fbpx

هنا القصة الثالثة

الياس حلاس

الياس حلاس

مقالات الكاتب

الجزائر تغلي وتتغير: ” بوتفليقة رايح رايح، ادي معاك قايد صالح”

لم يجتمع المجلس الدستوري لدراسة مقترح رئيس أركان الجيش الجزائري، الذي أوصى الثلاثاء الماضي بتنحية الرئيس بوتفليقة، لتسهيل تنظيم المرحلة الانتقالية ولم يتنحَ بوتفليقة من تلقاء نفسه. بل نتج عن ذلك صراع داخل النظام هيج الشارع، انتهى بتعيين حكومة تصريف أعمال، حافظ فيها رئيس أركان الجيش على منصبه، نائب بوتفليقة في وزارة الدفاع.

انقسم الشارع في بادئ الأمر بين مؤيد ومعارض لمقترح رئيس أركان الجيش أحمد قايد صالح، الذي طرح تفعيل المادة 102 من الدستور، حلاً للخروج من حالة الانسداد السياسي الحاصل في الجزائر، والشروع في تنظيم المرحلة الانتقالية، وهي المادة التي تقضي بتنحية بوتفليقة من السلطة. لكن سرعان ما اضطرب الوضع بفعل وابل من الأخبار المضللة، انتشرت عبر قنوات إخبارية محسوبة على زمرة الرئيس بوتفليقة، ألهبت مواقع التواصل الاجتماعي في سياق مناقشة آليات تطبيق مقترح رئيس أركان الجيش وامتد أثرها إلى الشارع.

فعلاً، خرج الجزائريون في سادس جمعة للحراك المستمر منذ 22 شباط/ فبراير، مصممين على إسقاط منظومة حكم بوتفليقة واسترجاع سيادتهم كمصدر وحيد للسلطة وكان خروجهم بالكثافة ذاتها أو أكثر، بخاصة في الجزائر العاصمة، حيث رددوا شعارات وكتبوا لافتات تعكس تطور الوضع وتحاور السلطة بما يعبر عن مواقف المحتجين مما يحدث وبخاصة مقترح رئيس أركان الجيش، الذي أخذ المبادرة بسبب ارتباك الأحزاب وعدم قدرة الحراك على تقديم ممثلين ومقترحات عملية لتنظيم الانتقال. وإذ كانت تتالت ردود فعل إيجابية كثيرة بعد إعلانه ما يراه مناسباً للخروج من الأزمة السياسية، إنما سرعان ما أخذت منحى آخر.

تابعت “درج” المتظاهرين يوم الجمعة في مدينة قسنطينة العتيقة، عاصمة الشرق الجزائري، حيث خرجوا بالآلاف. وإن لم يكن تواترهم بالحدة ذاتها في هذه المدينة التي قال عنها الرئيس الراحل هواري بومدين أيام حكمه إنها “الحذاء الذي لم يكن على مقاسه”، كما كان أخف من الأسابيع الماضية وفق كثر منهم، فإنهم رفعوا الشعارات ذاتها التي هتفت بها المدن الأخرى، للمطالبة بالديموقراطية وبناء دولة القانون. من الشعارات ما هو رافض لمقترح الجيش، فكثيرون يحسبونه من عصابة الرئيس وحاميها. ويرى آخرون في هذا المقترح أقصر طريق لتنظيم الانتقال، شريطة أن يتكفل الجيش بحماية هذا المسار من آل بوتفليقة وأن لا يتدخل فيه. وهكذا كان الشارع القسنطيني بين متطرف يدعو رئيس الأركان وبوتفليقة إلى الرحيل مع العصابة الحاكمة كبها: “بوتفليقة رايح رايح، ادي معاك قايد صالح” (أنت راحل يا بوتفليقة فخذ معك قايد صالح)، أو مباشرة ” قايد صالح ارحل“. وهناك من لم يخاطبوا قايد صالح الشخص وإنما المؤسسة العسكرية: ” نطالب المؤسسة العسكرية بإزاحة العصابة الحاكمة” منبهين إلى أن الجيش جيش الشعب وحاميه وليس له أن يُختزل في قائده الذي ربما يشكل جزءاً من المشكلة.

