fbpx

هنا القصة الثالثة

ترجمة - هآرتس

ترجمة - هآرتس

مقالات الكاتب

الدراما حين تسخر من الصراع الإسرائيلي – الفلسطيني

يؤدي قيس ناشف دور سلام، شاب من القدس يجيد العبرية ولديه عم يعمل منتجاً. في أحد الأيام، يبدأ العمل في موقع تصوير مسلسل تلفزيوني فلسطيني باسم “تل أبيب ع نار”، في رام الله.

هو شخص غريب وأخرق، لكنه الوحيد في المكان الذي يستطيع تحديد إذا كانت العبرية التي تتحدث بها الشخصيات مقنعة أم لا. عندما ينظر جندي في الجيش الإسرائيلي، يؤدي دوره يوسف سويد، في عيني امرأة ويقول “تبدين مثل قذيفة صاروخية”، يقول سلام إن التعبير يبدو مبالغاً فيه.

وفي طريقه إلى المنزل، يقرر اختبار قوته اللغوية مع مجندة إسرائيلية أثناء خدمتها. يسأل المجندة الشابة وهي تفحص بطاقة هويته، “إذا أخبرت فتاة أنها تبدو كقذيفة صاروخية، هل هو أمر مناسب أم مهين؟”. في الحقيقة، يبدو الأمر كتهديد بالعبرية، فكلمة قذيفة صاروخية تعني قنبلة.

الممثل الفلسطيني – الاسرائيلي قيس ناشف

يجد سلام نفسه في مواجهة فوهة البندقية ويؤمر بالنزول من سيارته. يصبح مشتبهاً به ويتعرض للتفتيش. وفي وقت لاحق في الفيلم، حين يتقدم سلام في وظيفته ويصبح كاتب سيناريو، يحاول قائد تلك المجندة (يؤدي دوره يانيف بيتون) إجباره على تعديل مسلسله الدرامي.

مسلسل “تل أبيب ع نار” وهو محور فيلم بالاسم ذاته، يعرض الصراع الإسرائيلي – الفلسطيني بأكثر طريقة درامية ممكنة، فهو ينتقي كل عنصر درامي ممكن من الصراع ويضخمه. تدور حبكته قبل حرب الأيام الستة بأيام ويحاول خلق الأجواء المتوترة لتلك الفترة. هل ستبقى محاربة الحرية الفلسطينية (لبنى أزابال) وفية لحبيبها القوي المثير، أم ستقع فريسة سحر الضابط الإسرائيلي.

لذا يقدم الفيلم عبر رومانسيته الزائدة وفرط إثارته، الخلطة العاطفية التقليدية المكونة من البطولة والشغف والمكر والخيانة والكثير من مشاعر الوطنية التي تهدد بإغراق الشرق الأوسط بالدموع.

يعرض فيلم “تل أبيب ع نار” الصراع ذاته، لكنه يفضل مراقبة المشهد من الخطوط الجانبية، محتفظاً لنفسه بمسافة تسمح له بالسخرية. فهو يجمع الشعارات والتصورات النمطية والشعائر المأساوية المستمرة، ليستخلص منها نكاتاً، ويقول إنه من المضحك أن يعيش الإنسان في مثل هذا المكان الحزين.

مسلسل “تل أبيب ع نار” وهو محور فيلم بالاسم ذاته، يعرض الصراع الإسرائيلي – الفلسطيني بأكثر طريقة درامية ممكنة، فهو ينتقي كل عنصر درامي ممكن من الصراع ويضخمه.

هذا هو الفيلم الثالث من إخراج سامح زعبي، الذي ولد وترعرع في قرية إكسال بالقرب من الناصرة، وأمضى السنوات الأخيرة متنقلاً بين إسرائيل ونيويورك. فاز فيلم “تل أبيب ع نار” بجائزة أفضل فيلم وأفضل سيناريو في مهرجان حيفا السينمائي العام الماضي، بينما فاز قيس ناشف بجائزة أفضل ممثل في قسم آفاق في مهرجان البندقية للأفلام.

