fbpx

هنا القصة الثالثة

ترجمة - Foreign Policy

ترجمة - Foreign Policy

مقالات الكاتب

الرسول يحمي… ولا يحتاج إلى محكمة تحميه

أصدرت المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان، في الخامس والعشرين من تشرين الأول/ أكتوبر، في مدينة ستراسبورغ بفرنسا قراراً مثيراً للجدل على سيدة نمسوية (أشير إليها إعلامياً باسم ES)، وصمت محمد، رسول الإسلام، علانية بأنه مُشتهٍ للأطفال. ولهذا، غرمتها محكمة نمسوية عام 2011، وأدانتها بتهمة انتهاك قانون وطني ضد “ازدراء الأديان”. في المقابل، ناشدت السيدة المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان، مدعية أن حقها في حرية التعبير قد انتُهك. أجابتها المحكمة بلا ليس تماماً، وأوضحت أن ما قالته عن الرسول محمد كان خاطئاً ومهيناً، وأنها تستحق تغريمها بتهمة “إثارة التعصب وتعريض السلام الديني للخطر”.

استناداً إلى ردود الأفعال الإعلامية، يبدو أن كثراً من المسلمين قد رحبوا بقرار المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان. ولكوني مسلماً يهتم بشدة بكل ما يتعلق بتشريف الرسول محمد، أعتقد أن فحوى تحليل المحكمة للحقائق كان صحيحاً، فأنا أوافق على أن محمد لم يكن مشتهياً للأطفال وأنه من الخطأ والمهين أن يوصف بهذا الجُرم. ومع هذا فأنا أعتقد أيضاً أن ذلك القرار ليس مدعاةً للاحتفال. إذ لن يدعم المسلمين ولا الإسلام أن يتم إسكات ذوي المعتقدات الأخرى. وقد تتسبب تدخلات المحكمة الأوروبية في تأجيج الخوف من الإسلام، بدلاً من تعزيز الاندماج.

لنبدأ بمحل اللغط من التفاصيل الدينية في قضية السيدة النمسوية – وتحديداً زواج الرسول محمد من عائشة، ابنة أبي بكر، الذي كان الرفيق المقرب للرسول وسيصبح أول خليفة له. ففي التقاليد الإسلامية، نرى أنه كان زواجاً سعيداً، وعندما توفي الرسول عام 632 ميلادية، كان مستلقياً بين ذراعي عائشة. وقد أصبحت عائشة، في أيامها الأخيرة، شخصية نافذةً أيضاً في عصر صدر الإسلام، تناصر القضايا السياسية وحتى تقود الجيوش.

المشكلة هي في ما يزعم أن سن عائشة وقت الزواج كان صغيراً حد الفضيحة. وهذا (أي سن زواجها) مدون في كتب صحيح البخاري، أكثر سلسلة موثوق بها للأحاديث (أي أقوال وأفعال الرسول المروية). قالت عائشة “تزوجني (خطبني) النبي -صلى الله عليه وسلم- وأنا بنت ست سنين”، مضيفة أن الزواج انعقد بعد ثلاث سنوات. “فلم يرعني إلا رسول الله ضحىً، فأسلمتني (أمي) إليه، وأنا يومئذٍ بنت تسع سنين”.

هذا بالطبع، أمر مروع حين تقرأه حالياً– وقد كان أساساً للاتهامات ضد الرسول محمد بالاشتهاء الجنسي للأطفال، من قبل السيدة ES في النمسا ومن قبل بعض النشطاء الآخرين المناهضين للإسلام. إلا أن هناك نقطتين مهمتين لا بد من ذكرهما.

