التعذيب في سجون السلطة: فتح وحماس تجلدان فلسطين

التعذيب في سجون السلطة الفلسطينية الوطنية ليس بالجديد بحسب تقارير حقوقية، ولكن الجديد هو استمراره، وهو ما دفعنا إلى التحقيق في هذه المعطيات. فهل فعلاً التعذيب في السجون سياسة دائمة؟ ومن المسؤول عن هذه السياسة في حال وجدت؟ وهل التعذيب مقتصر على مقار أمنية بذاتها؟ وهل هو مقتصر على المعتقلين الأمنيين (على خلفية الانقسام السياسي)؟ أم أنه يمتد ليشمل الموقوفين على قضايا مدنية؟

لم تتمالك الطفلة نهى (10 سنوات) نفسها عندما بدأنا الحديث معها: “كان سيدي بيشرب قهوة، دقوا علينا السلطة ودخلوا ضربوا خالي بالأول، وبعدين أخذوا سيدي وضربوه”، وانهارت بالبكاء وغادرت الغرفة التي تطل على حوش كبير يتوسّط البيت، وهو من البيوت النابلسية القديمة. قالت والدتها إنها تعاني من كوابيس في الليل، وإنها تصاب بنوبة خوف كلما دق باب البيت، قلنا لها: “لماذا لا تعرضينها على طبيب نفسي؟”، ردّت: “كلنا لازم نروح ولا حد منا سليم… بيتنا تحوّل لخراب”.

اليوم الذي تقصده الوالدة (وسام عبد الرحيم) هو يوم اعتقال “حماها” والد زوجها “أحمد عزت أحمد حلاوة”، وتعذيبه من قبل الأجهزة الأمنية الفلسطينية ليعلن بعد أقل من ساعة عن وفاته في أحد المقرّات الأمنية التابعة لها نتيجة التعذيب الشديد، في حادثة هزّت الرأي العام في المدينة التي خرجت في مسيرات احتجاجية على مقتله، وتشكّلت بعدها لجنة تحقيق أقرّت بالتعذيب الواقع عليه ودعت إلى محاكمة من قام بذلك.

تقول عبد الرحيم، “كنت في بيت أهلي عندما طرق حماي الباب، وبعد أقل من ساعة، كانت قوات الأمن الفلسطينية تقتحم المنزل، حتى أنها لم تنتظر حتى نفتحه، وقامت بسحب حماي وضربه بطريقة وحشية حتى وصل للمركبة”.

حلاوة الذي كان مطلوباً للأجهزة الأمنية بتهمة قتل لم تكن قد ثبتت عليه بعد، تعرّض للضرب طوال المسافة الفاصلة بين منطقتي نابلس الجديدة وسجن الجنيد (أقل من نصف ساعة) ليعلن عن وفاته فور وصول القوة التي اعتقلته إلى السجن. وبحسب تقرير الطبيب الشرعي الذي حصلنا على نسخه عنه، فقد تعرّض لتعذيب وضرب في كل أنحاء جسده، وإن سبب الوفاة هو ما يعرف طبياً بـ”النهي العصبي” الناجم عن الضرب على مقدم وجانبي العنق بجسم صلب وراضّ.

أبرز ما جاء في التقرير الطبي الخاص بوفاة أحمد حلاوة تحت التعذيب:
(ويمكن مشاهدة الطفلة تتحدّث عن جدّها في الفيديو أسفل التحقيق)

الصفحة ما قبل الأخيرة من التقرير الطبي الخاص بحالة وفاة أحمد حلاوة

 

الصفحة الأخيرة من التقرير الطبي الخاص بحالة وفاة أحمد حلاوة

حالات متكرّرة في سجون السلطة

وتلقي حالة حلاوة الضوء على التعذيب في سجون السلطة، الذي تتحدّث التقارير الحقوقية عن أنه لم يتوقف يوماً منذ تأسيس السلطة الوطنية الفلسطينية وحتى الآن، في إشارة إلى تفاوته من فترة إلى أخرى بحسب الوضع السياسي، وبخاصة بعد وقوع الانقسام عام 2007 وما رافقته من ملاحقات على خلفيات سياسية.

