fbpx

هنا القصة الثالثة

عائشة البصري - إعلامية مغربية

عائشة البصري - إعلامية مغربية

مقالات الكاتب

“الربيع العربي”: البعبع الذي لم يعد يرعب

ما زال مجرد النطق باسم “الربيع العربي” يجعل البعض يرتعش والبعض الآخر ينكمش، في الوقت الذي تستخدمه الأنظمة العربية من الخليج إلى المحيط، كبعبع لإبقاء الأوضاع على ما هي عليه، تسير من سيّئ إلى أسوأ. لكن استحضار القتل والدمار والتشريد الذي لحق بكل من سوريا واليمن وليبيا كأداة للتخويف، لم ينجح في تعويق شعوب المنطقة. ولعل ما يحصل في السودان خير مثال على ذلك.

فبعد أن هب الشعب السوداني مطالباً بإسقاط النظام، خرج عليه الجنرال عمر البشير، يهدّده بمصير سوريا من دون أن يذكر اسم البلد صراحة: “إن هناك دولاً كانت من أجمل دول المنطقة كنا نقصدها للسياحة، الآن شعبها لاجئ يبحث عن الخبز هنا في السودان… اسألوهم ماذا حدث لبلادهم وكيف هي الآن”.

وفي خطاب آخر وجّهه لمن وصفهم بـ”المخرّبين”، شدّد لهجته على نحو يتناسب مع وحشية جرائمه: “سوف نخرب حياتهم ونقطع أيديهم” ثم أضاف: “حانجزهم (سوف نستأصلهم) ونمزقهم ونكشفهم ونوريكم ليهم واحد واحد.”

قال الجنرال كلمته وخرجت ميليشياته لتقمع وتقتل وتقطع أيادي المتظاهرين، لكنها لم تستأصل روح الانتفاضة، ولم يرتعش أمامها الشعب السوداني الذي ذاق ثلاثين سنة من القتل، والتشريد، والخراب.  بل ازداد زخم الاحتجاجات بازدياد ضحايا القمع بالرصاص الحي وإصرار البشير على تمسكه بالسلطة.

وكان محمد عادي محمد صالح الملقب بـ”المصري” من بين الشباب الذين خرجوا بصدور عارية ليلقنوا الجنرال درساً بليغاً في الشجاعة. محمد طالب في جامعة الخرطوم بُترت يده في أولى أيام الانتفاضة، لكنه لم يُهزم،  بل ظهر في موكب عبري يوم 24 كانون الثاني/ يناير، محمولاً على أكتاف المتظاهرين وهو يشهر يده المبتورة  في وجه جلاديه المدجّجين بالسلاح.

ويبدو أن البشير لم يستوعب أهم دروس “الربيع العربي”، وهو أن زمن الخوف من الاستبداد السياسي قد ولى بلا رجعة. وها هو الآن يصف الثورة الشعبية الثالثة منذ استقلال بلاده بمحاولة “استنساخ الربيع العربي في السودان”، وينهي أسطوانته المشروخة زاعماً بأن “معظم الشعب وعى الدرس تماماً”.

من الواضح أن البشير لم يستوعب بعد كيف كانت نهاية رفاق دربه من الطغاة العرب الذين قُتلوا وسُحلوا لأنهم أبوا أن يرحلوا. كما أنه يرفض أن يقر بأن الأنظمة الإسلاموية العسكرية غير محصّنة ضد الثورات الشعبية، شأنها شأن الأنظمة الملكية.

إحدى تظاهرات الربيع العربي في اليمن عام 2011

ولأن شعوب المنطقة لم تقل كلمتها الأخيرة بعد، إذ استمر بعضها بقيادة نقابات وحركات شبابية ومهنية متميزة في الوقوف في وجه أنظمة تروج لـ”فشل” الربيع العربي.

وشهدت المملكة الأردنية على مدار السنة الماضية سلسلة احتجاجات سلمية غير مسبوقة رفضت بقوة مشروع قانون ضريبة الدخل. وشارك الآلاف في حملة إضراب عن العمل واحتجاجات مدوية كان أبرز شعاراتها “معناش”.  ثم اعتصم المتظاهرون ليل نهار في قلب عمان هاتفين “يا ملقي إسمع إسمع، شعب الأردن ما رح يركع”، و”الشعب يريد إسقاط الحكومة”. استمرت الاعتصامات وسط طوق أمني مشدد إلى أن أطاح الشعب برئيس الحكومة، هاني الملقي، وحقق مكتسبات لا يستهان بها. وتتواصل الاحتجاجات للضغط على الحكومة لمحاربة الفساد وإطلاق مشروع إصلاح اقتصادي وسياسي ناجع.

