fbpx

هنا القصة الثالثة

محمد خلف - صحافي عراقي

محمد خلف - صحافي عراقي

مقالات الكاتب

السلفية الفرنسية (2):من الجاهلية العلمانية إلى عنف الطوبى الإسلامية

“هؤلاء الأطفال أبناء جمهوريتنا، يغادرون إلى هناك (سوريا والعراق) حتى من دون أن يفهموا حقيقة الصراع. هناك من يحلم بإقامة الشريعة وتأسيس الدولة الإسلامية الكبرى في الشرق الأوسط، في حين يحاول آخرون العودة إلى أوروبا بخيبة أمل من دورهم في هذه الحرب المقدسة، يخافون الموت، لكن أحياناً ما هو مقلق، أنهم ينوون ضرب البلدان التي نموا وتربوا فيها”.

هكذا وصف الكاتب الفرنسي فرنسوا فينغو في كتابه “فرنسا الجهاد” الجهاديين الفرنسيين الذي انخرطوا في حروب الشرق الأوسط.

تنظر الجماعات الإسلامية بكراهية إلى فرنسا، وهذه المشاعر تعود إلى أن فرنسا برأيهم كانت بلداً مستعمراً لعدد من البلدان العربية والإسلامية، مثل ذلك نجده عند أمير الجماعة السلفية للدعوة والقتال (GSPC)، إذ قال عبر الانترنت: “فرنسا هي عدونا رقم واحد، إنها عدو ديننا ومجتمعنا”.

يصنف الباحث الفرنسي جيل كيبل الجهاديين الفرنسيين في ثلاث فئات: الأولى تمثل الموجة الجديدة من الجهاديين التي ولدت في رحم موجتين سابقتين، أولاهما في ثمانينات القرن الماضي في أفغانستان، لتنتقل بفروعها المختلفة إلى الجزائر ومصر والبوسنة والشيشان بهدف واحد هو ضرب الأنظمة الموالية للغرب. الموجة الثانية تزعمتها القاعدة، واتخذت من الولايات المتحدة هدفاً رئيسياً، لاعتقادها بأن الهجوم على الشيطان الأكبر سيعبئ المسلمين حول العالم، أما الثالثة، فلقد ظهرت بعد هجمات باريس في كانون الثاني/ يناير عام 2015، واستهدفت أوروبا هذه المرة التي بحسب المنخرطين هي خاصرة الغرب الرخوة، وهم يعتمدون لبلوغ هذا الهدف على استقطاب شباب مهمشين منحدرين من أصول عربية وأفريقية لكنهم مولودون وناشئون في أوروبا”.

تقودنا دراسة عينات ونماذج من الجهاديين إلى فهم العقلية الجهادية الفرنسية، إذ إن أغلبيتها نشأت في الضواحي الباريسية وضواحي بقية المدن الفرنسية الأخرى. ويصنف الباحث الفرنسي كيبل هؤلاء الجهاديين وفقاً لشخصياتهم في ثلاث فئات: فئة (مهمشي) الضواحي الذين يواجهون فشلاً تعليمياً ومهنياً، ويتوجهون إلى الجهاد باحثين عن مغامرة، وسيلة لإعطاء حياتهم معنى واستعادة كرامتهم المفقودة بطرائق مصحوبة بالعنف الشديد، ويتخذ (المهمش) شخصية (المدمر) الذي يشعر بأنه سيد العالم، ويتميز سلوكه بعنف فائض، ما أن يصل إلى مناطق القتال. أما الفئة الثانية فتتمثل في المراهقين الذين يسهل اللعب بعقولهم وتجنيدهم بعد تلقينهم الأفكار المتطرفة على الانترنت، وإقناعهم بأنهم يقومون بمهمة إنقاذية سامية، والثالثة تضم أولاد الطبقة الوسطى التي نجحت في حياتها، لكنها ترى نفسها محبطة وغير قادرة على التغيير، وتعكس هذه الفئة فشل سياسة الاندماج في المجتمع الفرنسي.

