fbpx

هنا القصة الثالثة

فيكين شيتريان

فيكين شيتريان

مقالات الكاتب

الثورة المستمرة في أرمينيا

لا تزال موجة الثورة مستمرة في أرمينيا، إذ يواصل المجتمع غليانه بحماسة ثورية. فقد يلتقي زوار العاصمة الأرمينية يريفان مع المتظاهرين في شارع أبوفيان الذين يرددون “كاهن جديد لأرمينيا جديدة”، مطالبين باستقالة رئيس كنيسة الأرمن الأرثوذكس- الكنيسة الرسولية الأرمنيّة- كاريكين الثاني، الأمر الذي من شأنه أن يعرض النظام القديم للخطر بشكل كبير من الناحية السياسية. كما يُطالب طلاب جامعة ولاية يريفان الحكومية باستقالة رئيس الجامعة أرام سيمونيان، متهمين إياه بالسماح باعتقال الطلاب الناشطين في الحرم الجامعي خلال الثورة. وقد وصلت الموجة الثورية إلى جمهورية مرتفعات قرة باغ، حيث طالب نشطاء المعارضة باستقالة رئيس جمهورية قرة باغ الجبلية باكو ساكيان، وإصلاح قطاع الأمن الذي ظل يتعامل لفترة طويلة كما لو كان فوق القوانين.

السؤال المطروح الآن هو ما نوع التغييرات التي ستنجح القيادة “الثورية” في تقديمها؟ فقد جمع رئيس الوزراء الجديد نيكول باشينيان حكومته، التي تتألف بشكل أساسي من المثقفين الحضريين، من بينهم: صحافيون سابقون ومحاضرون جامعيون ونشطاء من المجتمع المدني. بينما كانت الوزارتان اللتان بقيتا من دون تغيير كبير هما وزارتا الدفاع والشؤون الخارجية، اللتان ظلتا تحت سيطرة الموظفين الذين يشغلون وظائف دائمة. إلا أن هذه القيادة غير المتجانسة لم تظهر بعد تماسكها. إذ إنهم لا يمثلون سوى مجموعة من الأشخاص ذوي التوجهات الإيديولوجية المختلفة – من الديموقراطيين الاشتراكيين إلى الليبراليين- وهم متحدون حتى الآن معاً في معارضتهم النظام القديم. ومع ذلك، فمن غير المؤكد أنهم يمثلون مجموعة متماسكة. إذ تكشف استقالة وزيرة العمل والشؤون الاجتماعية ماني تانديليان، بعد أقل من شهر من تعيينها، عن هشاشة واضحة. إلا أن هذا الضعف الجوهري المُتأصل في الإدارة الجديدة يعزز الدور المركزي الذي يلعبه باشينيان بشخصيته المؤثرة.

يركز باشينيان جهوده على إحداث تحول ثوري في المشهد السياسي في أرمينيا

 

كشف باشينيان مرة أخرى عن قدرته على التعلم من الماضي والتغيير. فقد كان قادراً على التحول من مجرد صحافي إلى ناشط مُعارض ثوري، وبعد ذلك أصبح زعيماً للمعارضة. عندما التقينا به في مبنى الحكومة كان يرتدي بدلة وربطة عنق، بدلاً من الزي العسكري المموه المكون من قبعة وقميص والذي اعتاد ارتداءه خلال أيام الثورة، ومع ذلك فقد أبقى على لحيته من الأيام الثورية. قال باشينيان: “في الميدان (خلال الاجتماعات الجماهيرية أثناء الثورة) أثيرت مشكلات؛ ونحن نسعى هنا جاهدين لحلها”. وعندما أثيرت مسألة مشاركة المرأة في الحكومة الجديدة التي تبدو مماثلة لتلك التي كانت عليها أرمينيا القديمة، إذ لم يتجاوز عدد السيدات في الحكومة اثنتين من بين 17 وزيراً، أجاب قائلاً إن النساء والشباب هما الدعامتان اللتان ترتكز عليهما الثورة، وعلى رغم أنهما ينشطان للغاية في الحركة المدنية، إلا أنهما غائبان عن المجال السياسي. ورأى أنه مقتنع بأن دور المرأة في الحياة السياسية آخذ في الصعود.

