنا، يَعي معتصم جهودَ الحكومة اللبنانية الرامية إلى طرد السوريين من لبنان. قُتل شقيق معتصم في مكانٍ ما في إدلب بغارة جوية روسية، ولذا يعتزم تحدي رغبات الحكومة اللبنانية، فقد قال “نعم، سمعت بذلك، لكن لا يمكنني أن أعرِّض عائلتي للخطر. لا أستطيع العودة”.

مع استمرار القتال في مناطق من البلاد، لا يزال إحلالُ السلام في سوريا أمراً بعيدَ المنال. من الخطر إرسال اللاجئين إلى خضمِّ النزاع مرة أخرى، ولكن ذلك هو ما يحدث بالفعل، مع ازدياد الضغط على اللاجئين السوريين في لبنان يوماً بعد يوم.

تم تغيير جميع الأسماء لإخفاء الهويّات الشخصية.

هذا المقال مترجَم عن foreignpolicy.com ولقراءة الموضوع الأصلي زوروا الرابط التالي.

اللاجئون ليسوا ذئاباً!

إقرأ أيضاً