fbpx

هنا القصة الثالثة

محمد خلف - صحافي عراقي

محمد خلف - صحافي عراقي

مقالات الكاتب

الحنين إلى ستالين يكتسح شبيبة بوتين

مع أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين تعهّد عام 2013، بعدم إعادة روسيا إلى حقبة الديكتاتور السوفياتي جوزيف ستالين، إلا أن مجرى الأحداث وتطوراتها في روسيا، تؤكد أن القيصر الروسي لم يدّخر جهداً منذ استلامه الحكم وحتى الآن، في إعادة استنساخ دولة ستالين وتكريس عبادة الشخصية والقمع السياسي وتحجيم الحريات الصحافية وملاحقة منتقدي النظام الحاكم.

بوتين السياسي الماكر استخدم بذكاء مفاصل الديموقراطية، لتكريس شخصه كرئيس أبدي للبلاد، متعكزاً على مسرحية تبادل المناصب في الخروج من باب الرئاسة والعودة إلى الكرملين من شباك رئاسة الحكومة، وبالعكس بتبادل الأدوار بينه وبين رفيقه المطيع ديمتري ميدفيديف.

لم يتوقف بوتين منذ إحكام قبضته على السلطة بعد خروج الرئيس الضعيف والسكير يلتسن، من بوابة الكرملين، عن توظيف التاريخ لأهدافه السياسية. ويرى محللو الشؤون الروسية أن “النزعة القومية الشوفينية المتكرسة في جوهر المجتمع الروسي، ساعدت بوتين على كسب عقول الروس وقلوبهم، فهم توّاقون إلى إعادة مجد امبراطوريتهم المهزومة، ومكّنه ذلك من فرض ايديولوجية الدولة على مجتمع المعلومات”.

اعتمد بوتين في تكريس شخصيته الإنقاذية (الإلهية) على نقض قرارات الزعيم السوفياتي خروتشوف الذي خلف ستالين وندد بجرائمه وأعماله الشنيعة، وفي مقدمتها حملات التطهير التي نفذها، إذ اتخذ قرارات تقضي بإعادة النظر بتاريخ روسيا، وطلب من الباحثين والمؤرخين مراجعة حقبة ستالين بكثير من الموضوعية، إضافة إلى إعلانه أن ستالين لم يكن حاكماً سيئاً كما صوره خروتشوف، وهي دعوة كانت أولى نتائجها “التقليل من شأن المجازر والفظائع التي ارتكبها ستالين بواسطة بيريا”.

قرارات بوتين هذه ليست وليدة المصادفة، وإنما هي مدروسة وهدفت إلى ترسيخ صورة ستالين كشخصية وطنية وتثبيت ذكريات جميلة في أذهان التلاميذ ومحو كل الوقائع القاسية والقبيحة في سيرة ستالين بغية تهيئة المجتمع، لقبول الزعيم القومي الجديد بوتين الذي يعمل من أجل انبعاث جديد لروسيا ودورها الامبراطوري في العالم. لم يمض وقت طويل حتى صدرت مؤلفات جديدة عن ستالين صنفته “واحداً من أعظم قادة الاتحاد السوفياتي”. ووفقاً للمؤرّخ الروسي إيفان كوريلا فإن “ستالين يحظى بشعبية لدى الناس الذين يبحثون عن الاعتزاز بتأريخ بلدهم وجبروتها”.

ستالين السفاح القدوة

الحقيقة أن ستالين ظل يحظى بإعجاب الشيوعيين القدامى وتقديرهم، ليس في روسيا وحدها، إنما أيضاً في جميع بلدان المعسكر السوفياتي الذي انهار أواخر ثمانينات القرن الماضي وتسعيناته، وما فعله بوتين هو إعادة رسم شخصية ستالين في محاولة مستميتة منه لاكتساب شرعية في إعادة إنتاج هذا النظام والانطلاق نحو استنساخ هذا النهج، وتكريس شخصيته عبره كبطل قومي لروسيا المعاصرة. لحنين الروس إلى حقبة ستالين وتنامي شعبيته بين أوسع فئات المجتمع، أسباب موضوعية، من بينها، برأي المحلل الروسي الذي يعيش في منفاه في ألمانيا ايفان بريوبراجينيسكي، “استياء الروس وسخطهم من الواقع الذي يعيشون فيه، حيث تتردى بشكل متواصل أوضاعهم المعيشية وتتفاقم مشكلات بلدهم الاقتصادية والاجتماعية، ما يدفعهم إلى التوجه نحو الماضي، وليس البحث عن العدالة الضائعة، فالهم الاساسي للروس الان هو البحث عن شخصية تساعدهم في وقف التداعي والتشقق والتقيح الحاصل في المجتمع ومؤسسات الدولة”.

