العراق: الدموع التي لم يذرفها جنرال “الهلال الشيعي”

حازم الأمين – صحافي وكاتب لبناني
ديسمبر 1, 2019
العراق، البلد الذي يبكي فيه الرجال كثيراً حين يحين موعد البكاء، يقتلون كثيراً أيضاً، حين يحين موعد القتل. السلطة وحكوماتها لطالما وفرت لهم فرص القتل، فيما الانتفاضة اليوم توفر لهم فرصاً للقاء والبكاء والأمل.

أن ترفع لافتات تضامن مع أهل مدينة الناصرية العراقية في مدينة الفلوجة، فهذه لحظة عراقية نادرة. لحظة، وليست مؤشراً على رأب الصدع الأهلي الهائل في ذلك البلد. لكنها لحظة وفرتها الانتفاضة على السلطة في بغداد، السلطة التي بالإضافة إلى أنها لم يسبق لها أن أتاحت شروطاً لأهل الفلوجة والناصرية أن يتضامنوا، أمعنت في بث الفرقة بينهم، وفي تعميق شروط الانقسام. وهذا وحده يكفي لكي ينحاز المرء للانتفاضة في بلاد ما بين النهرين.

 أهل الفلوجة وأهل تكريت قاموا من تحت ركام مدنهم وكشفوا وجوههم وأرسلوا للناصرية حباً وتضامناً، فيما كانت مهمة الحكومة في الحقبة السابقة، كما كانت مهمة “داعش” توظيفهم في تلك الحرب الأهلية الطاحنة. هذا الفارق صنعته الانتفاضة في العراق، وصنعه فتية التظاهرات في مدن الشيعة.

ومبادرة أهل الفلوجة تصلح لتناول هذا النوع من اللحظات النادرة التي تنعقد فيها شروط سلمٍ أهلي توفرها اندفاعات عاطفية إيجابية، في بلاد تعز فيها العواطف الإيجابية. فالوطنية العراقية شهدت لحظات عاطفية، التأم خلالها العراق، أو تمزق. وهذه اللحظات على وهنها وراهنيتها يُعاد استدخالها إلى لغة التخاطب بين الجماعات الأهلية بصفتها أصل العلاقات وفصلها. تصبح جزءاً من القاموس العاطفي، وهذا الأخير يستحضرها في لحظات انفعالية، وما أكثر هذه اللحظات في العراق. 

العراق، البلد الذي يبكي فيه الرجال كثيراً حين يحين موعد البكاء، يقتلون كثيراً أيضاً، حين يحين موعد القتل. السلطة وحكوماتها لطالما وفرت لهم فرص القتل، فيما الانتفاضة اليوم توفر لهم فرصاً للقاء والبكاء والأمل. هذا الفارق يجب أن يبقى حاضراً في قراءة المشهد في العراق.

الصدع الأهلي والمذهبي العميق والجوهري في العراق، يشهد اليوم امتحاناً عابراً يمكن للانتفاضة أن تبني عليه، كما يمكن للحكومة أن تنقضّ عليه. أهل الفلوجة وأهل تكريت قاموا من تحت ركام مدنهم وكشفوا وجوههم وأرسلوا للناصرية حباً وتضامناً، فيما كانت مهمة الحكومة في الحقبة السابقة، كما كانت مهمة “داعش” توظيفهم في تلك الحرب الأهلية الطاحنة. هذا الفارق صنعته الانتفاضة في العراق، وصنعه فتية التظاهرات في مدن الشيعة. 

أهالي الفلوجة يضيئون الشموع عن أرواح ضحايا الناصرية وذي قار

القول بأن الصدع الأهلي أكبر من أن يتم رأبه بلحظة عاطفية صحيح في العراق، وصحيح في لبنان أيضاً، لكن الانتفاضة مشهد وجيل أيضاً، والمشهد راهن، وجيل المنتفضين أقل ارتباطاً بذلك الشقاق الأهلي والمذهبي الذي صنعته سلطة الآباء وحكوماتهم وأحزابهم و”داعشـ”هم. ثم أن المشهد يصلح لمهمة أخرى أيضاً، يصلح لكشف الفارق بين حكومة تصنع الشقاق وتستثمر به، وبين انتفاضة تصنع مشهداً مختلفاً، وهذا الأخير، وإن كان مجرد انفعال وعاطفة، إلا أنه فرصة لاستئناف التفكير بعراق ما بعد الانتفاضة.