أطلق الفيلم في إسرائيل، ليكون دليلاً على أن الزعبي هو واحد من صناع الأفلام الإسرائيليين القلة الذين يعرضون سخرية لاذعة على الشاشة الكبيرة. ففي النهاية، حين يتمكن سلام من إقناع القائد الإسرائيلي بإسداء نصيحة له بشأن شخصية الضابط الإسرائيلي في المسلسل الدرامي، يطلب القائد تزويده بإمداد متصل من أكثر أنواع الحمص أصالة، ويطلب كذلك إدخال تحسينات على صورة الضابط الإسرائيلي في المسلسل التلفزيوني. وعم سلام الفلسطيني منتج المسلسل، مصمم على توصيل رسائله للمشاهدين بروح النضال الفلسطيني.

بالطبع، ليس من السهل أن تكون مخرجاً عربياً فلسطينياً – إسرائيلياً في إسرائيل. فقد استُبعد فيلم المخرجة رائدة أدون “الغرابة” من مهرجان الفيلم الفلسطيني في باريس بسبب تلقيها تمويلاً إسرائيلياً. واستُبعد فيلم “أحوال شخصية” للمخرجة مها حاج من مهرجان سينمائي في بيروت بأمر من الحكومة اللبنانية، بسبب ختمه الإسرائيلي. أما في إسرائيل، فقد طلبت بلدية أم الفحم من المجتمع العربي مقاطعة فيلم “بر بحر” للمخرجة ميسلون حمود.

لقطة من فيلم “تل أبيب ع النار”

من ناحية أخرى، تعرضت سها عراف لنقد حاد بعدما تجرأت وعرضت فيلمها “فيلا توما” في مهرجان البندقية، باعتباره فيلماً فلسطينياً وكاد صندوق السينما الإسرائيلية يطلب منها إعادة ملايين الشيكلات. وتعرض اسكندر قبطي، الذي شارك يارون شاني إخراج فيلم “عجمي”، لهجوم شديد حين رفض وصف الفيلم الإسرائيلي قبل حفل توزيع جوائز الأوسكار. ولا ننسى محنة محمد بكري بسبب فيلمه الوثائقي “جنين، جنين”.

نظر الزعبي حوله واستوعب المشهد كاملاً. رأى كيف تتعرض مثل هذه الأفلام للهجوم من كل الجهات. قال لصحيفة “هآرتس”: “حين تكون فلسطينياً يعيش في إسرائيل ويصنع أفلاماً عن إسرائيل ويتلقى تمويلاً من صندوق إسرائيلي، يود الفلسطينيون معرفة كيف تدبر أمورك في هذه الحالة، ويريد الأوروبيون التوازن في الفيلم ويضعك الإسرائيليون تحت العدسات الفاحصة أيضاً”.

أضاف: “لذا قلت لنفسي، في كل مرة تصنع فيلماً ستكون تحت عدسة المجهر، سينظر الفلسطينيون ليقرروا إن كانت قصتك فلسطينية بما يكفي أم إسرائيلية أكثر مما ينبغي. والإسرائيليون قلقون دائماً من كيفية تصويرهم. وإذا حصلت على تمويل من الصندوق، يقولون “نحن نمنحه المال وهو يصنع فيلماً عنا، إذا أهو ضدنا أم معنا؟ وعندما أدركت أن هذه المفارقات ستكون دائماً جزءاً من مسيرتي في صناعة الأفلام، قلت لنفسي، حسناً سأصنع فيلماً عن هذا الأمر”.

أطلق الفيلم في إسرائيل، ليكون دليلاً على أن الزعبي هو واحد من صناع الأفلام الإسرائيليين القلة الذين يعرضون سخرية لاذعة على الشاشة الكبيرة.