والتعذيب في سجون السلطة الوطنية، ليس بالجديد بحسب تقارير حقوقية، ولكن الجديد هو استمراره، على رغم إعلانات السلطة في أكثر من مرّة عن عدم وجود التعذيب من جهة، وانضمامها إلى عشرات الاتفاقيات الدولية ومن بينها ما يجرّم هذا التعذيب، كانضمامها عام 2014 إلى اتفاقية مناهضة التعذيب، وهو ما دفعنا إلى التحقيق في هذه المعطيات. فهل فعلاً التعذيب في السجون سياسة دائمة؟ ومن المسؤول عن هذه السياسة في حال وجدت؟ وهل التعذيب مقتصر على مقار أمنية بذاتها؟ وهل هو مقتصر على المعتقلين الأمنيين (على خلفية الانقسام السياسي)؟ أم أنه يمتد ليشمل الموقوفين على قضايا مدنية؟

في حادثة مقتل “أحمد حلاوة”، شكّلت لجنة تحقيق في الحادثة، ليس لفحص سبب الوفاة، فلا تشكيك بأن افراد الأجهزة الأمنية قاموا بضربه ما أدّى إلى مقتله، ولكن في حوادث مشابهة كانت لجان التحقيق تفتّش عن سبب الوفاة خلال التحقيق، كما في حالة المعتقل “مجد البرغوثي” من مدينة رام الله، الذي توفي عام 2008، أثناء احتجازه لدى الأمن الفلسطيني.

اعتُقل البرغوثي على خلفية الانقسام، بحسب أعضاء لجنة التحقيق، وكان على رأسها في المجلس التشريعي بدورتيه الأولى والثانية الدكتور “حسن خريشة”، وهو طبيب عام، أقر بأن البرغوثي تعرّض (لشبح شديد جداً وبرد قارس وضرب على أطرافه) بشكل مستمر ومتعمّد، ما أدى إلى الوفاة.

في حديث مع خريشة، الذي قابل خلال عمل لجنة التحقيق معتقلين في نفس القسم الذي توفي فيه البرغوثي، نقل عنهم أنه “كان يصرخ من الألم والتعذيب ليل نهار”.

الدكتور حسن خريشة

وبين الحادثتين (2008-2016) وقعت مئات الحالات التي تعرّض خلالها معتقلون لدى الأجهزة الأمنية الفلسطينية للتعذيب من دون أن يتجرّأ معظمهم على التقدّم بشكاوى، لخوفهم من المتابعة والاعتقال.

وفي استعراض لتقارير الهيئة المستقلة لحقوق الإنسان التي تقوم برفع تقاريرها بشكل دوري لكل الجهات المعنية من قادة الأجهزة الأمنية إلى رئيس الوزراء إلى رئيس السلطة الفلسطينية، تبين أن التعذيب استمر بوتيرة متفاوتة ولكنه لم يتوقف يوماً.

الحالات كانت كالآتي، في إشارة إلى أرقام الضفة، حيث كان التحقيق، وهذه التقارير لم تتحدث عن التعذيب على خلفية سياسية فقط، بل إن التعذيب الأكثر قساوة بحسب الحقوقيين المتابعين، كان للمعتقلين على خلفية جنائية أيضاً، وتحديداً لدى جهاز الشرطة.

شهادات صادمة

خلال إعدادنا التحقيق، حاولنا الحديث مع حالات تعرّضت للتعذيب على خلفية اعتقالها بتهم جنائية، قابلنا عشرات تحدّثوا بإسهاب عن تفاصيل ما حصل معهم، ولكن عندما كنا نطلب منهم تسجيل حالاتهم، كانوا يرفضون، خوفاً من ملاحقة الأجهزة الأمنية لهم.

