fbpx

هنا القصة الثالثة

عبدالجليل سليمان - صحافي سوداني

عبدالجليل سليمان - صحافي سوداني

مقالات الكاتب

السودان: كولاج ما بعد المذبحة

يبدو المشهد في الخرطوم بعد مذبحة ما بات يعرف بـ”ليلة الغدر”، شديد التعقيد، بل يبدو كلوحة سوريالية بألوانٍ حزينة وخطوط متشابكة.

بعد ذلك الفجر الدامي والمُروِّعْ، فجر القتل والحرق والإغراق في النيل وحالات الاغتصاب الممنهج للجنسين، طلبت قوى إعلان الحرية والتغيير وتجمع المهنيين السودانيين من الجماهير إعلان العصيان المدني الشامل والاضراب السياسي والتظاهر المستمر داخل الأحياء السكنية حتى اسقاط ما أسمته بالمجلس الانقلابي وإجباره على الإذعان إلى رغبة الشعب في إقامة سلطة مدنية.

نجح العصيان المدني بنسبة عالية جداً، إلاّ أن قوى الحرية والتغيير عادت لتعلق العصيان بعد يوم من زيارة رئيس الوزراء الأثيوبي آبي أحمد على إلى الخرطوم واجتماعه بها و بالمجلس العسكري الانتقالي كلٍ على حده.

رئيس الوزارء الاثيوبي ابي احمد بعد محادثاته في الخرطوم

بين أديس أبابا وواشنطن

مياه كثيرة جرت تحت الجسر منذ تعليق العصيان وحتى اللحظة، فرئيس وزراء أثيوبيا عاد إلى بلاده وترك خلفه ممثلة محمود درير المستشار بوزارة الخارجية الأثيوبية والسفير السابق إلى جمهورية مصر، فيما بعثت الولايات المتحدة الأميركية مساعد وزير خارجيتها للشؤون الأفريقية تيبور ناغي، وسمّت مبعوثاً خاصاً إلى السودان وهو الدبلوماسي دونالد بوث، الذي يعرف السودانيون جيّداً فقد شغل ذات الوظيفة في عهد الرئيس السابق باراك أوباما،  كما عمل سفيراً لدى عدة دول أفريقية أهمها زامبيا وليبيريا وإثيوبيا.

وكانت الولايات المتحدة الأميركية طالبت المجلس العسكري الانتقالي بالتزامن مع زيارة مبعوثها بسحب “المليشيات المسلحة” من الخرطوم، وإجراء تحقيق مستقل في أحداث العنف التي شهدتها البلاد. وقالت متحدثة باسم الخارجية الأميركية في مؤتمر صحفي، الأربعاء “يجب على السلطات سحب المليشيات من الخرطوم، وإجراء تحقيق مستقل في أحداث العنف الأخيرة”، متابعة “يجب على القوات الأمنية أن توقف اعتداءاتها على المواطنين”.

الدماء الغزيرة التي سالت في ساحات التظاهرات حركت قليلاً جبهة التواصل السياسي والمفاوضات خصوصاً في ظل حال التعتيم والحصار الإعلامي بعد قطع الانترنت، لكن يحتاج المرء لأن يراقب بدقة حركة الاتصالات وما ينتج عنها..

اللقاء الأهم كان ذاك الذي جمع وفد قوى إعلان الحرية والتغيير بمساعد وزير الخارجية الأمريكية للشؤون الأفريقية، تيبور ناغي، والمبعوث الأمريكي الخاص للسودان دونالد بوث، وهو لقاء بحث في أحداث مجزرة القيادة العامة والقتل والترويع في مدن وقرى السودان المختلفة التي صاحبت المجزرة وضرورة التحقيق الشفاف والمسنود دولياً في هذه الأحداث.

العناوين التي خلص اليها الاجتماع اساسية، اذ تمّ تحميل المجلس العسكري مسؤولية مجزرة فض اعتصام القيادة وما تبعها من أحداث، وطلب المجتمعون سحب القوات العسكرية والمليشيات من المناطق السكنية في المدن والقرى واستبدالها بقوات الشرطة لحفظ الأمن و إطلاق سراح كل المعتقلين السياسيين فوراً وإعادة ورفع الحظر عن خدمات الانترنت بالبلاد وكفالة الحريات الإعلامية.

