fbpx

هنا القصة الثالثة

حازم صاغية - كاتب لبناني

حازم صاغية - كاتب لبناني

مقالات الكاتب
مشاهدة المقالات

التطبيع والرقابات…

في عموده في موقع “المدن”، لاحظ الزميل مهنّد الحاج علي كيف يشتدّ الحصار على الحقّ الفلسطينيّ، وكيف تتزايد “الهزائم والنكسات” على هذا الطريق. وألحّ الكاتب على “مراجعة” تستدعي الانفتاح على قوى أكبر وأوسع، سيّما في ظلّ التحالف الوثيق بين إسرائيل – نتانياهو وسائر القوى الشعبويّة في العالم.

فالانفتاح، بالتالي، على القوى المناهضة للشعبويّة القوميّة، بمن فيهم يهود إسرائيل الذين يناوئونها، يغدو شرطاً شارطاً لانتعاش خطاب الحقّ الفلسطينيّ. وكمثل كلّ علاقة بين جسدين سياسيّين، لا بدّ أن يترتّب على انفتاح كهذا كثير من “الأخذ والعطاء” والتسويات، بما يوسّع رقعة الأصدقاء ويرفع نسبة صداقتهم إذا صحّ التعبير.

لكنّ ما يحصل هو بالضبط عكس ذلك.

فـ “مثل هذا التحالف الواسع والضروري [مع قوى رافضة للاحتلال الإسرائيليّ] لن يقوم في ظل الملاحقات الغبية لمعارضي الاحتلال تحت ستار مقاومة التطبيع، كما حدث مع الأكاديمي جيف ماكماهان في الجامعة الأميركية في بيروت. ذاك أن أكاديمياً مثل ماكماهان ينشر الإدانة تلو الأخرى للاستخدام الاسرائيلي المفرط للعنف، لن يزور بيروت ويُحاضر في جامعاتها أصلاً لو كان مؤيداً للاحتلال وسياساته. ومن الغرابة أن يُمثل هدفاً لمناوئي التطبيع بهذا الشكل، بدلاً من البناء على وجوده والاستفادة منه”.

بمعنى آخر، بدل أن تقودنا الهزائم إلى توسيع الصداقات، نمضي في العمل على توسيع العداوات وإعطاء الهزائم فرصاً أكبر وشعبيّة أوسع. يترافق هذا مع مزيد من الانكفاء على النفس، ومع مَن يطابقون بالكامل هذه النفس، بل مع مزيد من التمسّك بلغة طهرانيّة هي لغتنا الأصليّة العابرة للأزمنة والأمكنة، والتي لا تتأثّر بكلّ ما يحدث حولها وما يتغيّر. فمَن كان يوافقنا بنسبة 70 بالمئة نشهّر به ونخوّنه آخذين عليه أنّه يعارضنا بنسبة 30 بالمئة، بدل السعي إلى رفع نسبة التوافق إلى 80 بالمئة أو أكثر.

 

بدل أن تقودنا الهزائم إلى توسيع الصداقات، نمضي في العمل على توسيع العداوات وإعطاء الهزائم فرصاً أكبر وشعبيّة أوسع. يترافق هذا مع مزيد من الانكفاء على النفس، ومع مَن يطابقون بالكامل هذه النفس، بل مع مزيد من التمسّك بلغة طهرانيّة هي لغتنا الأصليّة العابرة للأزمنة والأمكنة، والتي لا تتأثّر بكلّ ما يحدث حولها وما يتغيّر.

 

وهذه الحالة الطاردة، وجوهرها رفع العزلة إلى فضيلة، يُسأل فيها المحلّلون النفسيّون. لكنْ يُخشى اليوم، وفي لبنان تحديداً، أن نجدنا أمام انتعاش لما عُرف بـ “أدب التبديع” في التاريخ الإسلاميّ، وتحديداً تاريخ الأفكار. فمحاربة “البدعة”، في ذاك الزمن الذي أسماه العرب بـ “الانحطاط”، ما لبثت أن تجاوزت حقل الدين نفسه إلى جميع أوجه الحياة والتفكير فيها. هكذا سُدّت الطرق تماماً على كلّ اجتهاد أو إبداع بذريعة امتلاك الصواب المقدّس والكامل.

واللبنانيّون الذين يعانون، لا سيّما في مجالات الفنّ والسينما والأدب والأبحاث، الرقابات الثقيلة الوطأة للطوائف الدينيّة، لا يحتاجون إلى رقابة ثقيلة أخرى مصدرها صواب آخر، صوابٌ لا يقلّ زعماً للقدسيّة والكمال. وهذا فضلاً عن أثر الرقابة السلبيّ على جاذبيّة القضيّة الفلسطينيّة، إلى جانب أثرها السلبيّ الآخر على موقع لبنان من العالم، وفي العالم، وعلى السويّة الإبداعيّة أو البحثيّة في لبنان نفسه.

وتبلغ السخافة طوراً متقدّماً حين يدور الخلاف حول مسألة تتّصل بالتثاقُف، كمشاهدة عمل فنّيّ أو ترجمة كتاب. ذاك أنّنا لو كتبنا التاريخ انطلاقاً من وجهة النظر هذه لما رأينا في حركات الترجمة ونقل الأفكار وتبادلها سوى بضع ليرات دُفعت لمترجم أو بضع ليرات غنمتها دار نشر!

إلاّ أنّ الخوف الذي يبديه المقاطعون حيال أعمال كهذه إنّما ينمّ عن أمور بعضها نفسيّ، على ما سبقت الإشارة، وبعضها العجز عن التفكير خارج نطاق احتكار الدولة للنشاط الثقافيّ، وبالتالي استبعاد الحركة الحرّة، والمتناقضة تعريفاً، التي تنتجها حيويّة المجتمع. وهذه شيمة توتاليتاريّة أصيلة!

أمّا النكتة – وهي بالفعل نكتة – فهي التذرّع بالقانون اللبنانيّ، الغامض أصلاً، من قِبل أناس غير معروفين بأيّ تعلّق مميّز بالقانون. فإذا صحّ من حيث المبدأ أنّ وجود القوانين واحترامها شرطان أساسيّان لكلّ مجتمع متمدّن، صحّ أيضاً أنّ عبادة القانون ليست من مواصفات التمدّن بما يفترضه من حرّيّة وقدرة على التمييز والخيار، وإلاّ كان السلوك الأمثل والأكثر تقيّداً بالقانون هو تسليم هارب من السلطات النازيّة إلى معسكرات التجميع، أو الوشاية بفارٍّ من سلطة الاحتلال الإسرائيليّ.

إنّ الرقابات على أنواعها لا تزدهر إلاّ حين ينتشر العتم، والقتالُ ضدّ العتم المنتشر والمتعدّد المصادر، بما فيه مصدر الاحتلال الإسرائيليّ، أفضل كثيراً من إضافة رقابة أخرى إلى تلك الرقابات المعتمة.

 

إقرأ أيضاً:

ترامب بين اسرائيل- نتانياهو 

أنماط عداوة العدو

 

إقرأ أيضاً