إلى جانب الحماسة والعزم على عدم العودة إلى الوراء حتى تحقيق الأهداف، هناك الكثير من المخاوف. قال سيف الدين بوكرو، و هو فنان كوميدي شاب في مسرح قسنطينة، إن ” الأمر ليس بالسهولة التي يتوقعها البعض ويجب الحذر من الحلول المقترحة من النظام لتفادي إعادة السيناريو المصري في الجزائر ومصادرة الإرادة الشعبية من طرف الجيش“. وأضاف: “هناك أعداء كثر للحراك وما أتى به من مطالب لا يرضي من ارتبطت مصالحه بالنظام الذي له جذور وامتدادات في الداخل والخارج، ومنهم من يتظاهر ضده. وإن كنت لا أريد التشكيك بنياتهم، ولكن لن يتخلى كل هؤلاء عن مصالحهم بسهولة. كذلك لا أدري إن أصبح الإسلاميون يؤمنون بالديموقراطية فجأة“.  

يجدر هنا التنبيه إلى أن أحد أهم أسباب هذا الشرخ في موقف الشارع هو ضرب صدقية رئيس أركان الجيش بأخبار متواترة أولها “اختطاف” مزعوم لصاحب قناة ” الشروق” الإخبارية علي فوضيل الذي أوقفته المخابرات يوم الأربعاء الماضي، أي بعد إلقاء قايد صالح خطابه الذي اقترح فيه إعلان حالة شغور منصب بوتفليقة.

“ارحل بعد أن ترحلهم”

وصف علي فوضيل الاختطاف المزعوم كعملية استعراضية في مكان لا يخلو من المارة والسيارات، حيث أوقفه عدد من المسلحين بزي مدني قبل أن يأخذوه معهم إلى مركز الأمن الداخلي للعاصمة المعروفة في الجزائر بثكنة عنتر. وصف يُقدم المخابرات الجزائرية كجهاز يهوى ترك هدفه للوقت اللازم حتى يعلم الرأي العام ما حصل من خلال قناته التلفزيونية، ويأمر بترتيب منصات تناقش أسباب اعتقاله، وتبرزه كمعارض لنظام بوتفليقة ومناضل ضد الفساد وهو صاحب القنوات التي غابت عن تظاهرات 22 شباط المنصرم. وكانت قبل هذا التاريخ إحدى دعاة العهدة الخامسة وكانت تقدم بوتفليقة على أساس أنه الحل لمشكلات الجزائريين، قبل أن تنصب نفسها “صوتاً للحراك“.

كرست قناة علي فوضيل في ذلك اليوم حيزها لهذا ” الاختطاف” المزعوم، وأدلى هو شخصياً بتصريح عقب خروجه من ثكنة عنتر، شكر فيه قايد صالح على تدخله من أجله، قاطعاً على حد قوله اجتماعاً مهماً مع قيادات الناحية العسكرية الرابعة. خلف هذا التصرف انطباعاً بعدم تحكم قايد صالح في المؤسسة العسكرية وضرب صدقيته كضامن لمقترحه الهادف إلى وضع حد لحالة الانسداد. فإذ يتمتع عناصر الأمن الداخلي، وهو إحدى مصالح المخابرات، بصفة الضبطية القضائية، ويسمح لهم قانون الإجراءات الجزائية بالتوقيف للنظر في إطار التحقيقات الابتدائية وإخطار وكيل الجمهورية في حال تجاوزت مدة الحجز 24 ساعة، بقي مالك “الشروق” ساعتين في المركز حيث سئل على حد قوله، عن تصريحاته ضد أخ الرئيس ومجموعة من رجال الأعمال المقربين منه وعما إذا كان يملك أدلة تثبت اتهامات الفساد الموجهة إلى هؤلاء.

تواصل صراع عصب النظام على الساحة الإعلامية طيلة عطلة نهاية الأسبوع. فبعد مظاهرات الجمعة الحاشدة، كان يوم السبت مشحوناً باتهامات خطيرة طاولت مسؤولين حاليين وسابقين.

فعلاً، شهد يوم السبت اجتماعاً لأركان الجيش، حضرته قيادات المؤسسة العسكرية لمناقشة الوضع، وجاء في البيان الصادر عن هذا الاجتماع، من بين أشياء أخرى، تحذير ضد محاولة زعزعة استقرار البلاد قُصدت فيه مجموعة من الأفراد لم تُذكر أسماؤهم، وكانت معلومات قيادة الأركان تشير إلى اجتماعهم من أجل وضع خطة عمل تبطل مقترح الجيش بتفعيل المادة 102 من الدستور.

