الثورة اللبنانية في لوحات سورية

علاء رشيدي – كاتب سوري
ديسمبر 1, 2019
لم يكن السوريون بمعزل عن دائرة الاهتمام اللبنانية، بل هم كانوا في صلبها، وهنا مقاربة لكيف عبر فنانون سوريون عن تفاعلهم مع مشاهد وشعارات وديناميات الاحتجاجات في لبنان ...

تردد صدى الانتفاضة اللبنانية لدى كثر ممن تابعوها واهتموا بها سياسياً واجتماعياً وثقافياً. 

لم يكن السوريون بمعزل عن دائرة الاهتمام بل هم كانوا في صلبها، وهنا مقاربة لكيف عبر فنانون سوريون عن تفاعلهم مع مشاهد وشعارات وديناميات الاحتجاجات في لبنان …

ما لبثت الانتفاضة اللبنانية أن بلورت بعض هتافاتها وشعاراتها، حتى طالعنا الخطاط السوري منير الشعراني بلوحته بالخط العربي التي حملت شعار “كلهم يعني كلهم”، أحد أبرز شعارات الاحتجاجات المستمرة منذ 17 تشرين الأول/ أكتوبر على كامل الأراضي اللبنانية. عند النظر إلى الاقتراح الفني التشكيلي الذي يقدمه الشعراني على هذه العبارة التي تشكلت كمطلب احتجاجي، نتلمس قدرة اللوحة على تحويل الشعار الخارج حديثاً من مطبخ الثقافة العربية ليجعله عبارة أصيلة في التراث والفن والثقافة العربية، فالناظر إلى هذه اللوحة يشعر وكأن الشعار المستجد والمعاصر والآني، أصبح يمتلك أصولاً تراثية، شعرية، وحتى دينية في ماضي الثقافة العربية.

إضافة إلى التقنيات التشكيلية والجماليات الحروفية تتميز أعمال (منير الشعراني) بالاختيار الدقيق للعبارات المخطوطة داخل لوحاته، والتي تحمل عمقاً في المعاني، والتي غالباً ما تكون مستمدة من الأقوال المأثورة، من الشعر العربي والآيات القرآنية. وكما كتبت الناقدة عهد كلاس، “هو يدفع الناظر إلى لوحته لتأمل جمالي، ولكن أيضاً لتأمل فكري ومعرفي لمعاني العبارات المخطوطة”. لكن هنا، حين يختار الشعراني أن يجعل من شعار “كلهم يعني كلهم” موضوعاً للوحته، فإنه بالتالي يرفع هذا الشعار المطلبي الجماهيري إلى مصاف المقاطع الشعرية أو المقولات التراثية التي طالما عود عين المتلقي عليها في لوحاته.

مع امتلاء الساحات اللبنانية بالمتظاهرين، بدأت الفنانة مريم سمعان تقدم مجموعة من الرسومات، أطلقت عليها عنوان “خربشات ثورية” 

هذا ما يدفع إلى القول إن الشعراني، وعبر عمله الفني، حوّل الهتاف المطلبي “كلهم يعني كلهم”، إلى قصيدة شعرية أو اقتباس أدبي. وقدم الشعراني لوحة أخرى هي: “مع شعب لبنان”، وهي عبارة كان أيضاً قد خطط مثيلاتها عند قيام الاحتجاجات الجزائرية والعراقية والإيرانية، كما خصص سابقاً الكثير من أعماله لدعم الثورة السورية، والتي لا يسع المجال لذكرها في هذا النص. يدفع ذلك للقول إنه الخطاط العربي الأكثر التزاماً بفنه في القضايا السياسية والاجتماعية للشعوب والمجتمعات العربية، إذ يملك تلك الحساسية السريعة في إيصال صوت القضايا إلى اللوحة.

الثورة بين الجماهير والمرأة

مع امتلاء الساحات اللبنانية بالمتظاهرين، بدأت الفنانة مريم سمعان تقدم مجموعة من الرسومات، أطلقت عليها عنوان “خربشات ثورية”، وبدت كأنها تتبع أسلوب اليوميات الثورية عبر صفحتها على “فيسبوك”. كانت رسمة البداية بعنوان “ساحة الشهداء” تتضمن كتلة بشرية متراصة، تشكل هرماً من الأجساد البشرية المحتشدة التي ترفع العلم اللبناني. يمكن اعتبار أن اللوحة تتألف من عنصرين تشكيليين، الجسد الإنساني، والعلم اللبناني، لكن نوعية الخطوط التي رسمت بها اللوحة، وتراص الكتلة التشكيلية يوحيان بالحيوية والإثارة والصخب في الانتفاضة الشعبية. 

