fbpx

هنا القصة الثالثة

محمد خلف - صحافي عراقي

محمد خلف - صحافي عراقي

مقالات الكاتب

الديوبندية: طائفة هندية ازدهرت في أحضان مسلمي بريطانيا

تشكّل بريطانيا حاضنة لمختلف التيارات الإسلامية الجهادية والصوفية وقوى الإسلام السياسي التي وجدت لها ملاذاً ومتتفساً في الديموقراطية الليبرالية الغربية ومشروعها لبناء مجتمعات متعددة الأقليات والإثنيات والأديان في دول أوروبا الغربية خلال العقود الخمسة الأخيرة.

يشكّل المسلمون في بريطانيا أكثر من 5 في المئة من عدد السكان الفعلي، ووفقاً لبيانات رسمية فإن أكثر من 5 في المئة منهم يحتلون مناصب مختلفة في الإدارات العليا للمؤسسات الرسمية، ويعملون في الجامعات والمعاهد والمدارس البريطانية، ويحمل أكثر من 20 في المئة منهم شهادات جامعية وينتمون إلى أصول متنوعة، لكنهم لا يشكّلون وحدة سياسية واجتماعية متجانسة.

البحث في ظاهرة الإسلام السياسي في بريطانيا والانتشار الإسلامي عموماً يؤدّي إلى الكشف عن كثير من الحقائق عن جماعات دينية مستوردة من الخارج، لا تحظى بالكثير من الاهتمام وتظل مجهولة لملايين من الناس من المسلمين وغير المسلمين، من بينها جماعات في غالبيتها قدمت من الباكستان والهند ومنها المدرسة “اليوبندية” التي ظهرت ونشأت في الهند وامتد وجودها إلى بريطانيا. ويعتبر المسلمون الهنود أول مجموعة مسلمة هاجرت إلى بريطانيا عام 1709، وشكّل البحارة الذين عملوا في شركة الهند الشرقية أول جالية إسلامية في مدن الموانئ البحرية.

المدينة في برمنغهام والنجف في برينت

في كتابها المعنون “المدينة في برمنغهام والنجف في برينت” الذي صدر عام 2015 تكشف الصحافية البريطانية إينيس بوين بالتعاون مع مراسل هيئة الإذاعة البريطاني “بي بي سي” للشؤون الأمنية عن خفايا المجتمع الإسلامي في المملكة المتحدة، موجّهة الانتباه إلى ما يسمى “المدرسة الديوبندية” التي تمتلك كما تقول أكثر من 44 في المئة من المساجد في عموم البلاد.

ارتكزت بوين في استنتاجات كتابها على أكثر من 80 حواراً أجرته مع ممثلين من مختلف الجماعات والبيئات المسلمة في بريطانيا. قضت سبع سنوات متواصلة في إجرائها بمساعدة باحثين مسلمين بريطانيين من أصول باكستانية. وكانت بوين روت في مقابلة صحافية تفاصيل تجربتها في كشف خفايا الديوبندية وتحدثت عن مساجدها وعلمائها الذين يتراوحون بين (معتدلين) يندّدون بالإرهاب و(متطرّفين) يجنّدون مقاتلين لحركة طالبان.

نمت هذه الحركة وتطوّرت حيث أعلنت في عام 1980 إنشاء “المجلس العالمي للحركة الديوبندية”، وكان الهدف من إعلانها هو تنظيم التيار الديوبندي في العالم، بخاصة في معاقله الرسمية، وهي الهند وباكستان وبنغلادش، إلى جانب أفغانستان ودول إسلامية أخرى. وتمكن من تنظيم 10 مؤتمرات عالمية في كل من الهند وباكستان وبنغلادش، وكان الهدف منها توحيد صفوفهم، ووضع إستراتيجية خاصة بهم.

الديوبندية وطالبان الأفغانية

و”الديوبندية” طائفة من الأحناف في شبه القارة الهندية، تتخذ منهجاً عقدياً أقرب إلى المذهب الأشعري الماتريدي، إلا أنها تختلف في تكوينها العقدي عن شريكتها طائفة البريلوية الصوفية التي تتميز بالكثير من المخالفات العقدية، وينتسب زعماء حركة طالبان إلى الطائفة الأولى ذات المنهج الماتريدي. و”ديوبند” هي بلدة في ولاية أوترا براديش، اكتسبت شهرتها بفضل الجامعة الإسلامية الشهيرة “دار العلوم”- أو كما تسمى أيضا أزهر الهند- التي تأسست فيها عام 1857، وكان الهدف الأساسي من إنشاء هذه الجامعة هو تأييد المذهب الحنفي ونشره وإخضاع السنة النبوية وتطويعها لهذا الفقه”.

