fbpx

هنا القصة الثالثة

الياس حلاس

الياس حلاس

مقالات الكاتب

الجزائر: ” ثورة الابتسامة “

صنع الجزائريون في الأيام الأخيرة صورة جميلة عبروا فيها للأسبوع الثالث على التوالي عن رفضهم لمنظومة حكم الرئيس الغائب عبد العزيز بوتفليقة. مئات الآلاف بينهم الكثير من النساء اللائي لم يفوتن المناسبات الحقوقية الخاصة بالمرأة لهذا الشهر للمشاركة في هذه المظاهرات الحاشدة للمطالبة بإقامة نظام جديد يكفل للجميع عيشة كريمة في كنف الحرية.

صورة مبهرة بنقائها وإن حاولت بعض الأعمال التخريبية إفسادها حيث عمد مجهولون ومع بداية انصراف المتظاهرين في نهاية يوم التظاهرات الى تخريب المتحف الوطني للآثار القديمة والفنون الإسلامية، كما حصلت مشادات مع قوات حفظ النظام دامت قرابة الساعتين و خلفت حسب بيان للمديرية العامة للأمن الوطني 112 جريحاً في صفوف الشرطة و توقيف 195 شخصاً هم الأن محل ” تحقيقات معمقة”.

تابعنا المظاهرات وسط الجزائر العاصمة حيث تقاطر أفراد بأعداد كبيرة وبثوا روحاً ايجابية واحتفالية مدهشة عبر الساحات العمومية للمدينة..

استمر توافد المتظاهرين من أحياء مختلفة من العاصمة، في تجمعات هائلة أطلق خلالها المشاركون العنان لمشاعرهم فغنوا و رقصوا على أنغام محلية و أخرى ينشدها مشجعو كرة القدم كما رددوا الشعارات القديمة منها والجديدة ورفعوا لافتات لا تحصى تنافسوا في جعلها تصف بدقة الحالة التي جعلتهم يخرجون إلى الشارع للتنديد بفساد منظومة الحكم ورموزها، وقد أغمي على البعض جراء الانفعال.

” يا بوتفليقة، نحن لا نرفضك لأنك مريض، وإنما لأنك رمز الفساد”، هو ما كتب على لافتة تحملها فتاة عشرينية تعيش أول تجربة سياسية لها بخروجها للتظاهر ضد العهدة الخامسة.

أراد المتظاهرون أن تكون الابتسامة عنوان هذا الحراك فكتبت إحدى المتظاهرات على لافتتها ” ثورة الابتسامة” و أبدع الكثيرون في رسم التعابير الهزلية لوصف حجم المظاهرة التي فاق كل التوقعات لجهة حجم المشاركات ولجهة الإبداع في نقد وتصوير الأوضاع..

كتب أحدهم:” ربحت خرجو قاع و الكوزينة فرغت. 30 مليون جزائري راح  يبات بلا عشاء. ابتسم فالحرية قريبة” (هزلت فقد خرجت كل النساء و تركن المطابخ فارغة، سيبيت 30 مليون جزائري بدون عشاء). وكتبت إحداهن :” لا مواعن، لا إزيس حتى ينحولنا هذا الرئيس” (لاغسيل أواني ولا إزيس وهو اسم أحد منتجات غسيل الأواني، حتى تنحية هذا الرئيس)، في حين قالت أخرى:” لا مسفوف لا طعام (لن تأكلوا كسكسا)، حتى يسقط النظام”. في لافتة هذه الأخيرة الكثير من التهكم والتحدي فهو رد لما قاله علي حداد، رئيس منتدى رؤساء المؤسسات، لعبد المالك سلال، المسؤول المخلوع من مديرية حملة بوتفليقة بسبب تسريب تسجيل المحادثة نفسها خلال الأسبوع الثاني للحراك. محادثة حلل فيها حداد دوافع المتظاهرين بطمعهم في المال وتلميحه بإمكانية شراء ذمم الجميع: ” الناس لا يعيرون اهتماما إن كان بوتفليقة أو غيره، هي قضية تمويل و علينا إكثار الكسكس”.

هذا التسريب أثار سخطاً واسعاً ودفع بأعضاء كثيرين في أكبر نقابة لأرباب العمل في الجزائر للانضمام إلى الحراك معلنين عزمهم على القيام بحركة تصحيحية داخل النقابة لتنحيته.    

هل سيفرز الحراك بنية قادرة على وضع خارطة طريق للتغيير ؟

كتب متظاهر آخر على لوحته أن ” الشعب يريد تذوق الحياة”، و شرح آخر أسباب المعاناة:” سباب عذابنا الشياتين لي في بلادنا”(سبب عذابنا هم المتملقون).

يمكن الإشارة إلى عدد غير منته من التعابير المختلفة التي واكبت ردود الأفعال الداخلية والخارجية وأعطت هوية للحراك، نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر:” ابق  بعيدا يا أمريكا، هنا ليس الشرق الأوسط. يا مجرمين الجزائر ليست من شأنكم. تفاعلكم غير مرحب به”، ” لم يبق هناك بترول، اللهم إذا اردتم زيت الزيتون”. بيد أن حماسة هذا الحشد غير المتجانس، الرافض للعهدة الخامسة والمطالب بتغيير النظام لم تسفر لحد الأن عن بروز نخبة جديدة تقوده أو بنية بإمكانها وضع خارطة طريق من أجل التغيير المنشود.