في الثلاثية التالية بعنوان “شوارع بيروت” تستبدل الفنانة الأجساد البشرية، بالبورتريهات. يصبح كل متظاهر عبارة عن وجه، هذا ما سمح بحضور شخصيات أكثر من حضور الجمع البشري، وأصبحنا نميز بين حضور ذكوري وحضور أنثوي، ونميز الانفعالات بين الحالم، الغاضب، المدهوش، المتحمس، وامتلأت الرسوم بتنوع لوني لافت، كما استمر حضور العلم اللبناني كرمز للحراك الشعبي. والإضافة الأخيرة التي حملتها هذه الرسومات هي ظهور عبارات مكتوبة داخل اللوحة، مثل: “كلهم يعني كلهم”، “ثورة كرامة”، كما خصصت الفنانة رسمة لتحية الجيش اللبناني وحضرت فيها إضافة إلى الجماهير المنتفضة، بورتريهات لأشخاص يرتدون قبعات عسكرية وظهرت في اللوحة عبارة: “كلنا للوطن للعلا للعلم”، للإشارة إلى أهمية النشيد الوطني اللبناني في التظاهرات الجماهيرية.

رسومات مريم سمعان كانت تتفاعل مع الحدث اليومي في الحراك اللبناني، فنجد تلك الرسمة التي خصصتها ليوم هطول المطر الأول على المتظاهرين بعنوان: “شتي يا دنيا تتزيد ثورتنا وتحلى”. يحضر في هذه الرسمة اللون البنفسجي للتعبير عن المطر، وكتبت داخل الرسمة عبارات من قبيل “مكملين بالساحات تحت المطر”، كما حضرت المظلة المطرية إلى جانب أيدي المتظاهرين المرفوعة. 

من الإضافات التي يقدمها الفنان محمد المفتي على رسومات التظاهرات اللبنانية هو حضور بيروت داخل اللوحة، ليس تجريداً، بل تمثيلاً.


لكن المضمون الأهم الذي قدّمته مريم سمعان في رسوماتها هي موضوعة مشاركة المرأة وحقوقها. رسمة مشاركة المرأة بعنوان “الثورة أنثى” يظهر فيها لأول مرة اللون الأصفر وفيها بورتريهات نسائية. أما عن حقوق المرأة فرسمت لوحة أخرى بعنوان “جنسيتي كرامتي”، هنا لا تكتفي الفنانة بتجسيد حضور المرأة في التظاهرات الشعبية، بل أيضاً تركز على واحدة من قضايا المساواة المعروفة، وهو التمييز القائم على الجنس في قانون الجنسية اللبناني الذي يفرق بين المواطن والمواطنة التي لا يحق لها منح جنسيتها لأبنائها في حال زواجها من رجل غير لبناني، ما يعتبر تمييزاً ضد المرأة وخرقاً لقواعد المساواة في الدستور وفي شرعة حقوق الإنسان.

الثورة، من لحظة راهنة إلى حدث تاريخي

من الإضافات التي يقدمها الفنان محمد المفتي على رسومات التظاهرات اللبنانية هو حضور بيروت داخل اللوحة، ليس تجريداً، بل تمثيلاً. فتمثل لوحته بعنوان “أمنيزيا” بناء ساحة سينما البيضا في وسط بيروت، البناء المعماري المتميز المهمل، على رغم ندرته المعمارية. إن المدينة بيروت هنا ممثلة بهذا البناء، طبقاته كأنها عينة عن أبنية بيروت، ويظهر البناء في الصورة يعج بالحضور البشري، ما يوحي بالكثافة الشعبية الحاضرة في التظاهرات. في تقشف لوني بين الأبيض والرمادي، يستعمل المفتي أيضاً العلم اللبناني للتعبير عن المرحلة والحدث السياسي والاجتماعي الراغب في تجسيده في اللوحة، والذي يظهر أيضاً بوضوح هو اليد، فيرمز الفنان برسم الأيادي إلى الحضور البشري أيضاً. هي أكف مرفوعة مفتوحة إلى السماء، توحي بالاعتراض، بالتشارك، بالتصفيق، بالصوت الصادح.