ومع ذلك، يبدو أحياناً أن الواقع القاسي يُصوَّر مخففاً قليلاً في اللقاءات المسلية بين الفلسطيني وضابط الجيش الإسرائيلي. في أحد المشاهد، أحضر فتى مقيد بالأصفاد إلى الغرفة ويأمر الضابط بأخذه بعيداً لأنه مشغول في أمر مهم. لكن ما عدا ذلك فإن الصور القاسية المألوفة غائبة عن فيلم الزعبي.

أوضح الزعبي: “صحيح، ولماذا يجب أن تكون هناك مثل هذه الصور؟ ففي النهاية لا أحد بحاجة لفيلمي لرؤية الواقع. ادخل على تويتر أو يوتيوب وسترى الأشياء المريعة. لا أحد يريد رؤية فيلم واقعي عن الاحتلال، ومقاطع الفيديو التي يبثها الناس على وسائل التواصل الاجتماعي من نقاط التفتيش، لا يمكن خلقها في فيلم. إذا كتبتها في السيناريو، لن يتوقف الجميع عن تمويلك فقط، بل لن يرغب أحد في مشاهدة الفيلم من الأساس”.

يقول الزعبي إن الحقيقة مأساوية لدرجة أنك إن أظهرتها في فيلم، لن يصدقها أحد و”سيقولون بدلاً من ذلك، ها هو ذا مخرج فلسطيني آخر يعد فيلماً دعائياً”، ثم يقدم أمثلة على ذلك.

“قرأت مقالاً هذا الصباح عن زوجين كانا في طريقهما إلى حفل زفاف والجنود عند حاجز التفتيش، أوسعوهما ضرباً لأن المرأة لم تتحدث بطريقة جيدة مع جندي. إذا وضعت مشهداً كهذا في الفيلم، سيقول الناس إنها دعاية فلسطينية”.

“في أفلامي السابقة أيضاً، لم أكن مهتماً بإظهار الاحتلال المادي، لأننا نراه طوال الوقت ولا أحد (سواء أكان فلسطينياً أو إسرائيلياً) يود رؤيته في الأفلام أيضاً. ولأننا لا نملك ما يمكننا من صناعة مثل هذه الأفلام، علينا أن نتحسس خطواتنا بين حقول الألغام. من وجهة نظري، يكمن التحدي في الحديث عن السردية الفلسطينية وإيجاد طرائق أخرى لعرضها”.

بعبارة أخرى، الوضع قاتم للغاية، والاحتلال مثير للكآبة ولسنوات طوال لم يتغير شيء، وليس هناك بديل عن تصوير العبثية الكامنة في المأساة والضحك منها. كأنها استبدال لنكات الهولوكوست بنكات الاحتلال.

فكاهة الغيتو

ولد الزعبي عام 1975. كانت أمه ربة منزل وأبوه مزارعاً، وهو أصغر إخوته التسعة. ولديه اليوم طفلان، ابن في التاسعة وبنت في الخامسة.

قال في محادثة عبر “سكايب” أجراها من فندق في واشنطن، حيث يعرض فيلمه في مهرجان للأفلام: “ليس الأمر وكأنني أريد أن أصنع الأفلام الكوميدية ابتداءً، الأمر ببساطة أنها أكثر فئات الأفلام إثارة بالنسبة إلي، لأنها تعد أفضل تمثيل للمكان الذي نشأت فيه”.

“يتميز الفلسطينيون بأنهم مرحون للغاية. ففي قرية إكسال يضحك الجميع طوال الوقت. لم أنشأ أبداً في بيئة تتردد فيها عبارات مثل “يا للكآبة، اليوم نتانياهو فعل كذا وكذا”. الأمر أشبه بروح الفكاهة التي تميز بها اليهود في الغيتو -المَعزِل -، أي حين تشعر بأن العالم كله من حولك يهاجمك وأن الفكاهة هي طريقك الوحيد للنجاة”.

“لطالما كان الأمر كذلك بالنسبة إلي. عائلتي مرحة للغاية، ولا أتذكر أن أحداً في القرية قال شيئاً جاداً أو كئيباً من دون أن يضيف مزحة أو نكتة إلى جملته”.

