fbpx

هنا القصة الثالثة

سعيد ولفقير - صحافي مغربي 

سعيد ولفقير - صحافي مغربي 

مقالات الكاتب

الخمر في المغرب: منافع للحكومة وموانع للشاربين

“لم يَحُدّ هذا القانون أو حتى يقلّل من استهلاك المغاربة الخمور، بل على العكس زاد استهلاكهم والنتيجة أرباحنا تزداد والحكومة تعتاش من هذا الوضع”، هكذا علّق محمد وهو صاحب أحد متاجر بيع الخمور على قانون منع بيع الكحوليات للمسلمين وحال الالتفاف على القانون.

في المقابل، يطالب رشيد، وهو مغربي يستهلك الخمر بانتظام بمراجعة أسعار الكحوليات، إذ يراها مرتفعة جداً قياساً ببلدان غير منتجة لها.

وغلاء أسعار الكحوليات كما عبّر عنه رشيد، ليس إلا  نتيجة زيادة مضاعفة الرسوم والضرائب المفروضة على هذه السلعة من قبل الحكومة، إذ أنعشت خزينة الدولة خلال الأعوام القليلة الماضية نسب الضرائب المرتفعة، بيد أن العام المقبل قد يشهد تغييراً في أسعار الكحوليات، بعد أن رفضت الحكومة مقترحاً تعديلياً لقانون المالية لعام 2019، كان تقدّم به حزب الاستقلال المغربي، ويقضي بفرض  ضرائب تصل لحوالي 10 دولارات عن كل هيكتولتر من هذه المادة.

قرار فرض الضرائب شكّل مفاجأة واعتبره البعض بأنه جاء بناء على رغبة و تحت ضغط لوبيات سياسية و اقتصادية منتفعة من سوق الكحوليات. ورغم ذلك، تتوقّع الحكومة زيادة مدخول ضريبي يصل إلى مليار و502.700 مليون درهم (نحو 150 مليون دولار)  خلال السنة المقبلة.

“الله اخلف على السكايرية” (اللهم عوّض على أرباح السكارى) هكذا علق  مغاربة على هذه الإيرادات الضريبية، إذ يرون أن الحكومة “تحارب” الشاربين عبر فرض المزيد من الرسوم وفي الوقت ذاته تعوّل على استهلاكهم.

هذه الخطوة، تبنّاها حزب العدالة والتنمية ذو المرجعية الإسلامية الذي يترأس الحكومة، وهو الذي كان ومازال يرفع شعارات دينية تدعو إلى تحريم المشروبات الكحولية أو الكسب منها بأي شكل من الأشكال.

ليس الحزب ذو المرجعية الإسلامية وحده من ناشد بمنع تناول هذه المادة، ولكن أيضاً الإطار الدستوري والتشريعي في الدولة المغربية ينص على أنها “إسلامية” ولها مرجعية دينية تتأسس على “إمارة المؤمنين” وتستمد قوانينها من الشريعة الإسلامية، إلى جانب التشريعات الدولية والوضعية في بلد يعد من البلدان العربية الأولى من حيث إنتاج الخمور وصناعتها.

“هذا يُسمّی فصاماً…”

قانون حظر بيع المشروبات الروحية صدر بقرار ملكي عام 1967، إذ ينص الفصل 28 على منع بيعها للمغاربة المسلمين أو منحهم إياها بالمجان، ويعاقب المخالفين بغرامات أو بالسجن لمدة تصل إلى 6 أشهر.

القانون يعتريه الكثير من الازدواجية وفق ما أكده الباحث “يوسف وهابي” في كتابه “خمريات القانون المغربي“،إذ أشار إلى أن المشرّع المغربي حبذ أن يجمع  بين خيارين، و هما “الظهور بمظهر الممتثل للشريعة الإسلامية من خلال تجريم بيع الخمور للمغاربة المسلمين”، وفي الوقت ذاته صمت عن مسألة شربها، فهو لم يمنعها بشكل كامل، و”لم يعاقب عليها إلا إذا بلغ الشرب حد السكر البيّن والعلني، ونظّم صناعة الخمور وترويجها ووضع قواعد لتقطيرها واحتكارها والترخيص لها”.