يُعد التقيد بالقانون الأمر الاستثنائي الذي يُميز الثورة المخملية في أرمينيا. إذ لم يحاول الثوار الإطاحة بالنظام القانوني القائم، بل الاستيلاء على السلطة من خلاله، على رغم قولهم إن الإصلاح الدستوري الأخير صُمم ليلائم احتياجات رئيس الدولة السابق سيرج سركيسيان. إلا أنه يمكن تفسير هذا التشريع بأهداف الثورات التي تنطوي على: إرساء حكم القانون، ومحاربة الفساد. كما يحسب لباشينيان توجهه إلى عدم إجراء انتخابات على الفور، إلا أن الوعد بإجرائها في غضون عام واحد هو أمر إيجابي أيضاً. وذلك لأنه إذا أُجريت الانتخابات في الوقت الراهن، فإن حزبه سيفوز بأكثرية ساحقة في البرلمان، ما يحول البلاد مرة أخرى إلى “ديموقراطية الحزب الواحد”. بدلاً من ذلك، باختيار تأجيل الانتخابات، أوضح باشينيان أن ذلك لن يساعد الأحزاب السياسية الأخرى على إعادة تنظيم صفوفها فحسب، بل سيعطي أيضاً الفرصة للمواطنين لرؤية عمل القيادة السياسية الجديدة بحيث يكون التصويت قائماً على أساس الرأي المستنير بدلاً من النشوة الثورية.

انطوى هذا الخيار المزدوج لاحترام الإطار القانوني الحالي وعدم إجراء الانتخابات إلا بعد مضي عام على تغيير النظام، على بعض المخاطر، لأن الحزب الجمهوري الحاكم سابقاً هيمن على البرلمان. ومع ذلك، بمجرد خروجه من السلطة، تبين عدم تماسك الجمهوريين وافتقارهم إلى التنسيق، وسرعان ما فقد ممثلوهم في البرلمان أكثريتهم بسبب فرار كثيرين منهم من ذلك الواجب الوطني. وقد مثل ذلك فرصة سانحة لسعي باشينيان إلى تفكيك النظام القديم بخطوات سريعة، بدءاً من إطلاق سراح السجناء السياسيين.

يبدو باشينيان وكأنه مصلح ثوري عندما يتعلق الأمر بالنظام السياسي الأرميني، ولكنه في الوقت ذاته سياسي محافظ عندما نرى سياسته الخارجية التي تقوم على الاستمرارية.

 

بعد خمسة أسابيع من تولي باشينيان قيادة الدولة، داهمت الشرطة في مدينة فاغارشابات التابعة لمقاطعة أرمافير منزل عضو البرلمان عن الحزب الجمهوري و”بطل” حرب قرة باغ مانفيل غريغوريان. اكتشفت الشرطة كمية كبيرة من الأسلحة، ومجموعة ضخمة من السيارات الفارهة والنقود ووثائق الملكية، إلا أن الأمر الذي سبب صدمة كبيرة للرأي العام الأرمني هو العثور على كميات ضخمة من الأغذية المعلبة التي جمعها أطفال المدارس خلال حرب عام 2016 لإرسالها إلى الجنود الذين قاموا بحراسة الخطوط الأمامية. كما وُجدت بجانب الصناديق التي حوت تلك المساعدات الإنسانية، رسائل مكتوبة بخط اليد من تلاميذ المدارس موجهة إلى الجنود. ووصلت معنويات الجمهوريين إلى مستوى متدنٍ، كما تراجع احترام الرأي العام لهم. فقد كانت الرسالة واضحة: سوف تحقق الثورة وعودها وتقضي على الفساد. وكما قال لي باشينيان خلال المقابلة التي أجريتها معه، إن “خطة عملي قد قررها الشعب الأرميني”.

