fbpx

هنا القصة الثالثة

عبدالجليل سليمان - صحافي سوداني

عبدالجليل سليمان - صحافي سوداني

مقالات الكاتب

السودان في عصر الجنجويد: الاغتصاب سلاحاً للقمع

يد هناء بعد تعرضها للاعتداء في مجزرة فض الاعتصام – صور خاصة بـ”درج”

“احكي يا هناء…”..

هكذا كانت تردد المعالجة النفسية في مركز معالجة الصدمات في الخرطوم، لإحدى الناجيات من الاغتصاب، بعد مذبحة القيادة العامة في 3 حزيران/ يونيو  الحالي. تشجّعت هناء (اسم مستعار) قليلاً، وروت بعضاً مما تعرضت له هي وأخريات غيرها، أثناء عملية فض اعتصام المحتجين أمام الجيش بالقوة.

تقول هناء في حديث مع “درج”: “بعد اقتحام ميليشيات الجنجويد ساحة الاعتصام، حيثُ كنا، تمكنّا نحن “مجموعة كبير” تحت وابل من زخات الرصاص، من الاحتماء بكلية الأشعة المجاورة، إلاّ أن مفرزة من الميليشيات لاحقتنا، فكسرت الأبواب واقتحمت الكلية. هددونا بالسلاح وضربونا ضرباً مبرحاً، ما أفضى إلى إزهاق أرواح البعض. نهبوا أموالنا وأشياءنا، ثم فصلوا الرجال عن النساء، وحدث ما حدث… تناوب أربعة جنود من الجنجويد علي أنا وإحدى زميلاتي، ولم يتوقفوا إلا بعدما سمعوا إطلاق نار كثيف في الجوار، فقرروا الخروج بسرعة وتركونا، ليتهم لم يتركونا، ليتهم قتلونا، ليتهم قتلونا”.

ثم تجهش بالبكاء وتتوقف عن الكلام.

حاول معد التقرير التواصل مع بعض ضحايا عمليات الاغتصاب من الجنسين أثناء مذبحة القيادة، لكن دائماً كان المعالجون النفسيون يعتذرون ويطلبون المزيد من الوقت، حتى يتعافى الناجون والناجيات نسبياً ويستعيدون قواهم النفسية والبدنية .

صور خاصة بـ”درج” للاعتداء الذي تعرضت له هناء ..

إفادات وصور حصرية

تقول ناشطة في الحراك الثوري، في إفادة حصرية لـ”درج” وفضلت أيضاً عدم ذكر اسمها، إن “كثيرين ممن اغتصبوا واغتصبن، لا يريدون الإفصاح علانية عن الجريمة البشعة التي تعرضوا لها”. وأضافت: “أنا شخصياً تعرضت للتعذيب والضرب وشارفت على الموت، بل رأيته بعينيّ”، مشيرة إلى أن “عدداً لا يُحصى من الفتيات والفتيان قتلوا بعدما اغتصبوا وأخذت جثث بعضهم إلى أمكنة مجهولة  في سيارات تابعة لميليشيات الجنجويد”.

وتشير الناشطة إلى أنها تحدثت مع بعض الضحايا ولديها شهادات موثقة منهم، لكنها لا تستطيع بثها أو إرسالها إلى أي جهة الآن، لأن المجلس العسكري أوقف خدمات الانترنت عن البلاد، خشية أن تُفضَح الجريمة المهولة التي ارتكبها.

وتوضح إحدى المعالجات النفسيات لـ”درج” أن المركز الذي تعمل فيه (طلبت عدم ذكر اسمه خشية اقتحامه واعتقال الضحايا مجدداً حتى لا يدلوا بشهادتهم)، يقدمون العلاج لـ12 امرأة إضافة إلى رجلين (غادرا المركز الآن)، وجميعهم تعرضوا لاغتصاب ممنهج من قبل الميليشيات المسماة (الدعم السريع)”، مرجحة أن “يكون العدد الحقيقي بالمئات، فكثيرون وكثيرات يخفون الأمر بسبب العار والوصمة الاجتماعية التي ستظل تلاحقهم طوال حياتهم”.

تضيف المعالجة النفسية: “من الخطأ الاعتقاد بأن هذه الاعتداءات الجنسية حدثت لمجرد إشباع حاجات الجنود الجنسية وحسب، فالاغتصاب أمر معروف لدى ميليشيات الجنجويد ومتبع كنهج عسكري لتحقيق مكاسب نفسية، مثل إذلال المعارضين من أجل الرضوخ لإرادتهم، وقد اعتمدت ميليشيات الجنجويد التي يتزعمها نائب رئيس المجلس العسكري الانتقالي الجنرال محمد حمدان دقلو المعروف بحميدتي، الاغتصاب نهجاً عسكرياً لسنوات طويلة في إقليم دافور غرب السودان، وها هي تنقل تجربتها إلى العاصمة الخرطوم”.