“هذا يسمّى فصاماً…” هكذا علّق رشيد على القانون، معتبراً إياه بمثابة واجهة تظهر أن البلد ما زال يحافظ على ثوابته كـ”دولة اسلامية”، لكن الواقع يقول إن المغاربة المسلمين بغالبيتهم يشربون الكحوليات في الحانات أو في منازلهم لكن بشكل سري أحياناً.

يلجأ المغاربة إلى المتاجر الكبرى أو الحانات لتناول الكحول بعيداً من أي مشكلات قد يواجهونها مع السلطات أو عامة الناس.

على نحو ما، يجد مستهلكو هذه المادة حرجاً أو عدم ارتياح وهم يشترونها من المتاجر الصغيرة، أحياناً قد يطلب الزبائن أكياساً غير مكشوفة لزجاجات الخمر، وإن استعصى الأمر يضعونها في أكياسهم أو حقائبهم الشخصية، في حين يفضل آخرون وضع نظارات شمسية سوداء حتى لا يتعرف إليهم أقرباؤهم.

“فإذا ابتليتم فاستتروا”، بشكل ما جاء قانون منع الكحوليات على مقاس هذا الحديث النبوي، فالسكر السرّي لا يتم تجريمه، لذلك تضطر فئة من المغاربة إلى تناول هذه المادة في الخفاء كما تفعل نادية. فكل يوم، وقبل حلول الزوال، تخطو نادية بحذر شديد وإحساس بالعار، وهي تقتني زجاجة من مشروب الفودكا الرديء من متجر الحي. ليس الأمر هيناً، إذ تضطر إلى فعل ذلك كل يوم لأنها تحب تناول الكحول. عندما تصل إلى منزلها، تسدل نادية الستار وتغلق النوافذ مخافة أن يراها الجيران.

في المقابل، لا يجد رشيد غضاضة من ارتشاف بضع كؤوس من المشروبات الكحولية، على رغم أنها تسبّب له مضاعفات ومشكلات صحية كالتوتر العصبي واضطرابات النوم ومشكلات في التغذية.

“ليس لدي وقت محدّد لمقارعتي المشروب الكحولي، فالمسألة تعود إلى حالتي النفسية، أحياناً أشرب يومياً، وقد أتوقف عن الشرب في وقت مبكر لأنام وأستيقظ مبكراً، وتارة أخرى قد أتوقف عن الشرب أسبوعاً، وفي هذه الحالة أستأنف الشرب في نهاية الأسبوع (الويكاند)، لساعات طويلة قد تصل إلى 30 ساعة”، يقول رشيد.

لكن الإشكال بالنسبة إليه يكمن في ما سمّاه “الشيزوفيرنيا” التي تمارسها الدولة في الأعياد الدينية، سائلاً: “لماذا يمنعوننا من تناول هذه المادة في المناسبات الدينية لمدة أحياناً قد تصل إلى 3 أيام مقارنة ببقية أيام السنة؟”,

ويضيف لـ”درج”: “يغلقون الحانات ومحلات بيع الخمور في هذه الفترة، ومن هنا أضطر إلى شرائها بشكل سرّي بثمن مضاعف”.

تُباع الكحوليات ومشروبات الخمور بالمغرب في متاجر كبرى (سوبر ماركت) أو محلات متخصصة، أو تُقَدَمُ في الحانات والفنادق المصنفة ذات الطابع السياحي، لكن يحظر القانون بيع هذه المشروبات بجوار الأماكن الدينية أو المقابر أو المؤسسات العسكرية أو الاستشفائية أو المدرسية وفي بنايات للأوقاف وبصفة عامة بالقرب من كل مكان تجب فيه مراعاة الحشمة والوقار، حيث يجب احترام أدنى مسافة الواجب اعتبارها في هذه الحالات بقرار تصدره السلطة الإدارية المحلية.

القانون على رغم وضوحه، إلا أنه لا يطبق بحذافيره، إذ كثيراً ما تتسامح السلطات مع تناول الخمور في بعض الحالات، وهي على العموم تغض الطرف تارة وتارة أخرى تنزل العقوبات على المخالفين.