بينما يركز باشينيان جهوده على إحداث تحول ثوري في المشهد السياسي في أرمينيا، فإنه يبذل جهوداً استثنائية للحفاظ على استقرار العلاقات الخارجية لأرمينيا، وبشكل أساسي مع روسيا. في الماضي، انتقد باشينيان الخيارات السياسية التي انتهجتها النخبة القديمة، وبالتحديد إخضاع أرمينيا للنفوذ الروسي، ولا سيما بعد انضمامها إلى الاتحاد الاقتصادي الأوروآسيوي عام 2014. ومع ذلك، بمجرد أن اعتلى باشينيان السلطة، كثف الجهود لإقناع القادة الروس بأن الثورة المخملية تهدف إلى إحداث تغيير داخلي، وليس عليها أن ترى فيها أي سعي نحو نشوب صراعات جيوسياسية. ففي غضون أسابيع قليلة، سافر باشينيان مرتين إلى روسيا والتقى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، في حين زار وزير خارجيته الجديد، زُهراب ميناتساكانيان، موسكو للاجتماع مع نظيره سيرغي لافروف. وما يثير الفضول أن باشينيان سيكون رئيس الاتحاد الاقتصادي الأوروآسيوي عام 2019.

وفي ما يتعلق بالصراع في قرة باغ، اتخذ باشينيان ما يبدو أنه موقف متشدد، من خلال الإصرار على مشاركة ممثلي سلطات إقليم ناغورني قره باغ في مفاوضات السلام. فحتى أواخر التسعينات، لم تشمل مفاوضات قرة باغ الدبلوماسيين من كل من أرمينيا وآذربيجان فحسب، بل ضمت أيضاً ممثلين عن قرة باغ. ففي ظل الرئيسين السابقين كوتشاريان وسركسيان، هُمِّشت قرة باغ أثناء عملية المفاوضات. كما أوضح باشينيان أنه في حين أن كل من كوتشاريان وسركسيان- اللذين ينحدران من إقليم قرة باغ واللذين شغلا مناصب سياسية قيادية هناك قبل أن يصبحا رئيسين لأرمينيا – تظاهرا بأنهم يمثلان رأي قرة باغ، فإنه لا يستطيع أن يدعي تمثيل رأي قرة باغ كما فعل من سابقيه. فضلاً على ذلك، قد يرغب باشينيان في إظهار أنه قد يكون صعب المراس أثناء مفاوضات قرة باغ، رداً على أحد الانتقادات الرئيسية التي أثيرت ضده من قبل أعضاء الحزب الجمهوري.

يبدو باشينيان وكأنه مصلح ثوري عندما يتعلق الأمر بالنظام السياسي الأرميني، ولكنه في الوقت ذاته سياسي محافظ عندما نرى سياسته الخارجية التي تقوم على الاستمرارية. وليس هناك غموض في ذلك، لأن أرمينيا لا تملك هامشاً كبيراً يُمكّنها من إحداث تغيير في السياق الدولي حيث تهيمن النزعة المحافظة، إن لم تكن التيارات السياسية الرجعية. سيتوقف عزمه على التركيز في إجراء إصلاحات داخلية إلى حد كبير على نجاحه في الحفاظ على استقرار العلاقات الخارجية لأرمينيا – بخاصة مع الدول المجاورة – روسيا وآذربيجان وتركيا. وستعتمد شعبيته الداخلية أيضاً على ما إذا كانت تلك الإصلاحات الحالية ستؤدي إلى تغيرات مادية وملموسة بين سكان أرمينيا، ولا سيما بين الطبقات الاجتماعية التي تتجاهلها الدولة منذ أكثر من عقدين من الزمن.

 

إقرأ أيضاً