جذور الانحراف العقائدي

توصلت الباحثة الفرنسية دنيا بوزار من خلال دراسة عينة لـ120 عائلة فرنسية التحق أبناؤها بسوريا للقتال في صفوف الدولة الإسلامية “داعش” إلى أن “غالبية هؤلاء المجندين الشباب ليست من المتدينين”. وكانت هذه العوائل قصدت مركزاً لمكافحة “الانحراف العقائدي” المرتبط بالإسلام (CPDSI) في محاولة لإنقاذ أبنائهم من الوقوع فريسة بيد جماعات الجهاد الفرنسية. وبحسب بوزار التي التقت بهذه العوائل “إن 70 في المئة من هذه العوائل تميل إلى الإلحاد وأن 80 في المئة منها لا تربطها جذور مباشرة بالهجرة، كما تبين أن المرشحين للجهاد هم في الأغلب شبان وشابات، صبيان وبنات لأساتذة وموظفين ومحامين، أكثر مما هم من شباب الأحياء الشعبية على رغم من وجود هؤلاء أيضاً بين الجهاديين”.

يشير تقرير للاستخبارات الفرنسية إلى أن حركة التجنيد الجهادي على الانترنت ليست جديدة وتعود لسنوات مضت، وهي تعتمد استراتيجيتين للتجنيد وخطابين متباينين لجذب الشباب الفرنسي واستمالته، الأولى تطبقها الدولة الإسلامية، التي تتوجه إلى شباب يفتقر إلى مراجع اجتماعية تسند قراراته ويشعر بالضياع. وبحسب مركز مكافحة الانحراف العقائدي، فإن هذا النهج يعرف بأسم “كول اوف ديوتي” أو “نداء الواجب”، وهو اسم لعبة فيديو يطلق فيها اللاعب النار على كل ما يتحرك. والاستراتيجية الثانية تنتهجها “جبهة النصرة”، وتهدف إلى إخراج المرشحين للجهاد من دائرة المواطنية والمدنية، وتتوجه إلى الفرنسيين بلغتهم وأفكارهم وتتسلل إلى منابر مناقشاتهم، وخصوصاً الشابات. وتقول بوزار: “إن بضع نقرات على الانترنت تكفي لحمل أي شاب على التطرف”. وفي دراسة بعنوان “التحول الناجم عن الخطاب الإرهابي الجديد” يفصل المركز الفرنسي لمكافحة الانحراف الديني المرتبط بالإسلام كيفية توظيف فيلم “ذي ماتريكس”، أو لعبة فيديو “عقيدة القاتل”، ويشير إلى “أن الخطابات الإرهابية الجديدة طورت وسائل التجنيد من خلال التخصص في استخدام الانترنت كأداة، إلى درجة أنهم يقترحون عروضاً شخصية مختلفة عن بعضها وتلائم شباناً مختلفين تماماً، بعدها ينقلون الشباب من التكوين العقائدي الافتراضي إلى التجنيد الميداني. يقول الصحافي الفرنسي دافيد تومسون في كتابه “لي فرانسي جيهاديست – الفرنسيون الجهاديون” إن الغالبية الكبرى من الجهاديين الفرنسيين يسعى إلى قتال الديموقرطية والنموذج الفرنسي الذي يصفونه بـ”المعادي للإسلام”، وتعكس أدبياتهم وكلام الجهاديين أنفسهم أنهم يشاركون لحظة تاريخية تحقق يوتوبيا إسلامية، وأن العنف هو السبيل الوحيد إلى بناء هذه الدولة المثالية التي تحتكم إلى تفسير حرفي للدين، فضلاً عن أن الحرب برأيهم هي فرض ديني ووسيلة سياسية، وحين يقوم بالقتل يعتقدون أنهم يسعون إلى تحقيق هدف سام، وهم منطقيون وليسوا مجانين كما يتهمونهم”.

سليمان وكليمانس: الحماسة للجهاد والأخوة في الدين

سليمان (24 سنة) فرنسي من أصول أفريقية وزوجته الفرنسية كليمانس (23 سنة) اقتنعا بفكرة الجهاد بغتة. يقول سليمان: “وأنا أشاهد أختاً فرنسية عازبة على (فيسبوك) اعتنقت الإسلام، وقررت الذهاب لوحدها إلى سوريا لتتزوج هناك وتجاهد، شعرت بالخجل وقلت في نفسي، لقد فعلتها. إذاً، لم يتبق لي اي عذر بعد الآن! عندها ذهبت إلى زوجتي التي كانت أمام حاسوبها الخاص في غرفة مجاورة وسألتها: هل تريدين الذهاب؟ أخبرتني بأنها قد شاهدت الفيديو نفسه وشعرت بما شعرت، في اليوم التالي حضرنا جوازتنا للسفر إلى سوريا. تقول كليمانس: “لقد شعرت وأنا أشاهد الفيديو أن الأمر كان يخصني! عندما تشاهد باكستانيين يقاتلون تقول بينك وبين نفسك: هم لديهم معرفة، يحسنون القتال. ولكن عندما ترى فرنسياً أو بلجيكياً، يصبح الأمر مغايراً، هناك أخوة لنا في الدين ذهبوا إلى سوريا وعمرهم يتعدى 15 سنة، حينما ترى هذا، تقول لا يمكن أن أبقى هنا. لقد وجدت طريقي وليس لي أي عذر للتقاعس!”.