في الفترة الأخيرة، ولمدة أسبوع كامل، تواصلنا مع سبع حالات، وحين كنا نعرّف عن أنفسنا بأننا صحافيون كنا نواجَه برفض الحديث معنا، حتى وصلنا لحالة الشاب (م.ج من منطقة عناتا)، فتواصلنا مع شقيقه الذي روى لنا على الهاتف كيفية تعذيبه في سجون السلطة في رام الله على خلفية اتهامه بجنحة جنائية. قال إنه نقل شقيقه أثناء التحقيق إلى المستشفى في حالة يرثى لها، وحين طلب المحامي إخلاء سبيله رفض الطلب، وعاد من جديد الى التحقيق، ولا تزال قضيته مستمرة حتى الآن (4/8/2018)، واتفقنا على اللقاء لتوثيق الحديث والاطّلاع على التقارير الطبية والصور، إلا أنه لم يعد يرد على هاتفه بالمطلق.

ولكن، بالتزامن، كان عرض فيلم أعدّته مؤسسة الحق حول التعذيب في السجون كرسالة للرئيس محمود عباس، وكان من ضمن الحالات أحد المعتقلين جنائياً الذي تعرّض لتعذيب قاسٍ جداً. استطعنا الحصول على إفادته التي تضمّنها الفيلم، وهو “إبراهيم حزبون”، من مدينة جنين، وقد تعرّض لضرر كبير في يديه نتيجة التعذيب لـ45 يوماً متواصلة في أحد المراكز الأمنية في جنين، وقال: “حققوا معي بعد يومين من اعتقالي من دون ضرب، ولكن بعد ربع ساعة تغير المحققون، وبدأ التعذيب والشبح والضرب بعصا الكهرباء والفلكة”.

وبحسب إفادة حزبون، كان المحقق يربط يدي حزبون إلى الوراء ويعلّقه، وأحياناً كانت تمتد فترة التعليق من ساعة إلى اثنتين، إلى جانب الضرب الشديد والركل على الأرجل والظهر خلال الشبح على الكرسي، مع المنع من الحمام والماء خلال التحقيق الذي كان يمتد أحياناً لأكثر من 8 ساعات. وبعد تسعة أيام، ونتيجة لتفاقم حالته الصحية وعدم قدرته على تحريك يديه وحالات الإغماء المتكرّرة التي تعرّض لها، استعمل المحقّق معه أسلوب قلّة النوم: “كان المحقّق يرسم لي سلّماً على الحائط ويقول لي إذا استطعت أن تتسلّقه، سأدعك تنام”.

حاولنا البحث من جديد، وبالفعل استطعنا الحديث مع الطالب في جامعة النجاح “براء نواف إبراهيم عامر” (22 سنة)، الذي اعتقل مرّتين عند جهاز المخابرات العامة في مدينة نابلس (2015 و2017، ويمكن الاستماع إلى شهادته في الفيديو أسفل التحقيق)

الناجي من التعذيب براء العامر

خلال حديثه معنا، كان التوتر بادياً عليه، وفي كثير من الأحيان يشيح بنظره عنا، ومرّة قال معتذراً: “كلما تذكرت ما تعرّضت له من ضرب وتعذيب أتخيّل أن المحقق أمامي وأشعر بأوجاع الضرب والتعذيب على جسدي”.

اعتقل العامر في 27 آب/ أغسطس 2017 خلال خروجه من جامعته على خلفية انتمائه للكتلة الإسلامية كما قال له المحقق حينها، حيث أوقفت مركبة للمخابرات سيارة التاكسي التي كان يستقلها، لم يعرّفوا عن أنفسهم وكانوا بلباس مدني، وقاموا بإشهار أسلحتهم واعتقاله. قال: “منذ دخولي المركبة وحتى وصلت إلى مركز التوقيف في سجن الجنيد وأنا أتعرّض للشتائم، وحينما وصلت استقبلوني بضرب كفوف على وجهي”.

بعد “ضرب الكفوف” حُوّل العامر للشبح (وقوفاً ويداي للخلف تم شبكهما في حلقة الباب خلفي) ومع كل سؤال يقوم المحقق بسحب الحبل أكثر للخلف ليشعر بالألم. امتدّت جلسة التحقيق أكثر من ست ساعات، “كنت معلّقاً مثل الذبيحة”، قال. وبعد الشبح، قام محقّقون بحمل “برابيش” وانهالوا عليه بالضرب، وخوفاً من آثارها على جسده، استُبدلت “البرابيش” بـ”عصا خشب ملفوف بلاصق بلاستيكي”، وعند الساعة الواحدة بعد منتصف الليل، نقل إلى الزنازين، وقاموا بوضعه على كرسي ورفع رجليه وضربه “فلكة” نحو ساعة. كل هذا التعذيب كان في اليوم الأول وقبل بدء التحقيق.