شهدت هذه المدرسة التي أسستها مجموعة من العلماء المسلمين نمواً واسعاً حتى أصبحت أكبر المعاهد الدينية للمذهب الحنفي حيث سرعان ما تبنّت جميع المدارس في كل من الهند وبنغلادش وباكستان، هذا الفكر الذي وصلت امتداداته إلى افغانستان وروسيا. وبحسب رئيس جمعية بريطانيا الشيخ حافظ اكرام الحق رباني “ظهرت هذه المدرسة لحماية الإسلام من التأثير الغربي في شبه القارة الهندية وابتلاعه للديانة الإسلامية”.

“أكثرية المساجد في بريطانيا تقع تحت إدارة مدرسة فكرية غامضة ومثيرة للشكوك هي الديوبندية”

يعترف زعماء طالبان بتأثرهم بمنهج الديوبندية، ومنها ما صرّح به عمر محمود أبو عمر المكني بأبي قتادة، لقناة الجزيرة بتاريخ 23/11/ 2001 وقال: “طالبان تعني الطلبة… وهي جماعة من خريجي المدارس الشرعية التي تنتمي إلى أزهر الهند – أي المدرسة الديوبندية وهي مدرسة حنفية ديوبندية لها تاريخ عريق معروف في واقعها الإسلامي في داخل القارة الهندية”. وكان الملا محمد عمر قال في خطابه الذي أرسله لعلماء ديوبند في الاجتماع الذي عقد في باكستان عام 2000: “إنه لا يخفى على أحد ما قدّمته دار العلوم (ديوبند) من خدمات عظيمة للإسلام، فلقد كان لها دور كبير في المحافظة على العلوم والشعائر الإسلامية في شبه القارة الهندية، وقد قدمت للأمة رجالاً عظماء لا تنسى إنجازاتهم العلمية والإصلاحية والدعوية”.

كانت حركة طالبان نشأت في ولاية قندهار جنوب غربي أفغانستان على الحدود مع باكستان عام 1994، على يد الملا محمد عمر، وهو أبو طالبان وكانت تهدف كما ادّعى مؤسسها إلى القضاء على مظاهر الفساد الأخلاقي وإعادة أجواء الأمن والاستقرار إلى أفغانستان، وساعده على ذلك طلبة المدارس الدينية الديبوندية الذين بايعوه أميرا لهم عام 1994.

مدرسة دار العلوم الإسلامية في ديوبند

الديوبندية: الفرع البريطاني

تحدّثت بوين في كتابها المذكور الذي درس الجماعة الديوبندية عن فرعها البريطاني وقالت إنها “جماعة محافظة ومغلقة جداً وتحمل الكثير من التنوع في داخلها فتتراوح ما بين الاعتدال والتطرف”. وأضافت “توجد فيها تيارات شديدة السلمية، وأخرى لديها علاقات مع طالبان الأفغانية المتطرفة”. وأوضحت “أن أكثرية المساجد في بريطانيا تقع تحت إدارة مدرسة فكرية غامضة ومثيرة للشكوك هي الديوبندية”.

وبحسب إحصاءات أعدها الباحث محمود نقشبندي، فإن “مساجد هذه الجماعة تشكل أكثر من 44 في المئة من عدد دور العبادة الإسلامية في البلاد، إذ تتعدى الـ700 مسجد”. بحسب كتاب بوين إن أهم مجموعتين من الفكر الديوبندي في بريطانيا هما: “دار العلوم” و”جماعة التبليغ والدعوة”، وأن معظم قياديي المجموعتين بريطانيون من أصول هندية و باكستانية. وتعد “دار العلوم الإسلامية”، أكبر مدرسة إسلامية في بريطانيا تعتمد المنهاج المدرسي البريطاني إلى جانب التعليم الإسلامي للذكور والإناث، وتتكوّن من 22 مدرسة.

إقرأ أيضاً: هنا رودوس: اقفز واسبح… عن كتاب ألماني جديد يحذّر من أسلمة ألمانيا

ونفى تقرير نشرته صحيفة “التايمز” التقييمات التي تعتبر مناهج هذه المدارس معتدلة وبعيدة عن التطرّف، وأوردت معلومات عن دعاة متطرفين من باكستان، من بينهم حافظ سعيد ومسعود عازار، استقدموا للتدرس فيها وإلقاء الخطب في المساجد الديوبندية، إضافة إلى شخصيات من جنوب آسيا مرتبطة بالجماعات المتطرفة هناك”. وأوردت الصحيفة معلومات حصلت عليها تشير إلى “أن المشرفين على هذه المدارس قاموا بعد الدروس والمحاضرات التي ألقاها هؤلاء بتسجيل تجنيد بعض المسلمين البريطانيين وإرسالهم إلى معاقل تدريب المتطرفين في الباكستان، حيث تدرب هؤلاء على كيفية شن هجمات إرهابية بعد عودتهم إلى بريطانيا”.