خبرات أثيوبيا في ملفات السودان

بحسب المحلل السياسي، خضر إبراهيم، في حديث لـ”درج”، فإن للأثيوبيين خبرات تراكمية في العمل كوسطاء بين الفرقاء السودانيين، وإن تدخلاتهم كانت دائماً تتسم بالإيجابية فقد تمكنوا من انجاح المفاوضات بين نظام الرئيس الأسبق جعفر النميري وحركة أنانيا الجنوبية المتمردة في عام 1972، وبموجب تلك الاتفاقية تمتع السودان بسلام استمر عشر  سنوات، إلى أن خرق النميري الاتفاقية فعادت الحرب مرةً أخرى عام 1983، بقيادة جون قرنق وأدت لاحقاً إلى استقلال الجنوب وتكوين دولة مستقلة في عام 2011. أضاف خضر، “ينبغي أن تعود الأمور في السودان إلى مسارها ما قبل المذبحة، مع التأمين على تشكيل لجنة تحقيق مستقلة بمشاركة أطراف دولية للوصول إلى من حرضوا وخططوا ونفذوا هذه الجريمة البشعة، لكن في مسار موازٍ يجب أن يعود التفاوض  بين قوى إعلان الحرية والتغيير والمجلس العسكري خاصة في ظل الأوضاع الأمنية والاقتصادية والسياسية شديدة الهشاشة التي يعيشها السودان منذ عهد الرئيس السابق عمر البشير، والتي ربما، ومالم يتم تداركها بسرعة فإن انفلاتاً أمنياً سيعم الإقليم كله خاصة في ظل وجود الكتائب والميليشيات المسلحة العابرة للحدود بسبب الصفة القبلية التي تتمتع بها وتسليحها الجيّد وتمويلها من قبل بعض الدول العربية”.

وسيط مخضرم ومقبول

من جهته أشار المحلل السياسي السوداني،  الأمين العباس، إلى أن الوسيط الأثيوبي مفوض من الاتحاد الأفريقي ومنظمة (ايقاد)وهي هيئة حكومية أفريقية مقرها جيبوتي، لكن ورغم كل هذه الأوراق التي يمتلكها الوسيط الأثيوبي علاوة على الدعم الأميركي لمساعيه، فإنه، “كي يحدث اختراق حقيقي ينبغي على الولايات المتحدة الضغط على القوى الإقليمية العربية التي تدعم المجلس العسكري الانتقالي الذي يرهن قراره إلى الحلف المصري السعودي الإماراتي، الذي يخشى نجاح التجربة السودانية في الانتقال الديمقراطي عبر حراك شعبي سلمي، وسيظل يعمل على وأد التجربة في مهدها ما لم تكن هناك إرادة دولية كبرى، وهذا ما لا يتوفر حتى الآن”.  

الضغط الأميركي:

إلاّ أن دخول الولايات المتحدة على الخط، أعاد طاولة التفاوض بين  قوى إعلان الحرية والتغيير التي فقدت أهم أوراق الضغط التي تمتلكها بعد فض الاعتصام، والمجلس العسكري الذي ظن إنه كسب الجولة، إلى حالة التوازن مرةً أخرى. فالمبعوث الأميركي دونالد بوث لديه خبرة طويلة ومعرفة شخصية جيدة الأفرقاء السياسيين السودانيين وزعماء الحركات المسلحة، كما إنه يحظى بدعمٍ كبير من الرئيس دونالد ترامب ووزير خارجيته مايك بومبيو، الأمر الذي ربما يجبر الداعمين العرب  للمجلس العسكري الانتقالي إلى تغيير مواقفهم والتجاوب مع دعوته بقبول التسوية السياسية التي اقترحها الوسيط الأثيوبي باعتماد ما تم التوصل إليه قبل فض الاعتصام وتشكيل مجلس سيادي مكون من مدنيين وعسكريين على أن تكون رئاسته دورية بين الطرفين.

وكانت وزارة الخارجية الأثيوبية أصدرت بياناً في وقت سابق، أكدت فيه “أن جميع الاتفاقيات السابقة بين الطرفين، جرى تفعيلها، بما في ذلك فترة انتقالية مدتها ثلاث سنوات، ومجلس وزراء يعين أعضاءه قادة الاحتجاج، وهيئة تشريعية ذات أغلبية مدنية من قوى الحرية والتغيير”.

وطن يتسرب من بين الأصابع

وبين كل هذا الركام من الوساطات والتدخلات الإقليمية والدولية، يعيش السودانيون أوضاعاً سياسية واقتصادية وأمنية شديدة الصعوبة، حيثُ يقف وطنهم كله على حافة الانهيار بانتظار من يأخذ بيده وينقذه، أو من يدفعه إلى عمق الهاوية، فالمعركة الآن صارت وجودية أن يكون السودان أو لا يكون، ويعتقد جل السودانيين إنه ما لم يتنازل العسكريون عن السلطة فإن وطنهم كله سيتسرب بين أصابعهم بين طرفة عين وانتباهتها.

” ليلة الغدر” : تفاصيل مذبحة السودانيين على يدِ “الجنجويد” والمليشيات الإسلامية

 

  

 

إقرأ أيضاً