fbpx

هنا القصة الثالثة

ترجمة - Coda Story

ترجمة - Coda Story

مقالات الكاتب

الدفاع عن الصحافيين في زمن الحقوق المهدرة

حين ساءت الأحوال، وقّع والديَّ الخطابات. خطاباتٌ من شأنها أن تكلفهما أمنهما وحريتهما. لكنهما شعرا بأنهما إن لم يوقعا فسيكونان جزءاً من ظلم النظام، حين يعتقل أناس ما فعلوا إلا أن عبروا عن آرائهم.

كان هذا في الاتحاد السوفياتي، في أواخر السبعينات، في أوج صقيع الحرب الباردة. كانت الخطابات العامة الموجهة إلى الغرب شكلاً من أشكال المقاومة اليائسة. إذا تمكنّا من إحداث ضجيج عالٍ بما يكفي بين أصحاب النفوذ، ربما يضغطون لإطلاق سراح المعتقلين السياسين؛ وإذا تعالت الصيحات، ربما تقرر القيادة السوفياتية تخفيف حكم قضائي.

وبعد أربعين عاماً، جلست أكتب خطاباً مماثلاً في وجه إرهاب نظامٍ آخر، فوجدت نفسي لا أدري ماذا أفعل. على رغم أنني لا أواجه أياً من المخاطر التي واجهها والدي، لكنني لم أملك أي فكرة عمن أكتب له الخطاب وعن ماذا أكتب فيه، أو كيف أوصله. تلبدت حولي الأسئلة، لمن عليّ أن أكتب الخطاب؟ مَن من أصحاب النفوذ سيساعد معارضاً؟ ألا تزال الحقوق التي حاربت من أجلها الشعوب بمرارة في القرن العشرين، ذات معنى؟ ثم ما الذي قد يحققه خطابٌ في أي حال؟

كان الخطاب الذي أحاول كتابته يهدف إلى دعم الصحفية ماريا ريسا وموقعها الرائد “رابلر”، الذي اكتسب ملايين القراء منذ انطلاقه في 2011. هوجم رابلر لتقاريره الشاملة عن عمليات الإعدام خارج نطاق القانون التي تنفذها حكومة الرئيس رودريغو دوتيرتي.

ماريا ريسا

تواجه ماريا الآن تهماً ملفقة بالتهرب الضريبي، لقيامها بعملها على النحو المطلوب. أما موقع رابلر فقد يُغلق كلياً. رأينا هذا النمط يتكرر في جميع أنحاء العالم: يختار النظام ضحيةً، ثم يجعلها عبرةً لمن يعتبر، فينزل الرعب في قلوب الجميع وتتفكك أدوات المعارضة.

أثناء بحثي عن إرشادات لكتابة خطاب في دعم ماريا، وجدت أحد أشهر رسائل المعارض السوفيتي أندريه ساخاروف، نشرت في “النيويورك تايمز” عام 1977. ووجه ساخاروف خطابه مباشرةً إلى الرئيس الأميركي جيمي كارتر.

“عزيزي السيد كارتر، ليس هناك أعظم من الدفاعٍ عمن يعانون بسبب نضالهم السلمي، من أجل الانفتاح ومن أجل العدالة ومن أجل الحقوق المجهضة… إن واجبنا وواجبك أن نقاتل من أجلهم. أعتقد أن الكثير معلقٌ على هذا النضال، الثقة بين الناس، والثقة المنوطة بالوعود ونتائجها، والأمن العالمي”.

لم يكن هذا خطاباً عشوائياً. فقد كُتب قبل فترة صغيرة من قمة أميركية سوفياتية في بلغراد، تهدف إلى تقييم مدى التزام الاتحاد السوفياتي اتفاقيات حقوق الإنسان التي كان قد وقع عليها العام السابق في هلسنكي. شدد القادة الأميركيون أحياناً على الالتزام بحقوق الإنسان لأبعد الحدود، والذي كان من شأنه على الأقل، أن يظهر نظام الولايات المتحدة متفوقاً أخلاقياً على السوفيات. فقد كان من الممكن أن يطلق سراح سجناء سياسيين في تبادلات بين الدولتين. وقد سمح لعدد متزايد من السجناء السياسيين بمغادرة الاتحاد السوفياتي في السبعينات. وعقدت الولايات المتحدة صفقات تجارية مع السوفيات، وساهمت المفاوضات بينهما في تحسين أوضاع حقوق الإنسان.

