fbpx

هنا القصة الثالثة

ترجمة - Salon

مقالات الكاتب

الرجل الذي وثّق صعود بوتين: “التنازلات أودت بنا إلى هنا”..

الرئيس الروسي السابق بوريس يلتسين وفلاديمير بوتين

حظى صانع الأفلام الوثائقية الروسي فيتالي مانسكي بفرصة مدهشة لتوثيق رحلة صعود فلاديمير بوتين في السياسة. كُلف مانسكي (في حوالي عام 1999) بعمل فيلم تسجيلي للتلفزيون الوطني الروسي عن انتخاب بوتين. وأجرى مقابلة مع بوريس يلتسين، الذي اختار بوتين لتولي إدارة البلاد مؤقتاً حتى إجراء الانتخابات، وتمكن من دخول مقر بوتين لإدارة الحروب ومقابلة بوتين نفسه. عُرض فيلم مانسكي الجديد بعنوان “شهود بوتين” الذي سجل كل هذه المشاهد السابقة، لأول مرة في الولايات المتحدة خلال مهرجان كامدن السينمائي الدولي الأخير، حيث تم تكريم مانسكي.

يبدأ الفيلم الوثائقي بمقاطع فيديو منزلية لعائلة مانسكي في ليلة رأس السنة عام 1999، عندما أعلن يلتسين، أول رئيس لروسيا، قرار استقالته من منصبه. تحسرت زوجة مانسكي، قائلة “ضاعت اليوتوبيا”، ربما أدركت ضخامة هذا التحول في السلطة. ويشير الفيلم إلى أن الروس في ليلة رأس السنة “لم يتمكنوا من تحليل الوضع الذي تكشف أمامهم”.

وبما أن فيلم مانسكي كان بمثابة أداة للعلاقات العامة في التلفزيون، حيث أقنع بوتين الناس وقتها أن المصلحة الوطنية لها الأهمية القصوى، رصد مخرج العمل حالة حشد الدعم التي حدثت في البلاد. زار بوتين الجنود الجرحى في الجيش، والتقى بالعاملات في يوم المرأة العالمي، بل وزار معلمتة السابقة، وتدعى فيرا ديمترييفنا، في منزلها المتواضع. واستقبل بوتين وقتها توني بلير، الذي أوحي بتأييد الغرب له. رفض بوتين الدخول في مناظرات متلفزة مع خصومه، مما ساعد حملته. صورت عدسة مانسكي بوتين الإنسان في مقطع مقتضب، ظهر فيه بوتين يسبح وعليه ملامح الانتصار.

خلق مانسكي شعوراً بعدم الارتياح من خلال تصوير المشاهد على خلفية موسيقى متشائمة وتعليق صوتي يوحي بأن لا أحد يدعم الرئيس بوتين. أوضح التسلسل المذهل للفيلم على مدار ساعة واحدة ما حدث لفريق حملة بوتين: فقد انتقل العديد منهم إلى المعارضة، ومات بعضهم أو قُتلوا، بينما تقلصت مكانة آخرين.

أجرى موقع “صالون” حوار مع مانسكي، بمساعدة المترجم أولكسندر توتيانك، خلال المهرجان، حول فيلمه وأفكاره عن بوتين:

  • حظيت بفرصة رائعة وحصرية للتواجد مع بوتين ويلتسين وغيرهم من رجال السلطة. هل يمكنك إخبارنا عن المشاهد  التي صورتها للتلفزيون الوطني الروسي وكيف صنعت فيلم “شهود بوتين”؟

حسناً، يريد كثير من الناس معرفة كيف وصلت إلى قلب الأحداث، وبالقرب من رؤوس الدولة. سأجيب على هذا السؤال بكل صدق: حدث ذلك بمحض الصدفة. وبالنظر إلى الظروف المحيطة وقتها، وجدت نفسي بجوار مركز الزلزال، لكنني لم أستطع فهم طبيعة الأحداث في ذلك الوقت. أخرجت فيلماً وثائقياً عن ميخائيل غورباتشوف سنة 1999، من إنتاج التلفزيون الحكومي الروسي. يجب أن تعلم أن غورباتشوف كان مستبعداً من وسائل الإعلام خلال فترة رئاسة يلتسين. ولم يذكر اسمه في أي برنامج، ناهيك عن صنع أفلام عنه. ولكن الفيلم تناول حياة جورباتشوف بشيء من الانتقاد.

