fbpx

هنا القصة الثالثة

بادية فحص - صحافية وكاتبة لبنانية

بادية فحص - صحافية وكاتبة لبنانية

مقالات الكاتب

الرقص كلغة تخاطب وكيف نرتبك حياله في الشرق …

29 نيسان/أبريل هو اليوم، الذي اختاره مجلس الرقص العالمي، للاحتفاء بفن الرقص كأحد المكونات الثقافية لكل شعب من شعوب العالم. كل سنة، في هذا التاريخ، يوجه مجلس الرقص العالمي رسالة إلى حكومات العالم، يطلب فيها تحويل فن الرقص إلى مادة تعليمية تربوية، وتخصيص أموال وميزانيات لدعم هذا النوع من الثقافة الإنسانية، التي تعكس الروح الحية للشعوب. وتحت عنوان “يا راقصي العالم اتحدوا” كل سنة يكلف، معنويا، في هذا اليوم، الراقصين والراقصات ومؤسسات الرقص، في مختلف بلدان العالم، بمهمة تعريف المجتمعات التي ينتمون إليها، على فنون الرقص في المجتمعات الأخرى.

 

قبل أن يتحول الرقص إلى متعة بصرية وإلى أحد الفنون الترفيهية، كان عند الشعوب القديمة مثل الفراعنة والفرس والهنود وفي بلاد ما بين النهرين وغيرها، طقسا دينيا يقام المعابد. لذلك نجد على جدران المعابد الأثرية في منطقتنا، رسومات تظهر فيها، نساء يقدمن قرابين للألهة وهن في وضعية رقص.

كانت الشعوب، حين تمرّ بمواسم قحط وجوع وندرة أمطار، تكلف نساءها بالتقرب من الآلهة، علها تدرّ عليهم الخير، بسبب إيمانهم بوجود رابط رمزي بين جسد المرأة والخصوبة. لذلك تظهر المرأة في هذه الرسومات كاشفة عن بطنها، ولذلك من المحتمل أن عادة كشف الراقصة الشرقية عن محيط بطنها وخصرها أثناء الرقص، قد أتت من هذه الفكرة.

الرقص مركب أساسي في هوية كل شعب من شعوب العالم. كل حركة، كل خطوة، كل  رفعة يد أو هزة رأس، تعبر عن مكنونات روحية وجسدية واجتماعية وحتى دفاعية عند كل شعب. الرقص هو لغة الشعوب الحركية، التي تنطق بها أجسادهم، بطريقة جماعية، وتعبر عن وجودهم وهمومهم وتحدياتهم، ككتلة اجتماعية منسجمة ومتفاعلة.

من غير الممكن أن نسمع قرع طبول وأصوات همهمة، ونرى أيدي تلوح بتحدَ وأقدام تضرب الأرض بقوة، ولا يتبادر إلى أذهاننا أن هذه الضوضاء هي رقص أفريقي، وأن هذا الرقص هو انعكاس لملامح صراع الإنسان الأفريقي المستمر مع الطبيعة.

مفهوم الرقص كلغة جماعية إنسانية، تطور مع الأيام، ليصبح فنا مستقلا بذاته. فتشكلت فرق فنية تقدمه على المسارح والشاشات وأماكن الترفيه والأماكن العامة، بعضها حظي بشهرة واسعة عالميا، مثل: البولشوي الروسية، فلامينكو دي مدريد الأسبانية، وكركلا اللبنانية وغيرها. ثم تأسست أكاديميات يديرها محترفون ومحترفات، لتعليم كل أنواعه: الباليه والسالسا والسامبا والفلامنكو والتانغو والمامبو والفالس والدبكة. إلا الرقص الشرقي، بدأ في المعابد وانتهى في المواخير…

إذا فتشنا، عن السبب الذي جعل الرقص الشرقي ينحدر إلى مستويات وضيعة، ويرتبط بمعاني المجون والسوقية، بينما الرقص الغربي بكل أنواعه، تطور وارتقى إلى مكانة فنية عالية، تعكس قيم الذوق والجمال، نجد أنه بسيط ومعقد في الوقت ذاته. إنه المرأة.

فالرقص الشرقي، يختلف عن كل أنواع الرقص في العالم، بأنه أداء فردي وليس جماعيا، والفرد فيه هو المرأة، المرأة وحدها. هو مساحة خاصة بالمرأة فقط، مفصل على قياس روحها وأحاسيسها، على مقاييس جسمها، هو ابتكار أنثوي خالص.

والسؤال الذي يطرح نفسه هنا، هو: هل يمكن أن يتقبل الرجل الشرقي، وجود في زاوية في حياة المرأة ليس له حصة فيها؟ أو مساحة تشغلها المرأة وحدها، هو غير موجود فيها؟ أو هي فيها السيدة؟ طبعا، بحسب ثقافته، لا يمكن أن يتقبل هكذا فكرة، ولكي يكون حاضرا فيها، سعى إلى تحويلها إلى أحد أسباب متعته.

على مر العصور وعهود الممالك المختلفة في الشرق، ازدحمت قصور الملوك والسلاطين بالجواري، اللواتي كن يتقن فنون الغناء والعزف والرقص. وينقل تاريخنا قصصا عن حكام تولعوا بالجواري، خصوصا الراقصات منهن، لدرجة أنهن تحولن إلى شريكات لهم في الحكم وتسيير أمور الرعية والبلاد.

ومن الشواهد على هذا الكلام، قصة الخليفة الأموي يزيد بن عبد الملك، الذي كان مغرماً براقصتين في الوقت ذاته. الأولى كان اسمها حبّابة والثانية سلاّمة. وفي أحد الأيام حل عيد الفطر، وكان على الخليفة أن يصلي بالمسلمين، لكنه كان مخمورا كالعادة، فلم يستطع تلبية نداء الواجب، فقامت سلاّمة بارتداء ثيابه وعمامته، وتوجهت إلى المسجد وأمّت المؤمنين بصلاة العيد.

بسبب من هذه الأجواء أو الأهواء الذكورية المنحرفة، تأسست فكرة أن الرقص الشرقي موازِ للخلاعة والتهتك والمجون، وبالتالي بنى المجتمع على أساسها، نظرته الدونية والمستنكرة لهذا الفن.

في العصر الحديث، أسست بديعة مصابني أول مدرسة لتعليم الرقص الشرقي في مصر وربما في العالم، حاولت أن تقدمه بقالب فني مختلف وبعيد عن التفسيرات الذكورية والنظرة المجتمعية النمطية. أما هند رستم فتمكنت بطريقة تقديمها الأنيقة لجسمها، على إيقاع غنية “يا مهون” في فيلم “صراع في المينا” أن تفتح صفحة جديدة في تاريخ الرقص الشرقي…لكن الكم غلب الكيف. غلبت السينما التجارية، التي عادت وقدمته بما يتناسب مع ما يطلبه الرجال، وصار مشهد الراقصة، كمادة تسويقية، فقرة أساسية في الفيلم المصري.

كل هذا يضاف إليه، أن ثقافتنا الشرقية هي ثقافة معادية للفنون، للضوء، للفرح، للحياة، للتحرر، للجسد، للمرأة، فكيف إذا اجتمعت هذه الصفات كلها في جسد المرأة؟!

قصة أم علي… من حي اللجا إلى صف الرقص الشرقي

 

إقرأ أيضاً