النقطة الأولى هي أننا لسنا مضطرين إلى القبول بأن عائشة كانت في التاسعة من عمرها عند إتمام زواجها. إذ إن البخاري (محل الاستدلال على سن عائشة) كان مجموعة من الروايات الشفهية التي جمعت بعد قرنين من الحدث. وفي حين اكتسب البخاري عند التقليديين السُنة مكانةً مقدسة، وجه المسلمون المعاصرون إليه الكثير من الانتقادات والشكوك في قضايا عدة. إن قصة سن زواج عائشة تحديداً كانت محل نزاع من قبل شريحة واسعة من المعلقين المسلمين المعاصرين، فهم يستدلون بحسابات مبنية على عمر شقيقة عائشة، أو الجدول الزمني للأحداث الأخرى ذات الصلة، أو الإشارات القرآنية إلى سن الزواج، على أنه لا بد لعائشة وقت زواجها أن تكون أكبر بكثير.

النقطة الثانية هي أن كل هذه الشكوك من المسلمين حول عمر عائشة قد ظهرت في العصر الحديث، لأن هذه المسألة لم تكن في السابق محل انتقاد. والسبب هو أن الحد الأدنى لسن الزواج الذي يعتمده الغرب اليوم، والذي هو عادة 18 سنة، هو إنجاز حديث. فعلى مدار معظم تاريخ البشرية، كان ينظر إلى سن البلوغ على أنه السن الشرعية للزواج. إذ عاش الناس حياة أقصر بكثير، ولم يكن لدى الأطفال تعليم نظامي لإتمامه، وكان “زواج القاصرات” الذي نمقته اليوم أمراً عادياً.

كان قرار المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان محقاً في الإشارة إلى هذه الفجوة في السياق التاريخي. وأوضحت المحكمة أن “زواج القاصرات لم يكن كالاشتهاء الجنسي للأطفال”، مضيفة “لم تكن تلك ظاهرة في الإسلام فحسب، بل كانت منتشرة على نطاق واسع بين الأسر الحاكمة في أوروبا”. في الواقع، هناك سجلات عن عرائس صغيرات للغاية حتى في المستعمرات الأميركية  بولاية فرجينيا، وعام 1689، تزوجت ماري هاثاواي البالغة من العمر 9 سنوات من رجل يدعى وليام ويليامز.

 

أصبحت مثل هذه الاتهامات ضد الإسلام شائعة في الغرب لسبب قوي، وهو أن هناك عدداً غير قليل من الرجال المسلمين في العالم اليوم يتزوجون فتيات صغيرات، ويبررون مثل هذه “الزيجات” المريعة بوضع السيدة عائشة

 

لذا فالسياق التاريخي مهم، وقد كان الرسول محمد في نهاية الأمر بشراً فانياً عاش في سياق زمنه الخاص. (لم يكن “رمزاً للتبجيل الديني”، كما وصفه خطأ، قرار المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان ، بل كان مجرد رسول من الله). وسيكون من الإجحاف أن نحكم عليه وفقاً لمعاييرنا الحديثة، كما هو الحال بالنسبة إلى الرسل والأنبياء المذكورين في العهد القديم، والذين كانت لهم زوجات عدة بل وحتى إماء.

هذه هي الحجج التي كنت سأسوقها باعتباري مسلماً ضد السيدة ES النمسويه وغيرها ممن قد يسيئون إلى رسولي. ولكن هل كنت سأحب أيضاً أن يتم إسكاتهم بقرارات من المحاكم؟

الجواب هو “لا” لأسباب عدة. أولاً، إن حظراً كهذا لن يكفل أي احترام حقيقي للنبي محمد. ومن يرونه بصورة سلبية سيستمرون في ذلك- بل وربما ستزداد صورته عندهم سوءاً. هناك شعور شائع في الدوائر اليمينية في الغرب بأن الصوابية السياسية التي تفرضها المؤسسات الحاكمة، يواري حقائق مُرة عن الإسلام، وسوف يعتبرون هذا الحظر مثالاً على ذلك. وكنتيجة لهذه القضية، قد نرى قريباً المزيد من العدائية الشديدة المعلنة ضد الإسلام، والمزيد من الافتراءات الملقاة على الرسول- بما في ذلك أنه كان مشتهياً للأطفال.