عندما جادلت رؤساء قناة “روسيا” لصنع فيلم عن غورباتشوف، وافقوا وقتها – بناءً على اعتبارات لم أستطع فهمها في ذلك الوقت – بشرط تصوير فيلم آخر عن يلتسين للحفاظ على بعض التوازن السياسي. وهكذا بدأت تصوير فيلم عن يلتسين بالتوازي مع فيلم غورباتشوف. وفي تلك اللحظة، ظهر بوتين، عندما بدأت عملية “الوريث”. وبصفتي صانع أفلام في التليفزيون الحكومي، بدأت في إنتاج فيلم عن القائم بأعمال الرئيس دون مشاركته الفعلية.

بعبارة أخرى، كان من المفترض أن يخبر هذا الفيلم المشاهدين الروس، من هو بوتين، وأين ولد ونشأ، ومن كان جيرانه. كان الفيلم بإيجاز عبارة عن تعريف بالرجل. وعندما بدأت العمل في هذا المشروع، تلقيت بعض المشاهد المصورة من شركائنا، الذين قاموا بإنتاجها بناء على طلبنا، عن قصة مدرس بوتين الأول. على وجه الدقة، كان معلم اللغة الألمانية لبوتين، ومدير الفصل في نفس الوقت.

كانت المشاهد مؤثرة وحميمة وعاطفية نوعاً ما. وبدون أي ترتيب، أرسلت الشريط إلى بوتين ليشاهده. كانت لفتة إنسانية. فدعاني بوتين لمقابلته. وفي هذا اللقاء، اتفقنا على أنه سيزور معلمه أولاً، ثم يمكننا البدء في العمل على فيلم حول ما يسمى بحملته الانتخابية.

  • قلت في “شهود بوتين” أنك لا تخجل من هذا الفيلم الوثائقي الذي صورته للتلفزيون الرسمي. كيف يمكنك القبول بهذا الفيلم ثم صنع عمل معارض آخر؟

هل تسألني إذا شعرت بالخجل أو بالذنب مما فعلته وقتها … لا لم أخجل. لأنني صنعت الفيلم طبقاُ لما شعرت به ورأيته في ذلك الوقت. وعلاوة على ذلك، أعتقد أن الفيلم طرح أسئلة جدية للمشاهدين عن بوتين وقتها. وظهرت أهمية هذه الأسئلة الآن.

ولم أرى أي عمل قبل أو بعد هذا الفيلم عن الاتحاد السوفييتي أو الرئيس الروسي يحمل هذا القدر من النقد والسخرية من الشخصيات الرئيسية. يكفي أن نقول أن هذا الفيلم الذي ظهر في روسيا في عام 2001، بدأ بمشهد يظهر فيه أشخاص يرتدون بزات سوداء بينما يفرشون سجادة حمراء ويزحفون على أربع لإزالة الغبار بيدهم من على السجادة، وعندها يظهر ليخطو على تلك السجادة. هذا هو الجزء الأول من الفيلم.

  • هل قدمت تنازلات عندما كنت أصور هذا الفيلم؟ بالطبع فعلت. ولكن للأسف لم يكن هذا الفيلم ليرى النور بدون تنازلات. لكن ما أدركته الآن هو أن التنازلات التي قدمتها أنا والمجتمع بأكمله هي ما تقودنا إلى هذه الحالة المؤسفة التي نواجهها الآن. أعتقد أن التنازلات في السياسة هي من أكثر الأشياء رعباً.

في الوقت الحاضر، أحاول عدم تقديم تنازلات (في صناعة الأفلام). وأحاول العيش بدون تنازلات. ربما هذا هو السبب الذي دفعني لمغادرة روسيا.

  • ما هي الملاحظات التي لديك عن بوتين ويلتسين كما عرفتهما وراقبتهما من خلال تصويرك؟

ربما لا شيء أعجبني. على العكس، لقد فوجئت بأنهم رجال عاديّون ولديهم نقاط ضعفهم. لقد شعرت بالدهشة أكثر بسبب رد فعل الناس الذين أحاطوا بهم.  لقد كنت مبهوتاً من الناس الذين كنت أشاهدهم على شاشة التلفزيون، حيث ظهروا مهيبين ومهمّين، وكيف تحولوا إلى رجال صغار بجوار بوتين أو يلتسين. شعرت تقريباً كما لو أن أكتافهم قد تدلّت. على سبيل المثال، فوجئت مرة بلقاء مع مُحافظ جاء لمقابلة بوتين. كان الرجل مسؤولاً عن منطقة عملاقة، وكان له حراس شخصيين، وسكرتيرات، وسيارات ليموزين، وكان يبدو وكأنه القيصر نوعاً ما، قيصر إقليمي محلي. لكنه دخل إلى غرفة، وتمت مصادرة هاتفه المحمول، وظل هناك لمدة خمس أو ست أو سبع ساعات، وهو جالس هناك، كأنه يُخلَّل، حتى سُمح له بالدخول في حضور الرئيس لمدة 15 دقيقة.
وبالطبع، كانت كل مظاهر القيصر هذه مثيرة للدهشة. من حيث المبدأ، إذا أُزيلت عنهم السلطة [بوتين و يلتسين]، فسيتحوّلون إلى أشخاص عاديين.