70 حالة اغتصاب!

وكانت صحيفة “الغارديان” البريطانية كشفت الثلاثاء 11 حزيران/يونيو  تفاصيل وقوع 70 حالة اغتصاب على يد قوات الدعم السريع (الجنجويد)، أثناء فض اعتصام القيادة العامة في العاصمة السودانية، استناداً إلى شهادة أطباء كانوا في الاعتصام. ولفتت الصحيفة إلى أن تفاصيل جرائم الاغتصاب التي نفذها عناصر قوات الدعم السريع، انتشرت خلال الأيام الأخيرة على الإنترنت، على رغم القيود المفروضة على الاتصالات في السودان. وقال طبيب يعمل في مستشفى “رويال كير” لـ”الغارديان” إن “8 مدنيين عولجوا بعدما تعرضوا للاغتصاب (5 نساء، وثلاثة رجال). فيما أفاد مصدر طبي في مستشفى في جنوب الخرطوم بتسلّم حالتي اغتصاب، بما في ذلك شخص هوجم من قبل 4 عناصر من “قوات الدعم السريع”.

وفي السياق ذاته، قالت طبيبة لـ”درج”، إنها أثناء عملها في المستشفى الميداني في ساحة الاعتصام أمام مقر الجيش السوداني، تعرضت لمحاولة اغتصاب من أحد الجنود، وقد استطاع عناصر من المخابرات حمايتها نسبياً. وأضافت: “ربما فاقت هذه الحالات الأرقام  المتداولة بكثير، وكثيرون ممن تعرضوا للاغتصاب أخفوا الأمر، ما سيعرضهم لانتكاسات نفسية عميقة”، مشيرة إلى أن “كثيرات حاولن الانتحار وأن ثلاث حالات على الأقل وثقت في السجلات الطبية”.

الأمم المتحدة: لوقف العنف

كانت الأمم المتحدة طالبت بوقف العنف والاغتصاب الذي تمارسه ميليشيات الجنجويد والقوات النظامية فوراً، داعية إلى تحقيق شفاف في الحوادث إبان  فض الاعتصام. وأبدت المنظمة الدولية مخاوفها في شأن تقارير تفيد بأن “الدعم السريع” التي ارتبطت بحوادث العنف في إقليم دافور (بدأت عام 2003) ارتكبت جرائم اغتصاب بحق متظاهرات وممرضات وطبيبات، أثناء حملة قمع المتظاهرين في الخرطوم.

وقالت براميلا باتن، كبيرة مسؤولي الأمم المتحدة المكلفة مكافحة العنف الجنسي، إنه ينبغي إرسال فريق لحقوق الإنسان بسرعة إلى السودان لتحري الوضع على الأرض، بما في ذلك حالات العنف الجنسي المزعومة.

تاريخ الجنجويد… تاريخ اغتصابات

لم تكن عمليات الاغتصاب هذه، التي تتهم بها ميليشيات الجنجويد وغيرها من الميليشيات التابعة لـ”حزب المؤتمر الوطني” بزعامة الرئيس المخلوع عمر البشير، هي الأولى من نوعها في تاريخ هذه الميليشيات، فقد ارتكبت الكثير من الفظائع على مدى سنوات في إقليم دافور غرب السودان، حيث كانت تتولى مهمات حرق القرى وسلبها ونهبها واغتصاب النساء. وتضم هذه الميليشيات شباباً من دول الجوار ودول أخرى من غرب أفريقيا من قبائل متداخلة اثنياً مع بعض القبائل السودانية، التي تتكون منها الميليشيات. وقد صنفت منظمات دولية كثيرة بما فيها الأمم المتحدة و“هيومن رايتس ووتش”، الجنجويد، ميليشيات إرهابية. والأخيرة لا تتوانى في ارتكاب الفظائع من قتل بدم بارد، وحرق قرى وساكنيها، ونهب ممتلكات واغتصاب.

وبناءً على ما حدث فجر ليلة فض الاعتصام، وبالعودة إلى تاريخ هذه الميليشيات في ارتكاب مثل هذه التصرفات الوحشية، فإن احتمال ارتكابها جرائم الاغتصاب أثناء عملية فض الاعتصام بالقوة، يتخطّى الشك بأشواط، ليتحوّل إلى يقين وحكاية وجع تمتد منذ معركة دارفور إلى ساحات الخرطوم الثائرة.  

السودان: كولاج ما بعد المذبحة

إقرأ أيضاً