ثانياً، أصبحت مثل هذه الاتهامات ضد الإسلام شائعة في الغرب لسبب قوي، وهو أن هناك عدداً غير قليل من الرجال المسلمين في العالم اليوم يتزوجون فتيات صغيرات، ويبررون مثل هذه “الزيجات” المريعة بوضع السيدة عائشة. (وهذا لأنهم، تماماً مثل منتقدي الإسلام الأفظاظ، ليسوا على دراية بالسياق التاريخي). هذه مشكلة خطيرة في العالم الإسلامي نحتاج نحن المسلمين إلى القضاء عليها. بعبارة أخرى، إن أفضل الطرائق لمناهضة القصص الجالبة للخوف من الإسلام، هي بتنظيف منزلنا من الأوساخ، بدلاً من إسكات من يشكون من تلك الأوساخ، حتى لو كانوا أفظاظاً أو حتى عدائيين.

 

رحب كثر من المسلمين المحافظين بقرار المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان، وربما رحبوا بمزيد من القيود على “أعداء الإسلام”، ولكن عليهم أن يدركوا أن هذا سيف ذو حدين.

 

أخيراً، ما هو مقدار التدخل القانوني الذي نرغب فيه حقاً في المجتمع؟ لقد رحب كثر من المسلمين المحافظين بقرار المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان، وربما رحبوا بمزيد من القيود على “أعداء الإسلام”، ولكن عليهم أن يدركوا أن هذا سيف ذو حدين. كما أن الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان ذاتها، بنَفَس الفلسفة القانونية للإدارة المفرطة للحياة العامة، قد اتخذت أيضاً قرارات لتقييد الممارسات الإسلامية، مثل قواعد الملابس للمرأة المسلمة. إحدى هذه الحالات كانت في قضية عام 2001 لمعلمة في مدرسة ابتدائية سويسرية تم منعها من ارتداء الحجاب – ليس النقاب، فقط حجاب الرأس – في المدرسة. حكمت المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان بأن الحجاب يمكن أن يكون له “تأثير تبشيري”، وبالتالي فإنه لن يتماشى مع مبادئ “التسامح واحترام الآخرين”. بعبارة أخرى، فقد طبقت المنطق ذاته، الذي بررت به تغريم السيدة ES النمسوية.

لا يقصد بهذا الاستهانة بالمحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان، والتي أعتقد أنها لا تزال تمثل منارة لحقوق الإنسان في معظم الحالات. تمتد صلاحياتها لتشمل 47 عضواً في مجلس أوروبا (وهو منظمة أكبر من الاتحاد الأوروبي)، وتساعد على منع انتهاكات حقوق الإنسان الخطيرة في الدول المتوحشة مثل روسيا وتركيا، أو المعاقبة عليها، وبفعلها ذلك، غالباً ما تكون المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان هي الأمل الأخير للأبرياء الذين يزج بهم في السجن، بسبب أفكارهم فقط.

إلا أن هناك طرائق أفضل لحماية الحرية من تلك التي تتبعها المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان، مثل الطريقة الأميركية، إذ يمنح التعديل الأول لدستور الولايات المتحدة المواطنين الحق في قول ما يريدون قوله، وارتداء أي رمز “تبشيري” يريدون ارتداءه، وأن يكونوا متدينين أو معادين للدين، ما لم يحرضوا على العنف. أعتقد أن هذا نهجٌ أفضل للجميع، بما في ذلك المسلمون، فمن شأنه أن يسمح لهم بأن يكونوا متدينين كما يريدون بينما يسمعون ما يفكر به الآخرون بحق تجاه دينهم. كما يمكن لذلك أن يمنحهم فرصة أفضل في أن يعيشوا بعقيدتهم وأن يعبروا عنها في عالم متنوع وانتقادي، وأحياناً غير ودي.

 

بقلم: مصطفى أكيول

هذا المقال مترجم عن foreignpolicy.com  ولقراءة المقال الاصلي زوروا الرابط التالي

 

إقرأ أيضاً