أشار زعبي إلى أن المرة الأولى التي ارتاد فيها السينما كان في العشرين. لم تكن هناك دار للسينما في قريته أو أي مكان قريب، لذا اقتصر تعليمه السينمائي على الأفلام المصرية والفرنسية المعروضة على شاشة التلفاز في ظهيرة أيام الجمعة.

كان طالباً مجداً، لكنه عمل بعد المرحلة الثانوية في البناء وتشييد الدفيئات الزراعية في وادي عربة في جنوب شرقي البلاد. ثم تقدم بأوراقه لدراسة القانون والهندسة، وقبل في كليهما، لكنه قرر في آخر لحظة دراسة السينما واللغة الإنكليزية في جامعة تل أبيب.

لم أنشأ أبداً في بيئة تتردد فيها عبارات مثل “يا للكآبة، اليوم نتانياهو فعل كذا وكذا”. الأمر أشبه بروح الفكاهة التي تميز بها اليهود في الغيتو -المَعزِل –

عاش في تل أبيب ثلاث سنوات ونصف السنة، وصار على دراية بالصور النمطية التي يحملها اليهود عن العرب، ورفض صنع أفلام عن اضطهاد المرأة وهيمنة الرجل في المجتمع العربي، كما كان يُتوقع منه. لذا حين عرضت عليه منحة لدراسة الماجستير في جامعة كولومبيا في نيويورك، لم يفوت الفرصة. كان واثقاً من أنه سيكون قادراً على صنع أفلام عن مجتمعه من دون أن يكون عرضة لأحكام الصور النمطية الإسرائيلية. لكن في المقابل واجه صوراً نمطية أخرى.

عام 2005، حين حاول جمع تمويل لفيلمه القصير “اهدأ”، الذي يروي قصة أب فلسطيني وابنه انطلقا في رحلة بالسيارة في ظل الاحتلال الاسرائيلي، كانت الولايات المتحدة ما زالت واقعة تحت صدمة أحداث 11 أيلول/ سبتمبر. فلم تكن الأفلام التي تروي الجانب الإنساني من الشخصية الفلسطينية جذابة في السوق، وفشل زعبي في جمع التمويل اللازم. وكان على شفير اليأس.

المخرج الفلسطيني – الاسرائيلي سامح الزعبي

حتى أنه فكر في العودة إلى إسرائيل لدراسة القانون، لكن في اللحظة الأخيرة تلقى تمويلاً فرنسياً لفيلمه. ومن تلك اللحظة سار كل شيء بسلاسة. صدر فيلم “اهدأ”، ودعي إلى المشاركة في مسابقة أفلام الطلاب في مهرجان كان، حيث فاز بالمركز الثالث. بعد ذلك قبل زعبي في برنامج الدراسة التابع للمهرجان، ودعي إلى العيش في باريس لأشهر قليلة وكتابة سيناريو لفيلم روائي.

يروي فيلمه الروائي الأول الذي صدر عام 2012 بعنوان “رجل دون هاتف محمول”، قصة شاب سعد بتركيب هوائي جديد لشبكة الهاتف المحمول في قريته. لكن كان عليه أن ينضم إلى احتجاج والده ضد الهوائي، لأنه يهدد حقل الزيتون الخاص به.

قال عن فيلمه الكوميدي الدرامي الذي لاقى استقبالاً بارداً نوعاً ما، “بالكاد قابلت شخصاً في الخارج يعرف شيئاً عن حياة العرب في إسرائيل، الذين يعيشون في القرى، وما إحساس أن تكون مواطناً من الدرجة الثانية. لذا أحرص على شرح مرادي طوال الوقت، وقررت صنع فيلم يصور الحياة في المكان الذي ترعرعت فيه”.

وكما أخبر زعبي صحفية “هآرتس” حين صدر الفيلم “لم يسهل على الجمهور فهم حقيقة أن هذا فيلم فلسطيني كوميدي ذو مضامين خفية، وليس دراما جادة تحمل تصريحات سياسية مباشرة وصريحة”.