لا شكّ في أن المخزن لم يسيطر على غضب المغاربة بعدما مُنحوا دستوراً جديداً ومشاريع تنموية جد مكلفة، يقر الجميع الآن بفشل معظمها

أما المملكة المغربية، فتعيش منذ نهاية 2016 حالة احتقان مزمن، فجّر موجة عارمة من التظاهرات والاعتصامات والمسيرات أرَّقت “المخزن”، وهو الاسم الذي توصف به الدولة العميقة في المملكة. وأعادت هذه الأحداث إلى الواجهة المقاربة الأمنية المتشددة للتعاطي مع أزمات معيشية واجتماعية خانقة بحجة تفادي “فوضى” الربيع العربي.

فلقد أشعل مقتل تاجر سمك، محسن فكري، طحناً في عربة لجمع النفايات شرارة حركة احتجاجية هزت مدينة الحسيمة ونواحيها في منطقة الريف شمال المغرب في شهر تشرين الأول/ أكتوبر 2016. وسرعان ما تحوّلت مطالب فتح تحقيق نزيه ومستقل في هذا الحادث المروّع إلى مرافعة صارمة ضد فشل سياسات التنمية وتكريس التهميش. ونظراً إلى العلاقة المتوترة التي تعرفها المنطقة بالمخزن منذ حقبة الاستعمار، أخذت الاحتجاجات منحى ما بات يعرف بـ”حراك الريف” الذي شابه العنف، والقمع، واعتقالات جماعية، ومحاكمات مثيرة للجدل أدانت ابتدائياً المعتقلين بالسجن ما بين عام وعشرين سنة. ولا تزال المحاكمة متعثرة في طورها الاستئنافي بعدما رفض قادة الحراك المعتقلين المثول داخل “قفص زجاجي” في قاعة المحكمة.

من المبكر جداً الحكم بالفشل على هذه الثورات، لأن الثورة ليست حدثاً أسطورياً يقول فيه الشعب للتاريخ “كن فيكون”

وبينما كان المخزن يحاول طي ملف حراك الريف، انطلقت “مسيرات العطش” في تشرين الأول 2017 في جنوب المغرب، احتجاجاً على شح المياه وانقطاعها المتكرّر. وتلتها موجة تظاهرات في مدينة جرادة، شمال شرق البلاد، طالبت ببديل اقتصادي من “مناجم الموت”، بعدما لقي شابان حتفهما بينما كانا يستخرجان الفحم الحجري في بئر مهجورة وغير قانونية.

وتخلّلت احتجاجات جرادة مواجهات عنيفة بين قوات الأمن والمحتجّين في منتصف آذار/ مارس 2018 خلال تظاهرة حظرتها السلطات، أوقعت مئات الجرحى وأدت إلى اعتقال عشرات الأشخاص. وفي مطلع هذه السنة، صدرت أحكام قضائية أدانت 18 معتقلاً بالسجن بين عامين وأربعة أعوام بعد محاكمات افتقرت هي الأخرى لمعايير المحاكمة العادلة.

لا شك في أن المخزن لم يسيطر على غضب المغاربة بعدما مُنحوا دستوراً جديداً ومشاريع تنموية جد مكلفة، يقر الجميع الآن بفشل معظمها. فشل تتحمّله أيضاً سياسات “حزب العدالة والتنمية” الإسلاموي الذي نجح إلى حد كبير في “أخونة” فئات عريضة من المجتمع وأخفق في تحقيق الحد الأدنى من العدالة والتنمية خلال قيادته الحكومة للسنة السابعة على التوالي.

فمن الطبيعي إذاً، أن تستمر الاحتجاجات والانتفاضات والثورات في ظل فشل الأنظمة العربية في تحقيق المطالب التي قامت عليها أساساً، ثورات الربيع العربي: “عيش، حرية، كرامة، وعدالة اجتماعية”. لذلك فإنه من المبكر جداً الحكم بالفشل على هذه الثورات، لأن الثورة ليست حدثاً أسطورياً يقول فيه الشعب للتاريخ “كن فيكون”، بل هي سلسلة أحداث وتقلبات وانتكاسات قد تستغرق قرناً من الزمن أو أكثر كما هي الحال بالنسبة إلى الثورة الفرنسية.

ولتحقيق مجتمعات مدنية ديموقراطية تقوم على المواطنة بغض النظر عن دين الأفراد ومعتقداتهم أو إثنياتهم، تمضي الشعوب العربية في طريق جدلي وعر قال عنه الكاتب البريطاني جورج أورويل: “لن يثوروا أبداً حتى يعوا، ولن يعوا حتى يثوروا”.

*عائشة البصري إعلاميّة من المغرب، ناطقة رسمية سابقة باسم بعثة الاتحاد الأفريقي والأمم المتحدة في دارفور (يوناميد)

إقرأ أيضاً:
حروب “الكيزان” ضد شعب السودان

إقرأ أيضاً