كذلك الأمر في لوحته (أكتوبر في لبنان)، تحضر بيروت المدينة عبر الإشارات الطرقية- المرورية، التي تدلل على اتجاهات الشوارع، ويحضر العلم اللبناني والأيدي البشرية الصادحة. لكنها تحمل عناصر جديدة، فتحضر النار بالإشارة إلى إشعال الإطارات، والطناجر أيضاً التي استعملت لتوليد ضجيج في التظاهرات، واستعملتها الفرق الموسيقية كنوع من موسيقى الثورة. ومن بين الشعارات والهتافات التي حملتها الاحتجاجات اللبنانية، اختار المفتي عبارة يرفعها لافتة داخل اللوحة تقول: “ويلٌ لأمةٍ كان جبرانها خليل، وأصبح جبرانها باسيل”، عبارة تمنح الثورة بعداً ثقافياً، وتعلي قيمة الأديب اللبناني جبران خليل جبران، وتجعله فخراً وطنياً ثقافياً مقابل رجالات السياسية.

الأسلوب الفني الذي يعتمده المفتي في خياراته اللون، أو ضربات الفرشاة توحي بأن اللوحة صورة فوتوغرافية مستخرجة من حقيقة تاريخية في الماضي، أسلوب لوحاته يحول التظاهرات اللبنانية من حدث آني لحظي إلى حدث تاريخي. هذا يظهر بوضوح في لوحته بعنوان “ثورة بوتريه الجوكر”، التي يُظهر فيها شخصية الجوكر، التي برز قناعها مؤخراً بكثرة في الساحات اللبنانية، رسمه المفتي مضيفاً إلى اللوحة العلم اللبناني، وعلى رغم أن شخصية الجوكر معاصرة، إلا أن اللوحة تبين كيف استطاع الفنان أن يجعل منها جزءاً من التاريخ البصري اللبناني.

الثورة، تنوع الحضور البشري في الأفعال والانفعالات:

تقتصر لوحة “ثورة لبنان” للفنان غيلان الصفدي على اللونين الأسود والأبيض، من أسفل حتى أعلى منتصف اللوحة، حيث حضور بشري موزع بين ذكور وإناث، بالغين وأطفال، متنوعي التعابير والانفعالات، وكذلك متعددي الأفعال بين الهتاف، رفع الأيدي، رفع الشعارات ومكبرات الصوت. والمميز أن الرسام يحمل بعض المتظاهرين مجهراً بصرياً مكبراً، كأنه يعلن صحوة الشعب للمحاسبة والمراقبة. ويحضر في الجزء الأخير من اللوحة صعوداً إلى أعلاها العلم اللبناني. هكذا يختار الصفدي أن تكون الثورة هي حضور بشري كثيف في اللوحة متنوع الجنس، الأعمار، الانفعالات، الأفعال.

Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email

إقرأ أيضاً

طارق عبد العال – محامي مصر في “المبادرة المصرية”
فكرة المجال العام تهدف إلى إتاحة ساحة من الحرية، تحترم حقوق الأفراد وتزيد من قوة المجتمع، لأن الاتصال الذي يحدث في المجال العام يخلو من الإكراه المؤسسي، كما أن الحوار الذي يتم خلاله، يمكن أن يُؤسس لخطاب ديموقراطي.
جاد شحرور – صحافي لبناني
منذ بداية الثورة اللبنانية يحذرنا السياسيون من خطر اندلاع الحرب الأهلية، إلا أنهم نسوا أو تناسوا أن الشعب اللبناني تمرّد على ماضيه بعدما أيقن أن الأحزاب الحاكمة هي للحرب وليست للسلم.
فاطمة بدري – صحافية تونسية
واقع جديد يتشكل من دون حضور يذكر لقوى اليسار التونسي الذي أبعدته تصدعاته المتتالية وسوء تقديره حقيقة دائرة الحكم في تونس، لخمس سنوات مقبلة.
ميريام سويدان – صحافية لبنانية
تعتقد الغالبية أن الانتخابات الرئاسية ستجرى بالحد الأدنى من المشاركة الشعبية. وهذا بسبب انخفاض درجة الحماسة لدى المواطنين للمشاركة في التصويت نتيجة التشكيك في جدية الانتخابات ونزاهتها.
ترجمة- The Nation
امتدت الاحتجاجات في الأسابيع الماضية إلى 5 قارات – أغلب العالم – من لندن وهونغ كونغ الثريتين حتى تيغوسيغالبا والخرطوم الفقيرتين.
يارا بدر – صحافية سورية
باستخدام اللغة، حركة الكاميرا، وتركيب التفاصيل لإنتاج مشاهد القتل الهادئ السريع المأخوذة من صور الحكايات القديمة، يُقدّم سكورسيزي واحداً من أفضل النماذج للفن المُقارن.
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email