مع ذلك، قرر أن فيلمه التالي سيكون كوميدياً أيضاً، فكتب فيلم “تل أبيب ع نار” مع دان كلاينمان، الذي درسه السينما في نيويورك. “هو يهودي لكنه ليس متصلاً كثيراً بأصوله اليهودية”، وفق الزعبي.

وشارك هاني أبو أسعد في كتابة فيلم “يا طير الطاير” The Idol، وشارك في المشروع الوثائقي “ألبومات عائلية” وأخرج فيلم “تحت الشمس نفسها” الذي كتبه يوسي أفيرام عن رجلي أعمال، فلسطيني وإسرائيلي، يريدان تأسيس شركة للطاقة الشمسية لخدمة القرى العربية التي ليس فيها كهرباء.

في أحد مشاهد “تحت الشمس نفسها”، كان على زعبي أن يصور مستوطنة إسرائيلية في الضفة الغربية. كانت تلك المرة الأولى في حياته التي يدخل فيها مستوطنة إسرائيلية. لم يدر الناس أنه فلسطيني، لأن الإنتاج كان إسرائيلياً وكان هو المخرج الذي أتى من نيويورك.

أوضح زعبي “دخلت إلى أحد المنازل أثناء بحثنا عن موقع للتصوير، وخرجت إلى الشرفة مع الزوجين اللذين كانا يعيشان هناك، وفي الأسفل كانت هناك نقطة تفتيش، وفي اليسار كانت هناك قرية فلسطينية ثم قرية فلسطينية أخرى. فسألت الزوجين عن اسم القريتين فلم يعرفا. ثم سألتهما عن الطريق إلى رام الله، فأشارت الزوجة إلى اتجاه وأشار زوجها إلى الناحية الأخرى”.

“ثم أدركت أننا حولنا هذه الأرض إلى فقاعات مختلفة من الواقع. يعيش الناس في هذه الفقاعات ولا يغادرونها لأن العالم في الخارج وحشي وخال من الإنسانية ويفضلون عدم رؤيته. لقد رأوا ما يكفي أثناء خدمتهم في الجيش ويفضلون المضي قدماً. الجدار جيد ليس لأجل الحماية بل لأنه يخفي ما يحدث على الجانب الآخر منه.

لا يريد الإسرائيليون التعامل مع هذا الواقع ولا يريدون رؤيته. ليس الإسرائيليون فقط، وفقاعة تل أبيب ليست وحدها، هناك فقاعة الجليل أيضاً. في قريتي لم يكن علي التعامل مع الإسرائيليين لأنه كان بإمكاني الذهاب إلى المدرسة وإيجاد كل ما أحتاجه في الناصرة. وفي رام الله الأمر نفسه، هم كذلك يعيشون في فقاعة”.

بين عالمين

إذاً هذه هي الفقاعة التي يود خرقها في فيلم “تل أبيب ع نار”. فقد قرر خلق حوار بين فلسطيني وإسرائيلي، وأن يجمع بين فلسطيني من القدس وفلسطيني من رام الله ويزيل الحواجز بينهما. وقرر أيضاً أن يضع في قلب فيلمه صانع أفلام فلسطينياً، يريد الجميع منه شيئاً مختلفاً، ويفحصون أفلامه بعدسات مكبرة.

قال: “حين يشاهد الناس المشهد الأخير في الفيلم يسألون أنفسهم: ما الذي يقوله سامح هنا من المنظور السياسي؟ يقول الإسرائيلي الذي يشاهد الفيلم، نحن نمنح الفلسطينيين أموالاً ليصنعوا أفلاماً ثم يقولون عنا أشياء سيئةً. في حين سيقول الفلسطيني، إنه يأخذ أموالاً من الإسرائيليين ولن يصنع سوى أفلام تعجبهم. يكون الأمر مرهقاً للمخرج. الناس يكتبون ويبحثون عن شيء يهاجمونك لأجله. نحن دائماً بين المطرقة والسندان، وأعرف أن هذه حال جميع مخرجينا، خصوصاً من ولدوا في إسرائيل”.