ما يجري في العراق ليس حرباً أهلية هذه المرة. للمرة الأولى منذ عقدين يصدر العنف عن آلة غير أهلية. آلة معدنية بيد أشرار لم يولدوا من رحم عشائر العراق ومذاهبه وأقاليمه، على رغم أنهم بيولوجياً أبناء هذه الأرحام. أبناء الناصرية قتلتهم سلطة شيعية، وأهل الفلوجة السنة لم يخرجوا هذه المرة لقتال هذه السلطة الشيعية، انما للتضامن مع قتلى مدن الجنوب. من يعرف العراق يعرف أن هذا حدث جلل، ويعرف أن الحكومات ومنذ زمن البعث إلى اليوم لم تتح للعراقيين لحظة مشابهة، واليوم أتاحتها الانتفاضة.

الدرس العراقي كبير وهائل، ومن المفترض أن يعيد النظر بالكثير من المسلمات التي شرعنا نطلقها خلال محاولاتنا المتواصلة والمتعثرة لتفسير ما يجري في هذا البلد.

لم يعد ممكناً تجاوز حقيقة أن اللعب على خطوط الانقسام صار يتطلب شروطاً مختلفة لا يجيد الجنرال قاسم سليماني لعبها. الشروط اختلفت، والإتيان بنخبة حاكمة لا تملك إلا شروط الولاء والطاعة سيطيح بالجهود الدماء التي بذلت لبناء الجسر من طهران إلى بيروت.

حتى الآن، ما وفرته الانتفاضة للعراق يفوق بكثير ما وفرته الحكومة. فهل يشعر سكان المنطقة الخضراء بهذه الحقيقة، وهل في هذه المنطقة من يتساءل عن مسؤوليته عن كل هذه الدماء؟ أما الجنرال المقيم في متاهته المذهبية، فهو من خارج هذه الحساسية، وهو ما سهل قفزه فوق أنهار الدماء المهدورة حول خط الانقسام، فالسؤال لن يعنيه إلا بصفته مؤشراً على تصدع الجسر وعلى هشاشته.      

Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email

إقرأ أيضاً

طارق عبد العال – محامي مصر في “المبادرة المصرية”
فكرة المجال العام تهدف إلى إتاحة ساحة من الحرية، تحترم حقوق الأفراد وتزيد من قوة المجتمع، لأن الاتصال الذي يحدث في المجال العام يخلو من الإكراه المؤسسي، كما أن الحوار الذي يتم خلاله، يمكن أن يُؤسس لخطاب ديموقراطي.
جاد شحرور – صحافي لبناني
منذ بداية الثورة اللبنانية يحذرنا السياسيون من خطر اندلاع الحرب الأهلية، إلا أنهم نسوا أو تناسوا أن الشعب اللبناني تمرّد على ماضيه بعدما أيقن أن الأحزاب الحاكمة هي للحرب وليست للسلم.
فاطمة بدري – صحافية تونسية
واقع جديد يتشكل من دون حضور يذكر لقوى اليسار التونسي الذي أبعدته تصدعاته المتتالية وسوء تقديره حقيقة دائرة الحكم في تونس، لخمس سنوات مقبلة.
ميريام سويدان – صحافية لبنانية
تعتقد الغالبية أن الانتخابات الرئاسية ستجرى بالحد الأدنى من المشاركة الشعبية. وهذا بسبب انخفاض درجة الحماسة لدى المواطنين للمشاركة في التصويت نتيجة التشكيك في جدية الانتخابات ونزاهتها.
ترجمة- The Nation
امتدت الاحتجاجات في الأسابيع الماضية إلى 5 قارات – أغلب العالم – من لندن وهونغ كونغ الثريتين حتى تيغوسيغالبا والخرطوم الفقيرتين.
يارا بدر – صحافية سورية
باستخدام اللغة، حركة الكاميرا، وتركيب التفاصيل لإنتاج مشاهد القتل الهادئ السريع المأخوذة من صور الحكايات القديمة، يُقدّم سكورسيزي واحداً من أفضل النماذج للفن المُقارن.
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email