بعد إصدار هذا البيان، سارعت قناة ” الشروق نيوز” المملوكة لعلي فوضيل إلى شرحه والكشف عن أسماء زعمت أنها المقصودة بانتمائها للمجموعة المذكورة فيه. وربطت القناة لقاء الرئيس السابق ليامن زروال مع شقيق الرئيس سعيد بوتفليقة ورئيس جهاز المخابرات عثمان طرطاق المدعو بشير ومدير المخابرات السابق الجنرال محمد مدين المدعو توفيق، بالمجموعة التي ذكرها بيان الجيش. لم يُكشف عن محتوى اللقاء المنعقد مساء الجمعة والذي قدم على أساس أنه يندرج في إطار المشاورات القائمة حول تفعيل المادة 102، فقد طُرح اسم ليامين زروال كواحد ممن تراهن عليهم المؤسسة العسكرية لتحقيق الإجماع من أجل قيادة تنظيم الفترة الانتقالية. بيد أن القناة ألحت على حضور ضباط مخابرات فرنسيين فيه وهو تلميح إلى قيام مسؤولين بمستوى المذكورين بالتآمر على الجيش. وبثت القناة ليلاً خبراً كاذباً مفاده أن هناك انتشاراً مكثفاً لقوات الدرك الوطني في الجزائر العاصمة وقد وقف “درج” على زيفه من خلال جولة ليلية في المدينة.

أثار هذا الخبر الذي يوحي بحدوث انقلاب عسكري، فضول كثيرين من سكان العاصمة وسخطهم. وخرج كثيرون منهم وتظاهروا بعد تجمعهم في بعض الساحات العمومية، ونُشرت فيديوات على منصات التواصل الاجتماعي للتعبير عن مواقفهم. كانت الشكوك تساور الجميع في هذه التظاهرات الليلية. بعضهم يتهم الآخر بأنه مندس وأنه خرج بإيعاز ليهتف باسم قايد صالح و”جيش وشعب، خاوة خاوة” (إخوة). وندد السواد الأعظم بتمثيلية أخرى وقال أحدهم: ” يا قايد صالح، هذه الأفلام الهندية لا تجدي معنا، إن كان ما قالته قناة الشروق صحيحاً، فهذا يتطلب منك توقيفهم وتقديمهم أمام المحكمة العسكرية بتهمة الخيانة العظمى التي عقوبتها الإعدام وليس ذكر أسمائهم في وسائل الإعلام. الحقيقة هي أنك واحد منهم وأنت من يحميهم، فإذا أردت الاصطفاف إلى جانب الشعب، فأكمل مزيتك وارحل بعد أن ترحلهم“. في اليوم الموالي (الأحد) تواصل وابل الأخبار عن توقيف رجال أعمال مقربين من بوتفليقة، غابت فيها المصادر المعلومة ولا يمكن التمحيص فيها كلها ولم يعد أحد يصدق شيئاً مما يعرض عليه. وعلق الزميل الصحافي حمدي بعالة على ذلك بمنشور في “فيسبوك” قائلاً: “شيئان اثنان نحن على يقين منهما في هذا اليوم المملوء بالدعاية والشائعات: بوتفليقة لا يزال رئيساً، ولا يزال الحاج غرمول يقبع في السجن بسبب رفعه لافتة نهاية كانون الثاني/ يناير الماضي، كتب فيها “لا للعهدة الخامسة“”.

انتهى هذا اليوم بإعلان رسمي عن تشكيل حكومة تكنوقراط مكونة من 27 وزيراً، لتصريف الأعمال، حافظ فيها رئيس أركان الجيش أحمد قايد صالح على منصبه نائباً للرئيس بوتفليقة في وزارة الدفاع بعد أن هيج الشارع بمقترحه القاضي بتفعيل المادة 102 من الدستور، والتي تنص على إعلان حالة شغور منصب الرئيس العاجز. وإذ يتشبث هذا الأخير وعصابته بالسلطة، كما أعلن تشكيل الحكومة هدنة داخل النظام، فقد قايد صالح صدقيته لدى الشارع تماماً. وكان رد المتظاهرين، الذين خرجوا بالمئات في الجزائر العاصمة مباشرة بعد إعلان تشكيلة الحكومة، هاتفين تحت المطر بشعارات مناهضة للنظام، واضحاً: ” كل يوم مسيرة، كل يوم مسيرة، ماراناش حابسين” (كل يوم مسيرة، لن نتوقف) وكذلك: “يتنحاو قاع” (نطالب بعزلهم كلهم). وبالنظر إلى ما حصل، يشمل ذلك رئيس أركان الجيش قايد صالح.

لحظات حاسمة في مسار حراك الشارع الجزائري

إقرأ أيضاً