هل تتواصل مع مخرجين فلسطينيين آخرين يعيشون في إسرائيل؟ هل تستشيرون بعضكم بعضاً في كيفية التعامل مع هذا الضغط؟

“بالطبع، أنا على تواصل مع جميع المخرجين ونتحدث عن هذا الأمر كثيراً، عن الشعور بأننا لسنا إسرائيليين بالكامل، عن أننا إسرائيليون عرب، ولسنا فلسطينيين بالكامل في عيون بقية العالم العربي. وبالمناسبة، هذا الوضع ليس فريداً في عالم السينما لكنه يعكس الشعور العام تجاه مجتمع العرب الإسرائيليين منذ 1948. في كل الأحوال، هذه هي النتيجة، لا يُعرض الكثير من أفلامنا في المهرجانات السينمائية في الدول العربية، وكذلك لا تُعرض هناك تجارياً بسبب الأموال الإسرائيلية التي استخدمت في صنعها”.

قد قرر خلق حوار بين فلسطيني وإسرائيلي، وأن يجمع بين فلسطيني من القدس وفلسطيني من رام الله ويزيل الحواجز بينهما. وقرر أيضاً أن يضع في قلب فيلمه صانع أفلام فلسطينياً

“لكنهم نادراً ما يحصلون على انتباه وسائل الإعلام السائدة في إسرائيل أيضاً، لأن وجهة النظر الفلسطينية لا تهم الإسرائيليين. لذا نتحدث عن هذا الأمر. هو موقف عصيب يشعر فيه المرء بالعجز، لكن كل شخص يقرر لنفسه كيف يتصرف إزاءه. لا أظن أن هناك حلاً في الأفق. فغياب الحل الديبلوماسي أو أي رؤية في الآفاق لحل الصراع يساهم في تعقيد هذا الوضع. لكن ربما ستتغير الحال يوماً ما”.

“هناك فنانون فلسطينيون يهربون من هذا الفخ ببساطة عبر رفض التمويل الإسرائيلي.

لست حائراً في هذه المسألة. من وجهة نظري الأمر بسيط: إن لم يكن هناك تأثير خارجي على محتوى الأفلام التي أريد أن أصنعها، فلا مشكلة لدي. أصنع فيلمي من دون أن يجبرني أحد على فعل أشياء لا أريد فعلها. ولا يطالبني أحد بتقديم التنازلات. فلمَ لا؟

بصفتي مواطناً قبل كل شيء، فأنا أقوم بكل الأشياء التي يقوم بها المواطنون: أدفع الضرائب، أذهب إلى المستشفيات، آخذ قروضاً، وأدرس. ولا أشعر بالانزعاج من هذا. لكن في الوقت نفسه، أتفهم أولئك الذين يرفضون أخذ المال. لأن لكل شخص آراءه الخاصة. في الوقت نفسه، أنا أحكي قصصي، وأبرز هويتي، وليس هناك انفصال بينهما، وفي الوقت نفسه أنا لا أدين أي شخص يرفض أخذ المال من صناديق التمويل”.

في أعقاب أزمة المخرجة سها عراف، التي عرضت فيلمها في الخارج على أنه فلسطيني، على رغم أنه كان مدعوماً بتمويل إسرائيلي، طلب من كل صناع الأفلام عرض أفلامهم على أنها إسرائيلية. هل يسبب لك هذا الأمر مشكلة؟

“يضعنا هذا الأمر في موقف مزعج وهذه هي خطة الحكومة. بالنسبة إلى الإسرائيلي من المزعج التعامل مع الفلسطيني.

ويفضلون لو لم نكن هنا إطلاقاً، وإن كان بإمكانهم التخلص منا لفعلوا. لذا دائماً ما يقدمون أفكاراً تصعّب علينا الأمور، فلربما نقرر المغادرة من تلقاء أنفسنا.