استمر تعذيب العامر شبحاً وضرباً وصراخاً يومين كاملين، وقال “بعد كل وجبة شبح كنت لا أستطيع أن أمشي على رجلي”، وفي اليوم الثالث، عرض على النيابة العامة، وعندها قام بتقديم بشكوى، وبالفعل قام ممثل النيابة بضبط عملية التعذيب من آثار الشبح والضرب البادية على جسده، ومع ذلك، عاد العامر من النيابة إلى الشبح مرّة أخرى حتى تعرّض للإغماء من شدة التعب والإرهاق.

أفرج عن العامر في اليوم الرابع بلا أي سبب، مثلما كان الاعتقال، وتوجّه مباشرة إلى مستشفى “رفيديا” لإثبات التعذيب الذي تعرّض له: “اعتقلت لدى الاحتلال بعدها وهو ما أخّرني عن رفع قضية لملاحقة كل من قام بتعذيبي، فأنا أعرفهم جيداً ولن أسامح يوماً”.

سجون غزّة

الوضع في غزة لم يكن أفضل حالاً، ففي السجون التابعة للأمن الداخلي التابع لحركة حماس المسيطرة على القطاع، يستمر التعذيب وتتنوّع أساليبه، ففي حالة الصحافي “محمد عثمان” والتي تابعناها لأغراض هذا التحقيق، تشابهت الكثير من التفاصيل مع حالة العامر.

يقول عثمان (31 سنة) الذي يسكن حالياً في بلجيكا بعد تقديمه طلب لجوء على خلفية اضطهاد حرية الرأي والتعبير الذي تعرّض له في السجن والملاحقة فيما بعد: “تم اعتقالي من منزلي في منطقة تل الهوا غربي غزة، يوم (1/9/2016). عند الساعة الرابعة عصراً، اقتحم المنزل 6 عناصر، منهم ثلاثة مسلّحين، غرفة النوم وصادروا أجهزة الحاسوب والجوالات، وأوراق العمل الخاصة بي، وتم اقتيادي إلى مركز تحقيق غرب مدينة غزة”.

وتابع: “عند وصولي إلى المركز التابع للأمن الداخلي، طلب مني الضابط الكشف عن مصادر الأوراق التي قمت بنشرها، خلال إعدادي تحقيقاً استقصائياً حول حكومة الظل لحماس في القطاع، وعندما رفضت ذلك تم نقلي إلى غرف التحقيق”.

تعرّض عثمان لكل أساليب التعذيب من ضرب وشبح بالأيدي والأرجل لساعات وتعليقه برافعه في السقف، والضرب والإهانة والتهديد والتخويف.

اعتقل عثمان 24 ساعة قضاها بين التحقيق والتعذيب المتواصلين، في اليوم التالي تم الإفراج عنه، من دون أي تبرير قانوني كما كان اعتقاله.

هذه الـ 24 ساعة كانت كفيلة بتغيير نظرة محمد لفكرة السفر خارج القطاع، التي كان يرفضها دوماً، قال إنه أصبح أكثر خوفاً على عائلته ونفسه في حال تم اختطافه من جديد ومصير بناته الثلاث وزوجته من بعده.

وتابع: “التأثير كان كبيراً في استقرار عائلتي، وفي المستوى الشخصي، انتابني قلق دائم، وتأثر عملي بذلك كثيراً، ما دفعني إلى الهجرة خارجاً، وحتى الآن، أنا بانتظار لم شمل أسرتي في مكان واحد”.

خرق للقانون المحلي والدولي

وبحسب القانون الأساسي، فقد نصّت المادة (10) من القانون الأساسي لعام 2003 على أن حقوق الإنسان وحرياته الأساسية ملزمة وواجبة الاحترام، وعلى السلطة الوطنية الفلسطينية أن تعمل من دون إبطاء على الانضمام إلى الإعلانات والمواثيق الإقليمية والدولية التي تحمي حقوق الإنسان. ونصّت المادة (13) من القانون الأساسي لعام 2003 على أنه لا يجوز إخضاع أحد الى إكراه أو تعذيب.