أما اليوم، فيتجاهل دونالد ترامب، قتل الصحافي السعودي جمال خاشقجي بشكل سافر داخل قنصلية بلاده في اسطنبول. لا يتوقف الأمر فقط على أن الرئيس الأميركي لم يعد يولي أهمية للدفاع عن “الحقوق المجهضة”، بل يمتد إلى أنه صار يتصدر مناخاً أصبحت الهجمات على الصحافيين فيه أمراً اعتيادياً. في العام الماضي، خفضت منظمة فريدم هاوس (بيت الحرية)، وهي منظمة أنشئت أساساً لتساعد الولايات المتحدة على الترويج للديمقراطية في المجتمعات غير الحرة، من تصنيف “حرية التعبير” لأميركا، قائلةً “إن الأخبار الزائفة والخطاب العدواني تجاه الصحافيين… ساهم في نزول تصنيف الولايات المتحدة ذات المناخ الحر عادةً”.

فعندما تصبح الولايات المتحدة أشبه بالحكومات التي اعتادت على انتقادها، تجترئ تلك الحكومات على الاستمرار في الطريق ذاته. يصح هذا تحديداً في الفيلبين، حيث تملك الولايات المتحدة نفوذا معتبراً.

رأى ساخاروف أن “النضال” من أجل الحقوق والحريات، يرتبط ارتباطاً جوهرياً بشيء أكبر، ألا وهو “الأمن العالمي”. نرى اليوم ثقوباً سوداء سياسية تظهر في كل جنبات العالم، حيث لم تعد القيم النبيلة معتبرة، وحيث يكترث أصحاب السلطة فقط بالقوانين التي تناسبهم، وحيث صارت علامة القوة هي قدرتك على فرض ما تريده من معايير.

نرى تجلياً لتلك الثقوب السوداء في جمهورية دونيتسك الشعبية، وفي خلافة “داعش”، وفي قصف المدنيين في حلب واليمن، وفي اضطهاد الروهينغيا المسلمين في ميانمار؛ وهي أماكن تجود فيها الأنظمة في اعتراضها على فكرة وجود مُثلٍ عالمية تلتزم بها أصلاً.

إن مقتل خاشقجي في القنصلية السعودية في إسطنبول هو ثقب أسود فُتح وسط بعثة ديبلوماسية. وعلى رغم أنها ليست المرة الأولى التي نرى فيها تقويضاً لحقوق الإنسان والمعايير الإنسانية، إلا أنه يبدو ألا أحد يهتم الآن حتى ولو ظهرت تلك الانتهاكات للعلن، وكأن مفهوم الحقوق نفسه لم يعد موجوداً. فقد أبدى الاتحاد السوفياتي عام 1977 التزاماً اسمياً -على الأقل- بحقوق الإنسان، وكان يوبَّخ إذا لم يلتزم بها. كان هتاف حركة المعارضة حينها أنْ “احترِم قوانينك الخاصة”. أما الآن فإن عدم احترام القوانين هو السائد.

اندريه ساخاروف

بجانب السؤال عمَّن يوجَّه له الخطاب، هناك سؤال آخر عن ماهية ما يدافع المرء عنه تحديداً. فقد افترضَ خطاب ساخاروف بداهةَ الحقوق والحريات التي كان يدافع عنها. وفي أحد سطور خطابه يبدأ في سردها، منوّهاً إلى “حرية الاعتقاد، وحرية المعلومات، وحرية الفكر، وحرية اختيار دولة المقام”. ومن ثم يضيف بعفوية بعد سرده ذاك “إلخ”، مفترضاً أن الجميع يعي ما يعنيه.

أما اليوم فيمكن أن يكون تحديد تلك “الحقوق” أصعب. فعلى سبيل المثال، هاجمت موقع رابل في البداية حشوداً خبيثة على الإنترنت، تشوّه سمعة تقاريره باتهامات كاذبة بالتحيز والعمل لأهداف خفية. ثم، تم ترهيب العاملين فيه بتهديداتٍ بالقتل والاغتصاب، وكانت هناك نداءات باعتقال محررة الموقع ماريا. وفي مرحلة ما، صار الموقع يتلقّى 90 رسالة سلبية على الإنترنت في كل ساعة. كان توقيت الهجمات وهيكلتها يشيران إلى أنها منظمة لا عفوية، توجِّهها حسابات وهميّة منسّقة.