لم ينتظر بوتين طويلاً لقطف ثمرة الجهد الذي بذله لتحقيق هدفه، فلقد كشف استطلاع للرأي أجراه مركز “ليفادا”، ونشرت نتائجه اواسط نيسان/ أبريل، أن “70 في المئة من الروس يرون أن ستالين لعب دوراً إيجابيا من أجل بلادهم “. وبحسب المركز “إن هذه النسبة هي الأعلى التي تصل اليها شعبية ستالين خلال السنوات العشرين الاخيرة”، ويتضح من الاستطلاع ايضاً أن “كل 4 روس من أصل خمسة، أعربوا عن إعجابهم بستالين، فيما اعرب 5 في المئة من الروس خوفهم منه، مقابل 16 في المئة عام 2001”.

دأب الروس وحرصوا في غالبيتهم العظمى على احتضان ذكرى السفاح ستالين وتعليق صوره جنباً إلى جنب مع بوتين، على جدران بيوتهم وإلصاقها على زجاج سياراتهم، وارتداء قميص الذي يحمل صورة بوتين، وذهب بعضهم إلى حد وضع قناع يحمل صورة بوتين والتجول في الشوارع للاعراب عن التماهي مع القائد (الرمز) وحبه. وكان استطلاع للرأي اجري عام 2017 أظهر أن الروس يعتبرون ستالين أهم شخصية في التأريخ الروسي يليه الرئيس الحالي بوتين، وبعدهما الشاعر الروسي الكسندر بوشكين.

“70 في المئة من الروس يرون أن ستالين لعب دوراً إيجابيا من أجل بلادهم “

القيصر والكنيسة

ما زلنا نتذكر عبارة بوتين التاريخية التي حملتها وكالات الأنباء لجميع أنحاء العالم، حين وصف بوتين  انهيار الاتحاد السوفياتي بحدث درامي كان الأكثر تأثيراً في حياته. حاكم الكرملين يحرص في كل فعالياته الإعلامية على ترديد شعارات الشيوعيين، لا سيما في حملاته الانتخابية. وعلى رغم تبنّيه سياسة اقتصادية جديدة صادمة للفئات الفقيرة، إلا أنه التزم بالحد الأدنى من العلاقة مع ناخبيه من خلال إبقائه على معظم الدعم الاجتماعي الذي كان يُقدّم للمواطنين في الحقبة السوفياتية. ويحظى بوتين بثقة أكثر من ثلثَي الشعب الروسي، بعدما اتّبع سياسة تجمع بين تجارب القياصرة، وعدم توجيه انتقادات إلى النظام الشيوعي الشمولي، والمضي قدماً في تعزيز علاقاته مع الكنيسة الروسية الأرثوذكسية، وجعلها احد مفاصل حكمه ولو بمزيج من شعارات متباينة، ولكن الأهم هوغياب واضح لمعارضة جدية.

أحد تجليات استنساخ الاتحاد السوفياتي التي أثارت انتباه الداخل والخارج، يتمثل في قيام بوتين بإصدار أوامره بتشكيل ميليشيات مسلحة من الأطفال الأيتام في روسيا، أطلق عليها تسمية “جيش الشبيبة” أو Yunaarmia، ويضم فتياناً وفتيات، يشكلون ميليشيات شبيهة بحسب صحيفة “نيويورك تايمز” الأميركية، بما عرف باسم “شبيبة الرواد” في العصر السوفياتي.

تأسست هذه الميليشيات التي قال الكرملين إن هدفها هو “زرع مشاعر الوطنية وخدمة الأمة في نفوس الصغار” عام 2016، وتضم أطفالاً تتراوح أعمارهم بين 8 و18 سنة، وتنتشر في اكثر من 85 بلدة روسية. وبحسب ما ذكرته صحيفة “الديلي ميل” البريطانية “إن عشرات الآلاف من الايتام الروس يتم تجنيدهم في جيش الشبيبة التابع للرئيس بوتين حيث يتلقون تدريبات على استخدام المدافع الرشاشة والمصارعة والقفز بالمظلة، إضافة إلى تعلم التاريخ الروسي”.

وتقول “الديلي ميل” إن هذه الميليشيات تضم نحو 400 ألف عنصر من صغار السن، ولا تستبعد أن يرتفع عدد أفرادها ليصل إلى المليون خلال السنوات القليلة المقبلة.

تجليات استنساخ الاتحاد السوفياتي يتمثل في قيام بوتين بإصدار أوامره بتشكيل ميليشيات مسلحة من الأطفال الأيتام في روسيا، أطلق عليها تسمية “جيش الشبيبة” 

أيتام سوريا الأطفال في الجيش الروسي

الرئيس الروسي يعي جيداً أن تجنيد الأطفال دون الخامسة عشرة، أمر محظور بموجب القانون الدولي والمعاهدات الدولية التي تعتبره جريمة حرب.