ودولياً، تحرّم الاتفاقيات الدولية التي تتبناها السلطة التعذيب، وقد ورد ذلك في المادة 5 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والمادة 7 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، والمادة 7 من نظام روما الأساسي الخاص بالمحكمة الجنائية الدولية، والمادة 8 من نظام روما، والمادة 3 المشتركة بين اتفاقيات جنيف الأربع الصادرة عام 1949، واتفاقية جنيف الصادرة في 12 آب 1949، وذلك وفق تعريفها الوارد في المادة 147 من اتفاقية جنيف الرابعة المتعلّقة بحماية الأشخاص المدنيين في أوقات الحرب، والمادة 8 من نظام روما الأساسي الخاص بالمحكمة الجنائية الدولية.

وتم حظر التعذيب من قبل الأسرة الدولية بقرار أممي استناداً إلى قرار أقرّته الجمعية العامة للأمم المتحدة تحت رقم 52/149 والمؤرخ بـ 12 كانون الأول 1997، اعتبرت فيه التعذيب جريمة بموجب القانون الدولي.

وعلى رغم كل هذه الاتفاقيات والقوانين، إلا أن التعذيب مستمر في سجون السلطة الوطنية الفلسطينية، وكأن الأمر بات أشبه بسياسة كما يقول العامر: “أعرف أن هناك أوامر عليا من رأس الهرم الفلسطيني (الرئيس محمود عباس) بمنع التعذيب التزاماً بالقرارات والمواثيق الدولية التي وقّعت عليها السلطة، ولكن ما تعرّضت له يجعلني أشعر بأن هناك سياسة غير معلنة وضمنية بين الأجهزة الأمنية للتعذيب”.

ما قاله العامر وافقه عليه القائمون على المؤسسات الحقوقية في فلسطين، التي تقوم بمتابعة قضايا الحريات العامة والتعذيب، فالتعذيب وإن لم يكن سياسة مكتوبة، إلا أنه سلوك ممنهج، وإلا لما استمر طوال هذه الفترة.

مدير مؤسسة الحق شعوان جبارين

مدير مؤسسة الحق شعوان جبارين قال: “ممارسة التعذيب بدأت منذ تأسيس السلطة ولم تنتهِ، ولكن الفرق اتّساعها وعلى أي نطاق تمارس، ففي محطّات معينة، كان هناك ارتفاع وبخاصة خلال الحملات التي رافقت محاولات فرض القانون في مدن الضفة وما رافق الانقسام بين الضفة والقطاع”.

سياسة ممنهجة

خليل عساف، عضو لجنة الحريات التي تشكّلت عام 2011 كإحدى لجان المصالحة، يقول إن هناك شبه إجماع من قبل المعتقلين على خلفية سياسية أنهم تعرّضوا لحالات تعذيب في ظروف صعبة، وذلك في الغالب في المقرّات الأمنية خلال توقيفهم قبل نقلهم إلى السجون.

ولكن بحسب عساف، فإن قليلاً منهم من يقوم بالشكوى ضد هذه الممارسات بسبب خوفهم من العواقب. وإذا ما تم إقناعهم بالتوجّه إلى الشكوى لدى مؤسسات حقوقية، تكون موافقتهم مشروطة بشهادات من دون أسماء، وقال: “في بعض الحالات يكون التعذيب شديداً للغاية، حتى أن البعض يبكي وهو يروي حصل معه”.

ويؤكد عساف من خلال متابعته اليومية للحالات أن ما يحصل من تعذيب هو سياسة، ويقول: “الأخطاء الفردية تتم فيها محاسبة، ولكننا لم نسمع عن أي عقاب لأي من الحالات الفردية”.

وعلى رغم ما تحدّث عنه عساف من تعذيب السياسيين، يقول جبارين: “هناك تحوّل كبير كان بين العامين 2011-2014، في التعامل معهم، ولكن الأمر لم يستمر طويلاً حتى عادت قضايا التعذيب، وبوتيرة أعلى بعد ذلك”.