درس تومسون في كتابه الذي يمثل في جوهره تحقيقاً ميدانياً تسلل فيه إلى عمق ذهنية الجهاديين الفرنسيين الذين جعلوا من القتال في سوريا قضية حياتهم، من خلال مقابلات مع 18 شاباً وشابة من فرنسا أعمارهم بين 15 و35 سنة، منهم من حقق رغبته الجهادية، ومنهم من لم تسنح له الفرصة للحصول على تذكرة سفر للدخول إلى الجنة الموعودة في كتاب الله. تحدث هؤلاء الشبان وشرحوا كيف انقلبوا على حياتهم الماضية، ووقعوا في عشق الصراع المسلح، ما يتيح للقارئ فهم كيف ولماذا تحول شباب في مقتبل العمر، ولدوا وتربوا في فرنسا، إلى معجبين متحمسين لإرهابيين مثل أسامة بن لادن والزرقاوي وابو بكر البغدادي إلى درجة الانتقال إلى سوريا للقتال في صفوف “داعش” وجبهة النصرة، مع نيتهم الكامنة في العودة إلى البلاد والقيام بعمليات إرهابية. يرفض تومسون الفكرة السائدة والصورة المتداولة عن الجهاديات بأنهن خاضعات ومطيعات لأزواجهن، ويقول “ما لاحظته في كثير من الحالات أن النساء هن أول الذين تطرفوا، وحملن الزوج على اللحاق بهن، وأن بعضهن يؤيد الهجمات الانتحارية أكثر من أزواجهن، ويقول عدد آخر منهن أن النقاب هو تحرر، فهن يرفضن نموذج المجتمع الفرنسي ونموذج المرأة المعاصرة”. في هذا السياق، كان فرانسيس فوكوياما تساءل في حوار صحافي أجرى معه قبل سنوات عن السبب الذي يجعل النساء المسلمات في الشرق الأوسط وأوروبا يرغبن في ارتداء الحجاب؟ وهل أن ذلك يعود لكونهن مسلمات متدينات وأصبحن فجأة مقتنعات بأن الإسلام هو الدين الحقيقي، وأصبح لديهن التوق الروحي الذي لم يمتلكنه من قبل؟ وأجاب بنفسه على هذه الاسئلة بالقول: “أرى أن ارتداء الحجاب يشكل نوعاً من الظاهرة الحديثة التي لها علاقة بالهوية، ذلك أنهن يشعرن بأن هويتهن وطريقة حياتهن وثقافتهن معرضة للهجوم، ولهذا ينتابهن إصرار على إظهار أنهن فخورات بما هن عليه وبما يفعلن، ولا يردن تقديم الاعتذار لكونهن مسلمات”.

سيدريك مواطن فرنسي اعتنق الإسلام وقرر الذهاب إلى الجهاد في سوريا يقول: كل مسلم عادي يكون غير منافق، يجب أن ينظر إلى نفسه كإرهابي لأن الله يقول: ” ترهبون به عدو الله وعدوكم”، واضاف: “أخي الأصغر عسكري في الجيش الفرنسي، قلت له: بما أنني اطبق الولاء و البراء، لذلك إذا ذهبت لمحاربة المسلمين وعدت فأسذبحك في الحال وأمام الجميع. أخ في الدين أهم من اخ كافر ولو جاء من البطن نفسه. ديني قبل كل شيء”.