ويعرف أيضاً أن شرعة حقوق الإنسان الدولية تعتبر سن الثامنة عشرة الحد القانوني الأدنى للتجنيد وللقيام بالاعمال الحربية. إلا أن موسكو تصر على الأمر وبعناد وربما بوقاحة، لا تقل عن وقاحة الميليشيات المنتشرة في منطقتنا وافريقيا ودول عدة في العالم تعاني من نزاعات أهلية مسلحة، حيث يضم الأطفال للقتال في صفوفها بالدفاع عن قرارها بتأسيس هذه الميليشيات، وقال رئيس مجموعة الخبراء السياسيين الروس قسطنطين كالاتشوف، إن “هناك فارقاً بين التربية الوطنية والعسكرة”، مرجحاً أن يتحول الأمر في نهاية المطاف إلى المحاكاة، مثلما كان الأمر عليه في نهاية حقبة الاتحاد السوفياتي”.

في السياق نفسه، دافع رئيس لجنة الدفاع والأمن في البرلمان (الدوما) والقائد السابق لسلاح الصواريخ فيكتور بونديروف عن هذا القرار، بعدما كان في وقت سابق انتقد غياب التدريب العسكري للأطفال، ما يجعلهم يخافون الأسلحة الرشاشة ولا يعرفون كيفية إلقاء قنبلة يدوية”. وأضاف “إننا في أشد الحاجة إلى تدريب الأطفال، إذ تحاط روسيا بالتهديدات من كل جانب”. كما شددت مفوضة حقوق الطفل في روسيا آنا كوزنيتسوفا، التي تعمل ضمن فريق بوتين على أن “المسؤولين المحللين يجب أن يقوموا بدور جدي في تجنيد الاطفال”، فيما أكد وزير الدفاع سيرغي شويغو أهمية العلاقة بين هذه الميليشيات والجيش الروسي. إلا أن صحيفة “نوفايا غازيتا”، شككت في أن هذا المشروع يهدف حقاً إلى خدمة الأيتام وتأمين مصالحهم، وسألت عما إذا كان يتم تجنيدهم للحرب داخل البلاد في إطار توجه النظام إلى قمع الاحتجاجات المناهضة للكرملين. وفي روسيا أكثر من 1600 دار أيتام ومدرسة داخلية تحتضن 50 ألف طفل، 10 في المئة منهم فقط، بحسب التقارير الرسمية، يندمجون في المجتمع بعد بلوغهم سن الرشد، بينما ينتهي الحال بـ90 في المئة منهم، بالتشرد أو الانتحار ( 10 في المئة)، او التورط في الجريمة المنظمة (40 في المئة)، أو إدمان الكحول والمخدرات ( 40 في المئة). وينص مشروع هذه الميليشيات كما ذكرت صحيفة “كوميرسانت”، الروسية على تعبئة 100 في المئة من أبناء الضباط بين الـ8 و18 سنة،” ولكن الإدارة المركزية لوزارة الدفاع الروسية سارعت إلى نفي وجود مثل هذه الخطة”.

كشفت تقارير عن قيام روسيا بنقل تجربة “جيش شبيبة بوتين” إلى سوريا، حيث التحقت مجموعة من الأطفال السوريين في “معهد قوات السكك الحديدية والاتصالات العسكرية”، التابع للأكاديمية العسكرية للإمداد والنقل في مدينة سان بطرسبورغ. وذكر نائب وزير الدفاع الروسي ديمتري بولغاكوف أن “الدفعة الأولى من الأطفال السوريين تضم 8 أطفال حرب، أحدهم يتيم الأبوين”.

وأضاف “سنبذل كل ما بوسعنا من أجل تدريب هؤلاء الصبية، ليصبحوا ضباطاً حقيقيين في الجيش السوري المستقبلي”. وكان وزير الدفاع شويغو أصدر قراراً ينص على الشروع بتدريس التلاميذ السوريين في كل المؤسسات التعليمية العسكرية الروسية بموجب اتفاق بين روسيا ونظام الاسد، وتتراوح أعمار هؤلاء التلاميذ بين 10 و15 سنة، وسيخضعون للتدريب العالي الذي يخضع له الطلاب الروس في المدارس العسكرية. وبحسب ما ذكره موقع “روسيا اليوم” الإلكتروني، فإن روسيا وسوريا وقعتا اتفاقية ثنائية حول ضم القاصرين السوريين إلى مدارس وزارة الدفاع الروسية لإعدادهم للخدمة العسكرية.

 

ماكنة الدعاية الرسمية تفشل في وقف تراجع شعبية بوتين في روسيا

 

إقرأ أيضاً