اتفاقية مناهضة التعذيب

حول السبب في هذا الارتفاع الذي يتناقض مع انضمام السلطة إلى اتفاقية مناهضة التعذيب في العام 2014، وتوقيعها أخيراً (نهاية 2017) على البروتوكول، يقول جبارين: “توقعنا أن يتحسّن الأمر أكثر وبخاصة بعد الانضمام لاتفاقية مناهضة التعذيب، ولكن بدا الأمر وكأن الأجهزة الأمنية قرأت هذا الانضمام على أنه ضوء أخضر”.

يوافق مدير عام دائرة الحريات وحقوق الإنسان في الهيئة المستقلة لحقوق الإنسان موسى أبو دهيم على ما قاله جبارين، ولكنه يستدرك بالقول: “توقعنا أن يتراجع التعذيب، لكن لم يؤثر انضمام فلسطين لاتفاقية مناهضة التعذيب في استمرار التعذيب أو تخفيفه، بل بقي بذات المستوى إن لم يكن أكثر”.

وقال أبو دهيم: “بعد عام 2006، أصبح التعذيب ممنهجاً، وكان تعذيباً شرساً جداً لدرجة أنه كانت هناك حالات وفاة في السجون سواء في الضفة الغربية أو القطاع”.

المحامي موسى أبو دهيم

تراجع التعذيب على خلفية الاعتقالات السياسية حتى العام 2014، كما يقول أبو دهيم، ولكن بالنسبة للجنائيين لم يتراجع وخاصة لدى جهاز الشرطة، وفي المراكز البعيدة عن المركز. ويقول جبارين في تفسيره لهذا الارتفاع: “في ثقافة التعذيب في الملفّات الجنائية، يتحوّل المحقق لمنتقم من المجرم ويقوم بالتنكيل به بسبب ثقافة المجتمع، حيث يشعر المحقق في قضايا وبخاصة المخدّرات والسرقات والاغتصاب بأن من حقه تعذيب الجاني”.

المحامي مهند كراجة (يتحدّث أيضاً في الفيديو أسفل التحقيق)، وهو محامٍ يتابع القضايا أمام محاكم البداية والصلح بصفتها الجزائية إضافة إلى القضايا الحقوقية والعدل العليا، يقول إن التعذيب لم يتوقف (يتحدّث عن الفترة التي عمل بها متدرّباً ومحامياً، منذ 2010 وحتى الآن)، ولكن يتفاوت وفق الجهة التي تقوم بالتجاوزات.

ويقدّر كراجة أن 10 في المئة من الحالات التي قام بمتابعتها في العام 2017 تم إثبات التعذيب فيها أمام النيابة العامة (القضايا الجنائية خاصة)، مشيراً إلى حالات أخرى يرفض ضحايا التعذيب الإفصاح عما تعرضوا له فيها.

“تحدّث أحد الموقوفين عن طريقة تعذيب غريبة، حيث تزامن اعتقالهم مع سقوط الثلج، فكان يتم إلقاؤهم عراة على الثلج وضربهم”

واستعرض كراجة خلال حديثنا معه عن حالات عدّة واجهها كان فيها التعذيب صارخاً، إلا أن أكثر الحالات التي أثّرت فيه، كانت توقيف ثلاثة أشخاص لدى جهاز الأمن الوقائي في سجن بيتونيا على خلفية تهمة (سرقة)، وبعد خمسة أيام، وحين عرضهم على المحكمة، تحدّث أحد الموقوفين عن طريقة تعذيب غريبة، حيث تزامن اعتقالهم مع سقوط الثلج، فكان يتم إلقاؤهم عراة على الثلج وضربهم. قال إنه عندما شاهدهم أول مرة في النيابة، كانت علامات الضرب في كل أنحاء أجسدهم، وبقيت العلامات لأكثر من شهرين واضحة.