حياة الجاهلية والقلق الروحاني

ما يجمع بين الجهاديين الفرنسيين وصف حياتهم السابقة بالجاهلية، فمنهم من كان يعمل في مجال الموسيقى، وكثر في موسيقى الراب تحديداً، وبعض آخر في الجيش أو كانوا مجرد موظفين عاديين أو يعيشيون حياة عائلية مستقرة وتقليدية، لكنهم يقولون إن حيواتهم كانت خارج التدين قبل اعتناق الإسلام الديني وليس الثقافي فحسب. وتكشف المقابلات أن المتحدرين من بيئة مسلمة ثقافياً تلقوا في صغرهم تربية دينية معتدلة ولينة تخفف من الفرائض، إلا أن المتحولين إلى الإسلام يتحدرون غالباً من أسر كاثوليكية أو بروتستانتية تقبل على الشعائر إلى حد ما، والمفاجأة التي أثارت الاهتمام والانتباه أن أحد هؤلاء اعتنق البوذية ومن ثم بعد ذلك الإسلام، وبينهم أيضاً شبان وشابات يتحدرون من أسر يهودية أو كانوا ناشطين في اليمين المتطرف. يستنتج المؤلف “أن التحول إلى الإسلام الجهادي يعكس قلقاً روحانياً وجواباً عن أسئلة مضمرة، هذا المزج بين اكتشاف الديني أو العودة إليه هو المشترك بين الجهاديين كلهم من كليمانس، الكسندر جنفييف وياسين وسليمان إلى ابو مصعب الزرقاوي، سواء أكانوا مسلمين أو مسيحيين أو بوذيين في فصول حياتهم السابقة، يجمع بينهم انهم متحولون إلى، ومنتقلون من مرحلة سابقة إلى مرحلة لاحقة ما بعد. وهذا الانتقال من مرحلة إلى أخرى بنيوي. ينقل تومسون تفاصيل حوار بينه وبين مقاتل إسلاموي قال إن يديه ملطختان بالدماء قبل تحوله إلى الإسلام، وهذا الماضي الإجرامي يقربه من رفاق انتقلوا من العنف الزمني إلى العنف الديني، وانضم هذا الشخص إلى الشرطة الإسلامية، وأبلغني أنه كان شعر بالمتعة حينما قتل الناس. فالجهادية إذاً اضفت مشروعية على عنفه، وسوغت نزوله على نزعاته القاتلة”. ويستنتج الكاتب “أن الشعور بالاحباط يجمعهم، والجهادية هي جسر انتقال من (أنوات) غاضبة إلى مرتبة بطل”. منهم من ينتمي إلى أقلية ويرى أنه بلغ أقصى المتاح له في فرنسا كابن مهاجرين، على رغم أنه كان يعيش عيشاً كريماً، إلا أنه كان يشعر بأنه من دون كرامة. كما أن بين المتحولين إلى الإسلام فرنسيين من أبناء هجرات جنوب صحراوية وبرتغالية وكورية وفيتنامية، والإحباط يمكن أن يكون دينياً، فثمة من اعتنق الإسلام السلفي الهادئ ولكنه شعر بأن العلمانية الفرنسية تحول دون (ممارسته) دينه! يقول تومسون إنه في ثرثرة مع فرنسي وثيق الصلة بهجمات 13 تشرين الثاني/ نوفمبر، أبلغه أن “المدنيين في الدول الغربية اعداء، فهم يسددون الضرائب ويمولون الجيوش الغربية”.

ينظر السلفيون والجهاديون الفرنسيون إلى النموذج الديموقراطي الفرنسي بكراهية ويصفونه بأنه (المعادي للإسلام)، ولهذا يريدون تدميره، وهذا بالنسبة إليهم يمثل لحظة تاريخية تمثل يوتوبيا إسلامية، وإن العنف هو السبيل إلى بناء هذه الدولة الإسلامية (المثالية) التي تحتكم إلى الشريعة الإسلامية، ولهذا فإن الحرب وفق معتقدهم هي “فرض ديني” و”وسيلة سياسية”. يرى الباحث الفرنسي في مركز (EHESS) ومؤلف كتاب “التطرف” فرهاد خورسوخافار “أن قوة الهوية الفرنسية هي وراء المشكلة، فالهوية المتجانسة هذه تفاقم ضيق الشباب المتحدرين من الخارج، وتحديداً من شمال أفريقيا، في وقت أن عملية العودة عن الاستعمار في المنطقة هذه كانت أليمة ومهينة”. وقال: “فرنسا تخفق في حل مشكلة التهميش الاجتماعي والاقتصادي، وشباب الضواحي مهمشون والآفاق أمامهم ضيقة”، وخلص إلى “أن الوزن الايديولوجي لصورة (الأمة) الفرنسية يعبر عن نفسه: نازع جمهوري، ارتياب من الديانات على انواعها بما فيها الكاثوليكية”. وقال: “إن حال المجتمع الفرنسي اليوم تقتضي مقاربة تعدد الهويات مقاربة أكثر عملانية وأكثر ليناً، ففرنسا لم تعد ما كانت عليه، وعليها إدراك تغيرها”.                            

 

إقرأ أيضاً:

السلفية الفرنسية  (1) : أسلمة الراديكالية والأساطير الثلاث

إقرأ أيضاً