  • بمناسبة الحديث عن الناس العاديين، هل أحببت مشهد بوتين وهو يسبح.؟

في الواقع، كانت الأحداث – السباحة في البركة – لها سياق أوسع. كان بوتين مثابراً في محاولة إقناعي بالسباحة معه. هذا الحدث يظهر في الفيلم الذي تم عرضه في عام 2001، تركت هذا الفصل دون مساس، وأثار إعجاب الجمهور أيضاً. وقلت له بصراحة أنني لن أسبح معه لأن ذلك سيكون مُحرِجاً بالنسبة لي. أفضِّل أن أكون مُخلصاً قدر الإمكان مع أبطال أفلامي، بغض النظر عن ما هم عليه – سواء رؤساء أو أناس عاديون بلا مأوى . ربما يكون هذا هو السبب في أنهم يفتحون قلوبهم لي بطرق هائلة. حتى في ذلك الوقت، سألني زملائي إذا كنت خائفاً من التواصل مع يلتسين، القيصر. ولكن إذا كنت أخشى البطل، كيف كنت سأتمكن من صنع فيلم عنه، وإجراء محادثات ذات مغزى؟ لكن في الوقت الحاضر، عندما أرى بعض الأفلام – لا، في الواقع، لا أرى أي أفلام، بل بعض البرامج حول بوتين – والصحفيون الروس يسألونه عن شيء، أرى الخوف الذي ينفجر ببساطة من الشاشة، أرى كيف تتحجّر أجسامهم بالكامل، أرى وأشعر بالعرق الذي يتقاطر أسفل عمودهم الفقري.

  • تعجبني طريقة استخدامك لاستجابة عائلتك لتغيير السلطة كطريقة لإظهار الآراء عن بوتين. كان هناك دعم لبوتين من المواطنين الروس، ولكن في عام 2000 وقت الانتخابات هل كان بوتين محبوباً، أم كان الوضع أشبه بما حدث في أميركا، مع ترامب، حيث يحكم طغيان الأقلية؟

بشكل قاطع لا، هو وضع مختلف من حيث المبدأ.
بادئ ذي بدء، مع كل مواقفي النقدية تجاه ترامب، فقد فاز في انتخابات نزيهة. لقد انتصر على الحزب الذي كان في السلطة في ذلك الوقت. فاز مثل يلتسين الذي تغلّب على غورباتشوف. لكن بعد ذلك لم تكن هناك انتخابات نزيهة في روسيا. إنها بالضبط تلك التنازلات التي قبلناها جميعنا (المجتمع الروسي) في عام 1996 عندما زوّر يلتسين إعادة انتخابه، ووافقنا جميعاً على ذلك.

وبالطبع، كان الوضع مع انتخاب بوتين بعيداً جداً عن الصدق والديمقراطية. وهناك قضية مختلفة هنا، هي أن بوتن جعل الشعبوية أداة سياسية قوية ومريحة وملائمة، والشيء الأكثر أهمية، ربما “غير ملائمة” ولكنه جعلها أداة مقبولة في السياسة. منذ الحرب العالمية الثانية، بعد زوال ألمانيا النازية، وإيطاليا الفاشية، في تلك الأنظمة، بشكل عام، لم تكن مثل هذه الأنواع من الشعوبية موجودة في السياسة. حيث كانت مرتبطة بتحريم مقدّس.  لم يستخدم السياسيون الشعبوية عندما يصعدون إلى السلطة، لأنها كانت خارج قواعد اللعبة. ولكن ترامب ربح، بالطبع، من خلال الشعبوية. فاز بمبدأ القتال بدون قواعد. لكنه فاز!

لقد كان يلتسين “خارجاً عن القانون”، وتم فصله، وتم تخفيض رتبته، وكان، دعني أقول، معارضاً بشكل ما للتوجه السياسي السائد. ولكن مع ذلك، استطاع أن يُوحّد الكتلة الانتخابية التي وضعته في كرسي الرئيس. وعلاوة على ذلك، فقد تولّى هذا الكرسي، بشكل ما، عبر تدمير الاتحاد السوفيتي. وبالفعل، بحكم الواقع وبحكم القانون، فقد أزال غورباتشوف من كرسي الرئيس عبر تدمير البلاد.