يعلّق على هذا النائب خريشة، الذي اعتبر أنه مع بداية تأسيس السلطة وحتى العام 2000، كان التعذيب شديداً، ويرافق الاعتقالات على خلفية سياسية، “كنت في حينها رئيس لجنة الرقابة على الحريات وحقوق الإنسان في المجلس التشريعي، وكنا نتلقى شكاوى بالعشرات، ولكن مع اندلاع الانتفاضة في العام 2000 التي شاركت فيها كل الأحزاب، توقفت هذه الظاهرة”. وأضاف: “لكن التطوّر الأكبر كان في العام 2007 مع الانقسام، حيث أصبح التعذيب يمارس في العلن ضمن عمليات انتقامية، وأصبح كل طرف (حماس في القطاع وفتح في الضفة) ينتقم من الآخر بالاعتقالات والتعذيب.

وبصفته التشريعية، قال خريشة إنه يتلقى شكاوى من أهالي المعتقلين الذين تعرّضوا للتعذيب في السجون، مشيراً إلى أن عمليات التعذيب تزداد وأصبحت أساليب التعذيب فيها احترافية أكثر، بحيث لا يترك التعذيب آثاراً على الجسد”، وتابع” أنا أعتقد أن أي جندي أو محقق لا يستطيع تعذيب شخص من دون موافقة من مسؤوليه. هذا قرار سياسي”.

المسلخ

بالحديث عن التعذيب، كان اسم المسلخ، وهي الصفة التي يطلقها المعتقلون والحقوقيون على سجن أريحا، لما يتعرّضون له من تعذيب في هذا السجن، حتى أصبح “الغول” الذي يستعمله المحققون لتخويف المعتقلين، وتهديدهم بنقلهم إليه.

هذا السجن تشرف عليه اللجنة الأمنية المشتركة “من جميع الأجهزة الأمنية” ويترأسها وزير الداخلية، التي لا تزال تعمل بتشكيلات أخرى، بالرغم من إعلان حلّها أخيراً بقرار من الرئيس محمود عباس بتاريخ الخامس من حزيران/ يونيو 2018.

يقول جبارين: “هناك شعور لدى اللجنة بأنها ممنوحة “فرمان” بالسماح لها بممارسة هذه الأشكال في العمل وترهيب الأشخاص المقموعين هناك. نتلقى شكاوى إساءة معاملة وممارسة تعذيب جسماني واضح، كما أن هذا السجن ليس مسموحاً لنا دخوله، كما في أماكن الاحتجاز الأخرى”.

من جهته، يصف الحقوقي أبو دهيم هذه اللجنة بأنها مؤشر أسود على قضايا التعذيب، حيث إن متابعة القضايا المشرفة عليها هذه اللجنة صعبة للغاية، فهذه اللجنة شكّلت لتقوم بمعالجة بعض القضايا التي لها طابع عام وسياسي، ولكن مع الوقت، أصبحت تقوم بدور الأجهزة الأمنية وتعالج قضايا جنائية، ما تسبّب في تشابك العلاقات، بحيث أصبح من الصعب معرفة مرجعيتها.

محاولات رسمية للحد من التعذيب

خلال إعدادنا التحقيق، حاولنا الحديث مع ممثل الأجهزة الأمنية للرد على ما توصّلنا إليه، إلا إنه رفض الحديث إلينا بشكل قاطع، ولكن كنا قد أجرينا مقابلة مع رئيسة قسم مكافحة التعذيب في وزارة الداخلية هيثم عرار، التي تجنّبت الحديث عن وجود تعذيب في السجون، على رغم موافقتها الضمنية وخاصة خلال الحديث عن القضايا الجنائية، حيث قالت: “ندرّب المحققين في الفترة الأخيرة على اعتماد الوسائل العلمية الحديثة في التحقيق، ونركّز على حيادهم في تشكيل موقف أو رأي من القضايا التي يحققون فيها”.

رئيسة قسم مكافحة التعذيب في وزارة الداخلية هيثم عرار

وأضافت: “إن الوزارة خطت خطوات كبيرة في مجال الرقابة وتلقّي الشكاوى المتعلقة بحقوق الإنسان، وبخاصة في ما يتعلق بوحدة الشكاوى ضمن نظام الشكاوى الموحّد”، مشيرةً إلى نية الوزارة إنشاء آلية داخلية للتحقيق والرقابة على مراكز الإصلاح والتأهيل التابعة لوزارة الداخلية.