لكن أظن أن هذا هروب من الواقع، لأن الفلسطينيين هنا معكم، بجانبكم. لذا فإن اختراع قوانين تشعركم بأنكم لا تعيشون مع فلسطينيين، ليست الطريقة الصحيحة لمزاولة الأمور. هم يحاولون محو هوية صناع هذه الأفلام واكسابها هوية إسرائيلية بقوة القانون. وحين يمررون هذا القانون سيعني ذلك محو الهوية الفلسطينية بالكامل”.

“هم دائماً ما يطلقون علينا لقب “إسرائيليين عرب”، فإذا نجحنا صرنا إسرائيليين، أما إذا فعلنا شيئاً خاطئاً نصير فجأة فلسطينيين. هكذا تسير الأمور.

واليوم لم يعد هناك مكان لسردية غولدا مائير التي قالت إنه لا يوجد ما يسمى فلسطينيين، وذلك لأنهم اعترفوا بالفلسطينيين في أوسلو. إذاً ما الذي يريدونه؟ العودة إلى ما قبل أوسلو؟ هذه محاولة للجمع بين نقيضين”.

في فيلمك، يقول عم سلام لابن أخيه أن المخرج وكاتب السيناريو لديه “مسؤولية تجاه شعبه”. حين تكتب هل تشعر بهذا العبء؟

“بسبب وضعنا الخاص، دائماً ما تكون ردود الأفعال السياسية مرهقة للغاية بالنسبة إلي، لذا أحاول الإبداع من منظور شخصي للغاية. دعني أصف الأمر بهذه الطريقة: لدينا مسؤوليات أكبر من الإسرائيليين اليهود، لأن سرديتنا ليست معروفة للجميع.

من المستحيل إخفاء الأشياء، وفجأة من العدم اكتشفوا أن هناك شعباً آخر، الشعب الفلسطيني الذي تبين أنه كان موجوداً دائماً، وأنه محتل وأصبح مواطنوه مواطنين من الدرجة الثانية.

“وفقاً لمذيعي الأخبار، صورة الفلسطينيين محددة جداً، لأن سرديتنا لم تقم بما عليها القيام به على الشاشة. لذا نحن “الآخر”، إذا كنت محظوظاً كفاية لتشاهده، أو على الأرجح لن تراه إطلاقاً. تظهر السردية الإسرائيلية على الشاشة كثيراً، وكانت لديها الفرصة لسرد حكايتها عن الشعب الذي عانى وكان في حاجة إلى وطن. والناس يصدقون هذه الحكاية. فهي السردية الأكثر قبولاً الآن.

لكن العالم يمضي قدماً الآن. ومن المستحيل إخفاء الأشياء، وفجأة من العدم اكتشفوا أن هناك شعباً آخر، الشعب الفلسطيني الذي تبين أنه كان موجوداً دائماً، وأنه محتل وأصبح مواطنوه مواطنين من الدرجة الثانية. وبدأت هذه السردية تظهر في أعمال المخرجين.

ما زال التلفاز يعرض السردية القديمة بنسبة كبيرة، ويصور الفلسطينيين في صورة ملقي الحجارة، أو كأنهم ميليشيات مسلحة. شعرت بأن هذه صورة الفلسطيني هنا، وشعرت بالمسؤولية لأنني أعرف أنه لا يوجد فلسطيني يستيقظ صباحاً ويقرر هكذا من تلقاء نفسه أنه يود قتل الناس. هو أيضاً يريد أن يعيش مثل أي إنسان آخر.

لذا، من هذا المنطلق هناك صورة حاضرة بقوة يجب أن نكون حريصين على عدم تغذيتها أكثر من ذلك. ما أريد تصويره هو أن لدى الفلسطينيين حاجات إنسانية أساسية: هي حقوق الإنسان وفرص متساوية. يريد الفلسطينيون ما يريده كل البشر ومسؤوليتي هي أن أقول هذا”.

هذا المقال مترجم عن Haaretz.com ولقراءة الموضوع الأصلي زوروا الرابط التالي.

إيران التي نسيت تاريخ الاشتراكيين الإسلاميين

إقرأ أيضاً