 

في هذا السياق، يقول “رشيد”: بالنسبة إلى الشرطة أحياناً لا يكثرتون وأنت في حالة سكر ما دُمْتَ لا تقوم بأي تصرفات فوضوية أو عربدة، وإذا كنتَ في موقف مخالف فإن رشوى بـ50 درهماً (نحو 5 دولارات) كفيلة بحل المشكل، وشخصياً كنت أكثر من مرة في حالة سكر وقدت سيارتي والحل طبعاً يكمن في إعطاء ورقة نقدية من فئة 100 درهم (نحو 10 دولارات)”.

تسير عملية تداول الخمور وشرائها وبيعها في المحلات الكبرى (الأسواق الممتازة) والحانات والفنادق المصنفة على نحو طبيعي، إذ تسيطر الأسواق الممتازة على 40 في المئة من إجمالي سوق المشروبات الروحية في المغرب.

لكن يختلف الأمر نسبياً بالنسبة إلى المتاجر الصغيرة ((les épiceries فكثيراً ما يواجهون رفضاً من قبل المغاربة بحكم أنهم يبيعون المادة في أحياء سكنية، ما قد يتسبب في مشكلات في طريقة تعاطي المستهلكين لها، وما ينجم  عن ذلك -وفق المعترضين- من “انحراف” في سلوك المراهقين و”إفساد أخلاقهم”، علاوة على التسبب في حوادث سكر علني وعربدة وشجار وإزعاجٍ لراحة السكان.

المغاربة يقبلون على الكحوليات رغم الموانع

لهفة المغاربة على الخمر والكحوليات متزايدة، على رغم الموانع الدينية والقانونية، الإحصاءات لا تكذب، وهي تؤكد أن استهلاك هذه المادة ارتفع في السنوات الأخيرة.

نشرت وكالة “رويترز” الإخبارية تقريراً عام 2013 أفادت فيه بأن الاستهلاك السنوي للخمور في المغرب يصل إلى نحو 131 مليون لتر من الجعة و38 مليون زجاجة من النبيذ الأحمر والأبيض ونصف مليون زجاجة ويسكي و140 ألف زجاجة شمبانيا مستوردة.

وتتربع الجعة (البيرة) حصة الأسد من حيث الاستهلاك بنسبة 44 في المئة، يليها النبيذ بـ36 في المئة، والـ20 في المئة المتبقية موزعة على الأصناف الأخرى (منظمة الصحة العالمية)

استهلاك مفرط يتبعه ارتفاع في أرقام الواردات، إذ تزايد حجم المستورد من المشروبات الكحولية بثلاثة أضعاف في الشهور الـ8 الأولى من العام الحالي، فالجعة والنبيذ والمشروبات الكحولية التي استوردتها الشركات المغربية سجلت ارتفاعاً، فمن 8155 طناً في الشهور الـ8 الأولى من العام الماضي، إلى ما يقارب 19325 طناً في الفترة نفسها من السنة الحالية، أي بزيادة تجاوزت 11175 طناً.

ويُعدّ المغرب من أكبر منتجي الخمور في الدول العربية، إذ ينتج سنوياً ما يناهز 40 مليون زجاجة خمر من أنواع مختلفة (من بينها نصف مليون هكتولتر من زجاجات الجعة)، يستهلك معظمها محلياً، وتصدر الكمية المتبقية إلى دول الاتحاد الأوروبي، ويشتغل في هذا القطاع نحو 50 ألف مستخدم وعامل.

وورث المغاربة صناعة النبيذ من الفرنسيين وبالضبط في منطقة مكناس (140 كيلومتراً شرق الرباط)، إذ حققت ازدهاراً كبيراً منذ الفترة الاستعمارية، وإلى أيامنا الراهنة جنى رجال أعمال مغاربة أرباحاً متنامية من أراضي تناهز 37 ألف هكتار.

إقرأ أيضاً:
التجنيد الإجباري في المغرب: روح وطنيّة أم تطويع للشباب المعارض؟
عازبات المغرب وأرامله ينتفضن لكي يرثن الأرض

إقرأ أيضاً