وأكّدت أيضاً سماح الوزارة لمؤسسات حقوق الإنسان المحلية والدولية خاصية الرقابة على مراكز الإصلاح والتأهيل، وتابعت “ليست لدينا مشكلة أن تقوم أي جهة بالرقابة ولكن ضمن القانون”.

وتحدّثت عرار عن آليات الوزارة في الحد من انتهاك حقوق الإنسان وخاصة بعد توقيع السلطة على الاتفاقية الدولية لمناهضة حقوق الإنسان، وقالت إن كثيرا من الدول تتحاشى التوقيع عليها إلا أن السلطة قامت بذلك، وذهبت أبعد بنيتها التوقيع على بروتوكول الاتفاقية الذي يترتب عليه إنشاء الآلية الوطنية لمنع التعذيب من خلال التشاور مع مؤسسات حكومية وأهلية ووطنية وشخصيات حقوقية بالتنسيق مع المفوض السامي.

وتابعت عرار: “سنقوم بتنظيم بروتوكول للأجهزة الأمنية لتعزيز الالتزام بشكل مؤسساتي، وسيكون هناك تدريب لكل من ينضم لوزارة الداخلية وقوى الأمن على منهاج حقوق الإنسان”.

هذا التوجّه بحسب عرار يأتي منسجماً مع رؤية القيادة في النظام السياسي وطبيعة المجتمع الفلسطيني المنشود القائم على الحريات ولضمان عدم تعرّض المواطن لأي نوع من التعذيب.

ولكن التعذيب مستمر؟ نسألها، فتردّ عرار: “أي شكوى تصلنا نقوم بالتعامل معها وفحص الشكوى والتعامل معها، وفق قانون الخدمة وهيئة القضاء العسكري وقانون العقوبات الفلسطينية”.

تم إنتاج هذا التحقيق ضمن مشروع الصحافة الاستقصائية، بالشراكة بين مركز تطوير الإعلام – جامعة بيرزيت، والبيت الدنماركي في فلسطين، وIMS– مؤسسة الدعم الدولي للإعلام.

إقرأ أيضاً:
زيارة إلى السجن الذي تحوّل متحفاً للإبادة الجماعية في كمبوديا
“التنوير” ليس أفكاراً فحسب
محاولات إنتاج خطاب سياسي للألم: التعذيب في سوريا نموذجاً

Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email

إقرأ أيضاً

ميريام سويدان – صحافية لبنانية
تعتقد الغالبية أن الانتخابات الرئاسية ستجرى بالحد الأدنى من المشاركة الشعبية. وهذا بسبب انخفاض درجة الحماسة لدى المواطنين للمشاركة في التصويت نتيجة التشكيك في جدية الانتخابات ونزاهتها.
ترجمة- The Nation
امتدت الاحتجاجات في الأسابيع الماضية إلى 5 قارات – أغلب العالم – من لندن وهونغ كونغ الثريتين حتى تيغوسيغالبا والخرطوم الفقيرتين.
يارا بدر – صحافية سورية
باستخدام اللغة، حركة الكاميرا، وتركيب التفاصيل لإنتاج مشاهد القتل الهادئ السريع المأخوذة من صور الحكايات القديمة، يُقدّم سكورسيزي واحداً من أفضل النماذج للفن المُقارن.
محمد خلف – صحافي عراقي
إلى أين يمكن أن يصل غضب المحتجين في العراق ولبنان؟ هذا السؤال جاهدت صحف ومراكز بحث غربية في البحث عن إجابات له بعد صمود شباب البلدين وثباتهم في الساحات والشوارع.
هديل مهدي – صحافية لبنانية
هل سطوة الطوائف أقوى من حقوق الأطفال خصوصاً الذين يتعرضون لانتهاكات جسيمة؟
ترجمة – هآرتس
وُصفت أعمال العنف، التي يُعتقد أنها أسفرَت عن مقتل حوالى 300 شخص، بأنها أقوى انتفاضة شهدتها إيران مذ جاءت “الثورة الإسلاميّة” بالنظام الحاليّ إلى السلطة عام 1979.
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email