إن قواعد اللعبة واحدة في جميع أنحاء العالم؛ إذ تبدأ هذه الحشود الإلكترونية أولاً بالطعن في صدقية الصحافيين، لتأليب العامة عليهم. يمهّد هذا الطريقَ للاعتقال. وعلى رغم أنّ الهدفَ قديم، ألا وهو إرهاب النقّاد وإسكاتهم، إلّا أنّ أساليب تحقيقه جديدة. إذ يسمح تنفيذه من خلال الحشود الإلكترونية للحكومة بقدرٍ من الإنكار. فسابقاً كانت أجهزة الاستخبارات هي التي تهاجمك، أما الآن فهو حساب مجهول على “تويتر”. مَن المسؤول إذاً؟ في السابق، كان النظام القمعي، هو الذي يُسكِت الأفواه المنادية بحرية التعبير، أما الآن فهي الحشود الإلكترونية، التي تدّعي أنها نفسها تمارس حقّها في حرية التعبير. يقولون: لَطالما نادى الديموقراطيّون بحرية التعبير، حسناً، ما هذا سوى جزء منها.

كتب ساخاروف في نهاية الخطاب “أتدري حقيقة أزمة الأديان في الاتحاد السوفياتي؟” إنّ في قوله “أتدري حقيقة” لَدلالةً؛ ففي القرن العشرين كان يُعتقد أن لظهور الحقيقة تأثيراً. إن أكثر ما يثير الدهشة اليوم هو أنّ لدينا -أكثر من ذي قبل- المزيد من الحقائق عن الخرق السافر للمعايير الإنسانية من سوريا إلى اليمن، حتى أننا نستطيع أن نشهد على وسائل التواصل الاجتماعي الإبادةَ العرقية لمسلمي ميانمار. إلا أنّ هذه الحقائق لا تضمن إثارةَ الغضب العام فضلاً عن أن تضمن ردَّ فعلٍ واستجابة. لكن إذا كان نشر الحقيقة لا يعني شيئاً، فما المغزى إذاً من كتابة خطابات في صحيفة “نيويورك تايمز”؟

إلّا أنّه حتى مع انحلال الهياكل القديمة للقوّة والمعنى، فإن هناك أساليب جديدة يكون معها الخطاب مؤثراً.

أولاً: هناك تمركزات جديدة للقوّة يمكننا الضغط عليها. ففي حالة ماريا ريسا، على سبيل المثال، هذه التمركزات هي بوضوح مواقع التواصل وعمالقة التكنولوجيا التي تُشن عليها حملات الكراهية المنسقة تلك. إن لمستخدمي “فيسبوك” و”تويتر” و”غوغل” الحقّ في الأمن. ويقع على عاتق هذه المنصات حماية مستخدميها من المضايقات والتهديدات بالعنف وحملات التشويه المنظّمة التي تؤثّر في حقوقهم الأساسية.

فعلى خطاب التصيّد المدعوم من الدولة أن يُنظر إليه على حقيقته: بأنه شكل جديد من أشكال انتهاك حقوق الإنسان. كما أشارت الباحثة الفذة، في حقوق الإنسان والحقوق الإلكترونية، كاميل فرانسوا، في دراسة أجرتها عن هذا الموضوع، فإن خطاب التصيّد المدعوم من الدولة هو اعتداء على حرية التعبير، حيث يتم إسكات الضحية بالمضايقة والإساءة وخطاب الكراهية والتضليل المتعمَّد. فهو رقابة رعلى غم التشويش. وكتب الفيلسوف تِم وو: “نحن نشهد الانتقال التكتيكي للدول من أيديولوجيا ندرة المعلومات إلى أيديولوجيا وفرة المعلومات (أي من حجب المعلومات عن الناس إلى إغراقهم بها)، حيث يُعَد الخطاب في حد ذاته سلاحاً رقابياً”.

فالدول التي تمكن مثل هذه الحملات بأي شكل من الأشكال تتحمل المسؤولية بموجب التزامها الدولي بحقوق الإنسان، وحتى إن لم ترأس الدول هذه الحملات مباشرة لكنها حرضت عليها وشجعتها وأججت نيرانها فإنها تكون مُلامة على ذلك.