انصهر المتظاهرون تحت شعار ” بطل واحد هو الشعب” الذي ظهر غداة الاستقلال وكان عنوان تلك المرحلة من تاريخ البلد والتي تميزت بصراعات دامية حول السلطة انتهت بتشكيل قيادة جماعية أسست للنظام الحالي الذي لم يتمكن من وضع البلد على سكة التطور ولم يعد قادراً على حل مشاكل الجزائريين المتزايدة. نظام يسير من أزمة إلى أزمة لطالما تم الفصل فيها بشكل من أشكال العنف المختلفة. يعبر المتظاهرون اليوم عن فرحتهم باسترجاعهم للشارع والتظاهر فيه ولا يريدون أن تنتهي هذه النشوة بسرعة، سواء أكانوا مواطنين عاديين أو قيادات سابقة، معارضة منها أو لم تلك التي لم تعد تؤمن باستمرار بوتفليقة ومحيطه في الحكم. لمسنا النفس الاعتراضي على استمرار بوتفليقة في الحكم لدى شرائح مختلفة من المتظاهرين. سارت بقربنا سيدة خمسينية كانت تقود مجموعة من النساء والفتيات يبدو بالنظر إلى لافتاتهن وما تحملنه من أعلام أنهن حضّرن أنفسهن جيداً. أجابت السيدة عن سؤالنا إن كانت تنتمي إلى جمعية أو تنظيم معين وكيفية التحضير للمظاهرة قائلة: ” نحن من الشعب الجزائري و لا ننتمي لأي تنظيم، هناك بطل واحد هو الشعب”.

كان رد أحمد بن بيتور الذي التقينا به في المسيرة الأخيرة مماثلاً ولو أنه جاء بلغة أكثر احكاما.وبن بيتور كان رئيساً للحكومة في بداية عهد بوتفليقة قبل أن يستقيل ويصبح من الشخصيات المعارضة، وكان لافتاً أنه لم يقابل بسلبية من المتظاهرين كما حصل مع شخصيات معارضة أخرى مثل القيادية لويزة حنون و المرشح للرئاسة علي غديري الذين هتف بعض المتظاهرين ضدهما بعبارات ” ارحل، ارحل”. ولدى سؤالنا لبن بيتور عن تصوره لمستقبل الحراك قال إنه  يقاسم الشعب تطلعاته و أنه لا يريد أن يظهر كمن يريد الاستحواذ على حراكه و إن كان لديه رأي في الموضوع. رأي كان قد أبداه في اجتماع للمعارضة نُظم قبل يوم من التظاهرات الأخيرة في مقر حزب طلائع الحريات الذي يرأسه علي بن فليس وهو رئيس حكومة سابق. اجتماع تُوج ببيان وقعه 15 حزباً و4 نقابات و35 شخصية، دعوا فيه ل ” الدخول في مرحلة لتهيئة المناخ والإطار القانوني لتوفير الشروط الضرورية لتثبيت حرية الشعب في الاختيار”.

موقف مماثل استقيناه في بدايات الحراك ممن أجابوا عن اسئلتنا من فئات أخرى مثل محامين وأساتذة جامعيين، فالكثير منهم لم يرد أن يظهر كمتحدث باسم الجماعة التي ينتمي إليها أو البروز في واجهة الحراك.

يظهر هكذا الحشد ككتلة تكبر يوماً بعد يوم وتستقطب عناصر جديدة، من المعارضة وأخرى كانت مساندة لبوتفليقة، تنصهر فيها وهي مترددة في فرض نفسها. يعطيها الانتماء إلى ” الشعب البطل” إحساساً بالطمأنينة، فقد التحق كثر من الموظفين ممن كانوا يتحججون بواجب التحفظ وأعلن تنظيم للقضاة عن رفض المنتسبين إليه تأطير الانتخابات الرئاسية المقبلة. كلها مؤشرات على الذهاب نحو العدول عن مشروع العهدة الخامسة وإلغاء هذا الموعد الانتخابي للثامن عشر من نيسان/ابريل القادم وهو مطلب الحراك الأول و لكنه ليس غايته. فلا يمكن حشد الناس لغاية في حد ذاتها لأن الحشد لا يستطيع المثابرة إلى أجل غير مسمى. وفي غياب بنية تفاوض على خارطة طريق باسم الحراك الشعبي، سيشرف النظام الحالي على تسيير المرحلة الانتقالية ينتقي فيها من يشاء لفرض أجندته وتنظيم انتخابات المجلس التأسيسي الذي من شأنه أن يعيد ترتيب السلطات أو بالأحرى إعادة ترتيب بيت النظام القائم بإزاحة الوجوه التي سئم منها الشارع وصب غضبه عليها خلال المظاهرات.

تجدر الإشارة أن العطلة الربيعية لطلبة الجامعة قد تم تمديدها رسمياً،  وجرى غلق مطاعم الإقامات الجامعية من أجل منع الطلبة من التجمع في الجامعات والتظاهر خلال أيام الأسبوع، الا أن الطلبة يحاولون أن ينظموا أنفسهم من أجل الردّ على هذا الاجراء. إذ تنتشر على مواقع التواصل الاجتماعي شعارات جديدة يرفضون فيها، في سابقة من نوعها، تمديد العطلة كهذا الشعار الذي يقول :” و احد ما يسيف عينا العطلة”  (لا أحد يفرض علينا عطلة)…

الجزائر: التظاهرات تتوسع فهل سيتمكن المحتجون من فرض واقع جديد ؟

إقرأ أيضاً