fbpx

هنا القصة الثالثة

Avatar

مصطفى نصر - صحافي يمني

مقالات الكاتب

الحديدة.. السير في طريق مُلغّم

ثلاثة عشر يوماً مرّت منذ بدء الهدنة المعلنة في محافظة الحديدة في السابع عشر من شهر كانون الأول/ديسمبر الجاري، وفقاً لاتفاق مشاورات استوكهولم في السويد، من دون أن تتضح  نقاط الغموض التي أعلنت في اتفاق اللحظات الأخيرة الذي أبرم هناك.

“تمضي الأمور ببطء كبير” بحسب تعبير أحد المسؤولين في فريق المبعوث الأممي الراعي لمفاوضات السلام اليمنية، لكن أحداً يمكنه أن ينكر التقدم في هذا المسار، إذ تم تعيين ممثلين عن الطرفين في اللجنة المعنية بالانسحاب وكلاهما زار مدينة الحديدة وموانئها، وهي خطوات قد تؤسس لتوقف ٍدائم للقتال في المدينة الساحلية الأكثر أهمية بالنسبة للمساعدات الانسانية والاغاثية.

خلال الايام القليلة الماضية انعقدت نقاشات مكثفة بين فريقي الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً، وجماعة الحوثي “أنصار الله”، والجنرال الهولندي المتقاعد الذي يقود عملية الإشراف والرقابة على تنفيذ الاتفاق ممثلاً للأمم المتحدة.

كانت واحدة من القضايا الرئيسية المطروحة على الطاولة ” فتح الطرق لعبور قوافل المساعدات الانسانية “، عبر الطرق الرئيسية التي توقفت بفعل الاشتباكات، وإذا ما تمت هذه الخطوة رغم انها لن تكون مؤشراً على البدء الجدي في تنفيذ الاتفاق من عدمه، إلا أنها تضع لبنة أولى في طريقٍ طويلٍ وشائك.

يحاول المبعوث الدولي الى اليمن مارتن غريفيث وفريقه، مسابقة الزمن من أجل الوفاء بما أعلنه من انعقاد جلسة مشاورات جديدة في كانون الثاني/يناير المقبل، وهو البند الذي وقع عليه الطرفان صراحة في قلعة جوهانسبرغ في السويد، لكن التحرك على الأرض لا يبدو مساعداً للقيام بذلك.

يؤكد مصدر حكومي بأن الوفد الممثل للسلطة لن يقبل أن يذهب الى مشاورات جديدة قبل أن يتمكن من التأكد من جدية الطرف الآخر في الانسحاب، وتسليم المدينة إلى أجهزة أمنية تخضع لإشرافه،  لكن من الصعب اختبار ذلك في مراحل التنفيذ الاولى. وفي حين يتربص كل طرف بالآخر لإظهاره كطرف معرقل، تلوح فرصة الذهاب الى مشاورات جديدة لاسيما مع استمرار الضغط الدولي الذي كان صاحب الفضل الأكبر في توصل الطرفين الى اقرار اتفاق استوكهولم.

ومن اللافت تعمّد فريق المبعوث الدولي الخاص، صياغة اتفاق الحديدة بطريقة غير واضحة، بحيث يمكن وصفه بالاتفاق الملغوم، اذ تضمن مصطلحات وتعبيرات يمكن تفسيرها بطريقة تتيح لكل طرف التنصل من تنفيذ ما عليه من التزامات، وبالمقابل أتاح إمكانية المناورة مع الأطراف وفقا لما يتصوره كل منهما عن الاتفاق.

تبدو منهجية الامم المتحدة واضحة في هذه النقطة، إذ تتعمد اتباع سياسة الهروب الى الأمام وتثبيت نقاط أساسية تؤهلها للفت انتباه المجتمع الدولي الذي يراقب الأمور عن كثب، ففتح الممرات الرئيسية لسير قوافل الإغاثة الانسانية هو نجاحٌ يمكن الدخول عبره الى مفاوضات كانون الثاني/يناير المرتقبة وإن لم يكن يعني الكثير بالنسبة الى تنفيذ اتفاق انسحاب مسلح يقضي بعودة الحياة الطبيعية للمدينة ويجعلها نموذج للسلام.

مؤخراً، طلب الرئيس اليمني عبدربه منصور هادي من حكومته صرف مرتبات الموظفين المدنيين في مدينة الحديدة وفقا لكشوفات عام 2014 وهي خطوة استباقية تؤكد التفسير الحكومي لما نص عليه اتفاق الحديدة، الذي نصّ على أن فرع البنك المركزي في الحديدة هو من سيقوم بجمع الايرادات وتسليم المرتبات، كما ان أجهزة الأمن المحلية هي من ستتولى حماية المدينة ” وفقا للقانون اليمني، ويجب احترام المسارات القانونية للسلطة وإزالة أي عوائق امام السلطة المحلية “، وذكر بالتحديد المشرفين وهم اشخاص يتم تعيينهم من قبل جماعة الحوثي للإشراف على أجهزة الدولة المختلفة وعادة ما يكون لهم السلطة الأقوى لتسيير الأمور بعيداً عن التراتبية الإدارية.

ولكن يمكن وضع أسفل عبارة “وفقا للقانون اليمني واحترام المسارات القانونية للسلطة” أكثر من خط، اذ بدأت جماعة الحوثي تستعد لأن يتولى الجهاز الأمني والمدني الحالي السلطة في الحديدة، وهو الجهاز الذي أحدثت فيه الكثير من التغييرات على مدى السنوات الماضية منذ بدء الحرب، في حين تؤكد الحكومة أن المسارات القانونية تعني أن تتم عودة السلطة المحلية والمؤسسات الأمنية وفقا لما كان عليه الوضع عام 2014، ويتولى الجهاز الأمني مسئولية المدينة بإشراف من وزارة الداخلية في عدن.

من الواضح أن هذه الإشكالية لن يكون لها الاولوية في النقاش قبل ان تحكم الأمم المتحدة سيطرتها على الموانئ والطرق الرئيسية لتضمن أن تخضع المدينة وموانئها لنفوذها, لاسيما عقب المضايقات التي واجهتها الأمم المتحدة والعديد من وكالات الدعم الإنساني التابعة لها من قبل جماعة الحوثي في صنعاء، بالإضافة الى صعوبة تحركها واستقرارها في عدن التي تشهد هشاشة في الحالة الأمنية.

تسير تحركات تنفيذ اتفاق الحديدة نحو تعبيد طريق الأمم المتحدة لتصبح صاحبة نفوذ أقوى من أي وقت مضى، إذ من المتوقع في حال نجاحها في الإشراف على مدينة تنعم بالاستقرار، أن تبدأ بالتفكير بمعالجات للملفات الأخرى المتعثرة وأبرزها الملف الإقتصادي.

إن نجاح الحديدة كمساحة مستقلة يمكن ان يلفت أنظار الجميع للتفكير بأن تكون المدينة هذه الحاضن للبنك المركزي اليمني المتنازع عليه، ومركز رئيسي لإدارة عمليات الاغاثة والمساعدات الانسانية التي باتت أحد المحركات الرئيسية لاقتصاد اليمني بمبلغ يفوق ٤ مليار دولار ومتوقع زيادته خلال المرحلة المقبلة.

 

إقرأ أيضاً:

 مشاورات استوكهولم: الحرب أكبر من الملعب اليمني

إقرأ أيضاً