وكشفت تسريبات “ويكيليكس” عن النشاط التبشيري السعودي في الهند والباكستان وتمويل الجماعة الديوبندية أن”للجهات الحكومية وغير الحكومية دخلاً في مصادر التمويل للمراكز الإسلامية”، والذي قُدّر حجمه بما يقارب 100 مليون دولار سنوياً، يُمنح أغلبها إلى مدارس “ديوبندية” حيث تمنحها السعودية المال اللازم للدعم الثقافي لنشر مذهب الوهابية محاربة للصوفية، كما تذهب أيضاً إلى مدارس “أهل الحديث” في باكستان تحت مهمة دعوية أو “تبشيرية” ممولة من كل من الحكومة السعودية والحكومة الإماراتية”.

كانت العلاقات بين التيارين الديوبندي والشيعي، قد شهدت تطوّراً جديداً منذ عام 2008 من خلال تردّد زعماء “جمعية علماء إسلام” على طهران للمشاركة في عدد من المؤتمرات”

طالبان في ضيافة مدارس الديبوندية

يتضح من المعلومات الواردة في كتاب بوين أنه خلال تسعينات القرن الماضي، كانت هناك علاقات مباشرة بين بعض ديوبنديي بريطانيا وحركة طالبان في افغانستان، ويكشف عن زيارة قام بها عناصر من هذه الحركة إلى بريطانيا. إضافة إلى قيام أعضاء الجماعة بجمع التبرعات لبناء الدارس والمستشفيات في افغانستان، كما أن مجلة طالبان كانت توزع علناً في مساجد بريطانيا التابعة للجماعة، ولكنها اختفت مع أحداث 11 أيلول/ سبتمبر في نيويورك وواشنطن.

أثبتت أبحاث وتحقبقات استقصائية وجود علاقة بين الجماعة الديوبندية في بريطانيا مع حركات متطرفة مرتبطة بتنظيم القاعدة وهما حركتان من كشمير: جيش محمد وحركة المجاهدين اللتان أرسلتا دعاة، عقدوا ندوات حضرها اكثر من 10 آلاف مسلم بريطاني من أصول هندية وبنغلاديشية. وذكرت مجلة الداعي الشهرية، الصادرة عن جامعة دار العلوم، بديوبند، في عددها السادس، الصادر في آذار/ مارس 2018؛ أن هذه الجامعة خرّجت، خلال مئة عام من إنشائها قرابة 5888 مدرساً، و1164 مصنفاً، و1184 مفتياً، و1540 مناظراً، و684 صحافياً، و4288 خطيباً وواعظاً، و288 طبيبا. وذكر موقع صحيفة البيان الإماراتية، أن أسامة بن لادن أقر الطريقة الديوبندية، واعتبرها “الإسلام الصحيح، وأن بيعتها واجبة”، وجاء ذلك في كلمة له بمؤتمر علماء الديوبندية الذي عقد في التاسع من نيسان/ أبريل 2001 بمدينة بيشاور الباكستانية، احتفالاً بالذكرى الـ150 على تأسيس المدرسة الديوبندية، وهو المؤتمر نفسه الذي بايع فيه الملا محمد عمر زعيم طالبان، باعتباره الحاكم والأمير الشرعي الذي يحكم بشريعة الله.

الديوبندية والشيعية الإيرانية

يشير تقرير نُشر مع (العصر) الإلكتروني إلى أنه بعد العملية الإرهابية في واشنطن ونيويورك في أيلول 2001، “تراجع صراع “مجلس الديوبندي العالمي” مع الشيعة، وتحوّل إلى علاقات دافئة، ظلت تتطور من خلال العلاقات الديوبندية مع إيران الدولة، أو من خلال تقارب وجهات النظر بين زعماء “جمعية علماء إسلام” وملالي إيران، لمواجهة الهيمنة الأميركية، حتى وصلت الحال إلى أن عرضت إيران على زعماء الديوبند في باكستان في عام 2006، احتضانها مؤتمر المجلس الديوبندي العالمي في طهران، وهو ما يمثل تطوراً مهماً بين الفكرة الديوبندية والفكرة الشيعية”.

وكانت العلاقات بين التيارين الديوبندي والشيعي، قد شهدت تطوّراً جديداً منذ عام 2008 من خلال تردّد زعماء “جمعية علماء إسلام” على طهران للمشاركة في عدد من المؤتمرات الدينية والثقافية، وحتى افتتاح مدارس ديوبندية في المدن السنية في إيران. وكانت “جمعية علماء إسلام”، قد تلقت عروضاً إيرانية خلال اللقاءات التي دارت بينها وبين الزعماء الروحيين الإيرانيين من أجل بناء عدد من المدارس الديوبندية في باكستان، وكان زعماء التيار الديوبندي الباكستاني، الذين يمثلهم اليوم في باكستان (مجلس العمل المتّحد)، قد أعلنوا أنهم لن يسمحوا بهجوم أميركي على إيران، وأنهم سيقفون مع هذه الجمهورية الإسلامية.

إقرأ أيضاً:
التشدد الاسلامي في اوروبا: عدوى المواطن المحلي المنتفض على الثقافة المهيمنة
مشروع بانون لتوحيد الشعبويّين والنازيّين الجدد في أوروبا

إقرأ أيضاً