  • كان دعم إنتخاب بوتين وحملته فعالاً جداً. أنت وثّقت تفجيرات في سبتمبر 1999 تُشير إلى أنه استخدم الخوف لتوليد الدعم وإظهار أن وسائل الإعلام تصرخ من أجل يد حازمة، وهو الأمر الذي ربما يكون قد استدرج بعض الناخبين. هناك لقطات لكل من بوتين ويلتسين يُصوّتون، وكذلك حفيد يلتسين وهو يدعم بوتين. أمور دعائية جداً.

في البداية، أنا لا أُلمِّح، ولكن أقول بشكل مباشر، أن بوتين جاء إلى السلطة مُستخدماً الخوف الذي كان قائماً في ذلك الوقت: تفجيرات المنازل، والحرب في الشيشان، وما إلى ذلك.
أنا حقاً لا أعرف من الذي فجر تلك المباني السكنية. ولكن بغض النظر عمن فجّر تلك المباني، فإن تلك الانفجارات، مكّنت بوتين من الفوز في الانتخابات. وأعتقد أن الوضع، الذي ربما لا يعلمه الأميركيون، عندما اكتشفوا أكياس من مادة الهكسوجين [المتفجرات] في الطابق السفلي من مبنى سكني في ريازان، لم تكن قصة محاولة تفجير مبنى آخر، لكن أعتقد أنها كانت محاولة لنشر المزيد من الخوف. تخيّل الموقف عندما تبدأ الدوريات العسكرية في نيويورك أو واشنطن بالتجوال في الشوارع للتحقق من هوية كل شخص. لم يحدث شيء من هذا القبيل حتى بعد الهجوم على البرجين التوأمين.

أما بخصوص فانيا [حفيد يلتسين] وهذ الفصل، أعتقد أنه حتى في ذلك الوقت بدا أنه يُظهر الكثير من السخرية. وأكثر من ذلك اليوم، عندما يكون الطفل الصغير الذي لا يعرف حتى كيف يتكلم، لكنه بالفعل مُدرَّب، من قِبَل رئيس روسيا نفسه، أنه من الضروري التصويت لبوتين. أعتقد أنه موقف سخيف. والآن بالنسبة لبوريس نيمتسوف [زعيم سياسي روسي]، علينا أن نفهم أن بوتين لم يأت إلى السلطة من قِبل الشيوعيين، وليس المحافظين. لقد جاء بوتين إلى السلطة من قِبل الديمقراطيين. وكان الحزب الديمقراطي، إلى جانب الحزب الحاكم (حزب بوتين “الوحدة”)، هو الحزب الوحيد الذي أيّد بوتين في الانتخابات. ومن المفارقات أنه في الدورة الانتخابية التالية لم يصلوا إلى  البرلمان، أو “الدوما”.

  • أنهيت الفيلم بقولك أنك كنت شاهداً تحوّل إلى شريك. هل كان هناك شكل من أشكال متلازمة ستوكهولم أثناء تغطيتك لبوتين؟

نعم، بمعنى ما، عندما تتحدث مع الناس، عندما تشرب معهم، عندما تناقش معهم الأمور، وعندما يطرحون أسئلة عن حياتك العائلية، بالطبع، تبدأ في الشعور بعمق أكبر في التعاطف تجاههم. هذه هي النقطة الأولى. ثانياً، من وجهة نظر موضوعية، في تلك اللحظة، لم يُظهروا شيئاً مريباً أو خطيراً. نعم، بالطبع، خدعوا الناخب من خلال القيام بحملة غير شريفة. ولكن في ذلك الوقت كان هذا نوعاً من التقاليد. لم يكن هذا هو الحادث الأول، فقد كان لدينا بالفعل سابقة عام 1996، والتي أعرفها جيداً وأتذكرها جيداً. وبطبيعة الحال، كان هذا تنازلي، وكذلك مسؤوليتي، لأنني تصالحت مع ذلك. وأنا لا أريد أن أبرر لنفسي بالقول المعتاد: “ما الذي كان يُمكنني القيام به بشكل مختلف؟” بالطبع، هذا ليس التبرير على الإطلاق! مهما كانت الظروف. ولهذا أحمل، أولاً وقبل كل شيء، ذنبي وإدراكي الشخصي للمسؤولية.

  • هل كنت تؤمن بما كان يُروّج له؟

إذا آمنت، لما كنت سأسأله الأسئلة التي كنت أوجهها له باستمرار. كنت باستمرار، ربما على مستوى اللاوعي، أشعر ببعض الانزعاج وكنت أحاول أن أفهم الأمر من خلال طرح السؤال نفسه مراراً وتكراراً خلال المحادثة بأكملها مع بوتين.

 

هذا الموضوع مترجم عن موقع salon.com ولقراءة المادة الأصلية زوروا الرابط التالي

إقرأ أيضاً