وضعت الولايات المتحدة قانون ماغنيتسكي؛ لفرض العقوبات المالية على منتهكي حقوق الإنسان في روسيا بالأساس، واعتمدت دول أخرى القانون على نحو مطرد وبِقائمة أهداف أوسع نطاقاً. هل يمكن أن يكون هذا القانون نموذجاً يُحتذى به لاستهداف أولئك المسئولين عن انتهاك حقوق الإنسان عبر الإنترنت؟

بالفعل -كلما نظر المرء إلى ذلك- يجد أن عالم اليوم المترابط أصبحت لديه أدوات ضغط يمكن من خلالها التأثير في حكومةٍ مثل حكومة دُوتيرتي أكثر مما كان لديه أثناء الحرب الباردة.

كان الاتحاد السوفياتي كبيراً لكنه كان معزولاً بإحكام عن العالم الخارجي. قارن وضع الاتحاد السوفيتي بوضع الفيلبين اليوم التي تمتلك المعدل الأعلى في استخدام وسائل التواصل الاجتماعي في العالم والمندمجة اندماجاً وثيقاً بالسوق العالمي.

ما زال التساؤل قائماً حول كيفية نشر الرسالة؟ فقدت الرسائل قيمتها الدرامية. عام 1977 كان إنجازاً بطولياً لِساخاروف أن يجعل نفسه مسموعاً من العالم الخارجي وهو قابع في منفاه في المقاطعات الروسية.

كتب إلى التايمز قائلاً، “حجبت الاتصالات الهاتفية مع الغرب تماماً، لا تصلني أي محادثات هاتفية”. أما اليوم فالاتصالات سهلة للغاية بل تكاد تكون أمراً تافهاً. لم يبق الخطاب في جريدة رسمية ذات المكانة الفريدة.

لكن هناك حملات مواقع التواصل الاجتماعي. وتمكن مواجهة الحسابات المزيفة الآلية بالحماسة الحقيقية ومثابرة الأشخاص الحقيقيين. السر يكمن في بدء اعتبار الحركات والأفراد حول العالم أن أيّ أزمة تحدث بعيداً هي مشكلتهم هم أيضاً: فالصحافيّ الذي تم تصيده (مضايقته على الإنترنت) وترويعه في مانيلا اعتدي عليه بالوسائل ذاتها والتكنولوجيا ذاتها التي تستخدمها الولايات المتحدة.

وعلى حد قول ماريا ريسا نفسها، “سرعان ما ستصبح مشكلاتنا هي مشكلاتك. تنهار الحدود حول العالم وبدأنا نرى نوعاً من قواعد اللعب العالمية”.

بدأت حملة دعم ماريا ريسا باستخدام هاشتاغ (وسم) “ابقَ على الخط”. والسؤال هو: أي خط؟

بالنسبة إلى ساخاروف، رُسم الخط الفاصل بين الديمقراطية والاستبداد على طول خط حدود حقوق الإنسان. يمكن اعتبار الحقوق الرقمية خطاً شبيهاً اليوم. وليحدث ذلك، تحتاج الديمقراطيات إلى ضرورة إصلاح فضائنا المعلوماتي بالجرأة ذاتها التي ظهرت في صياغة اتفاقيات هلسنكي لحقوق الإنسان في السبعينات. هناك حاجة إلى وضع معايير واضحة، وإقرار حقوق الأفراد عبر الإنترنت. تعد حمايتهم من التعرض للإيذاء عبر الإنترنت هي الخطوة الأولى.

ومن المهم كذلك توضيح كيفية استخدام البيانات؛ فلا تستغل البيانات الشخصية عند تسجيل دخول أي مواطن، فلا يتلاعب بالمستخدمين أو بمخاوفهم سراً أو يؤجج غضبهم. ولتمكين المواطنين وتأهيلهم رقمياً؛ يحتاج الناس إلى فهم كيف ولماذا يستهدفهم محتوى ما ومن يستهدفهم، ولماذا تمدهم الخوارزميات ببعض المحتوى دون غيره.

يمكن أن يصبح هذا العقد الاجتماعي الجديد حول الحقوق الرقمية هو معيار الديمقراطية الحقيقية، و”الخط” الفاصل بين الأنظمة المختلفة. ومن هذا المنطلق فإن كلمات ساخاروف صادقة كما كانت دائماً، “أمور كثيرة على المحك في هذا النضال منها ثقة الناس بعضهم ببعض، وثقتهم في القدرة على تحقيق الوعود والآمال العالية وأخيراً الأمن الدولي”.

 

بيتر بوميرانتسيف

هذا المقال مترجم عن موقع codastory.com ولقراءة المادة الأصلية زوروا الرابط التالي.

 

إقرأ أيضاً