fbpx

هنا القصة الثالثة

خولة بو كريم - صحافية تونسية

خولة بو كريم - صحافية تونسية

مقالات الكاتب

التصويت “العقابي” يوجه مصير تونس نحو الشعبوية؟

أثبتت الاستطلاعات الأولية لنتائج التصويت في الانتخابات الرئاسية التونسية أن الشعب بمواطنيه في الداخل والخارج أبحرَ في اتجاه مختلف تماماً عن المتوقع منه. أثبت 3 ملايين و810908 ناخبين رغبة حقيقية في التغيير، رغبة زلزلت الأرض تحت أقدام مرشحين اعتقدوا أنهم الأجدر بقيادة تونس بعد الباجي قائد السبسي.
الناخب التونسي برهن لهؤلاء أنه لم تعد لديه ثقة في المرشحين من رموز المنظومة الحالية الحاكمة وحتى في ممثلي المعارضة بشقيها اليساري والتقدمي، لتسفر نتائج التصويت عن اختيار أستاذ في القانون الدستوري، أنجز حملته الانتخايية بنفسه وبـ”مجهوده الخاص”، رافضاً التمويل الحكومي لدعمها، متنقلاً من مكان إلى آخر من دون سيارة أو حتى مرافقة، عدا طلبته المتطوعين. ومن جانب آخر، رجل أعمال يقبع حالياً في السجن، متهم بالتهرب الضريبي وبتبييض الأموال، وباستغلال قناته التلفزيونية طيلة أربع سنوات ماضية، تمهيداً للصعود في هذه الانتخابات في مخالفة صارخة للقانون التونسي.

قيس سعيد

تصويت عقابي أم انتقامي؟

يؤكد الباحث الاجتماعي معاذ بن نصير لـ”درج” في هذا السياق أن النتيجة كانت متوقعة، “لا سيما صعود قيس سعيد ونبيل القروي إلى الدور الثاني وذلك لأسباب اجتماعية وسياسية متقاطعة بشكل كبير.
فالأول (قيس سعيد) اعتبر لدى أغلب الشباب وبخاصة الجامعي منهم، المنقذ ويمثلهم من الجانب الثقافي والعلمي، ففي تمثلاتهم الاجتماعية يرون أن سعيداً يقطع مع الموروث السياسي الهرم في تونس، فهو صورة جديدة لنظام سياسي جديد، لا يرتكز على الخطاب الكلاسيكي ولا على الوجوه القديمة التي حُسبت على النظام السابق في بُعديه ما قبل الثورة وبُعيدها”.
ويضيف: “صعوده كان نتيجة حتمية لتغير التركيبة الديموغرافية لتونس، فمن عايشوا ثورة 2011 وهم في سن صغيرة نوعاً ما أصبحو اليوم في العشرينات من العمر وأوائل الثلاثينيات وبمستوى تعليمي وفكري ناضج، جعلهم يمتلكون أدوات التحليل والتقييم، ومن ثم الاختيار.
أما بالنسبة إلى الثاني (نبيل القروي) فتجب الإشارة إلى معطى جد مهم وهو أن مروره كان منتظراً بخاصة بعد طريقة إيقافه وتوقيته، فلقد كسب تعاطفاً كبيراً من المحيطين به وممن استنفعوا من حملاته تحت غطاء خليل تونس، كما كان للترويج الإعلامي دور رئيسي في صنعه كشخصية قيادية مضطهدة تعيش على وقع دكتاتورية الحاكم”.

على رغم من العوامل التي كان يمكن أن تعيق وصول القروي إلى السباق الرئاسي، لكن هذا الأخير برهن أنه أذكى بكثير من أولئك الذين نعتوه بـ”المافيوزي”

هذا السقوط المدوي لوجوه ما بعد الثورة وبعض من قبلها، حتمي ومتوقّع، نظراً إلى تغير التركيبة المجتمعية. فهؤلاء فقدوا قاعدة تصويتية واسعة من الشباب، وانحصر المصوتون لهم في الأكبر سناً، وحتى هذا الحزام شهد تفككاً، نظراً إلى كثرة المرشحين المنتمين إلى المدرسة ذاتها، وما يسمى العائلة الوسطية الديموقراطية.

المرشح نبيل القروي

ما مصير القروي المسجون في حال فوزه؟

على رغم من العوامل التي كان يمكن أن تعيق وصول القروي إلى السباق الرئاسي، لكن هذا الأخير برهن أنه أذكى بكثير من أولئك الذين نعتوه بـ”المافيوزي”، لا سيما خصمه اللدود رئيس الحكومة المفوض لمهماته يوسف الشاهد. فاستغلال نبيل القروي قناته التلفزيونية لأكثر من أربع سنوات تمهيداً لحملته الانتخابية علاوة على استغلال حادثة وفاة ابنه، مؤسساً من ورائها جمعية خيرية تقول إنها تساعد الفقراء، في حين أن القروي كان يتسلل إلى ناخبيه في مختلف المحافظات التونسية، حتى أصبح “البطل المنقذ” في عيون المهمشين، الذين تخلت عنهم الدولة وأقصتهم من برامج التنمية.
وصول القروي إلى الدور الثاني جنباً إلى جنب مع سعيد شكل معضلة قانونية، وتساءل الكثير من المراقبين عن الوضعية القانونية للرجل وهو حالياً مسجون في سجن المرناقية. عضو الهيئة العليا المستقلة للانتخابات حسنة بن سليمان أكدت أنه في حال عدم صدور حكم ضد القروي خلال الشهرين المقبلين، فوجوده في سباق الدور الثاني سيبقى قائماً لحين ذلك. لكن إذا حصل عكس ذلك وأصدرت المحكمة حكماً باتاً قبل موعد إجراء الدور الثاني، فإن الهيئة العليا المستقلة للانتخابات ستضطر إلى المرور للمرشح الذي يليه مباشرة في الأصوات، وإدخاله في السباق إلى جنب سعيد.

شاهد: الانتخابات التونسية… بالأرقام

نخبة في انفصال تام مع شعبها
حتى بعد صدور النتائج ما زالت النخب وما يسمى قادة الرأي يكابرون بأن هذه النتيجة تنم عن جهل المواطنين بمصلحتهم، وأنهم أخذوا “تونس إلى نفق مظلم”، ومن الغريب ان ينتشر هذا الخطاب على لسان نخب تدعي الديموقراطية والايمان بمبادئ الحرية والمساواة.
هذا التعالي عن الواقع ممن روَّجوا لمرشحين لم يعد لهم مكان في الشارع التونسي، هو سبب رئيسي في نتيجة التصويت. حتى تقارير نتائج سبر الآراء الأولية التي تم نشرها قبيل انطلاق الحملة الانتخابية، لم تؤخذ في الاعتبار لدى المرشحين وفرق حملاتهم. وحذرت هذه التقارير حذرت من صعود “نجوم الشعبوية”، على خطى ترامب في الولايات المتحدة الأميركية، لكن لا حياة لمن تنادي.
هذا الانفصال الفكري والتقديري لتوجهات المواطنين التي تغيرت، مع تفاقم الأزمة الاقتصادية وفشل السياسيين من المنظومة الحالية، هو ما أدى إلى هذه النتيجة. الاستخفاف بصعود أسماء لم يكن لها وزن في الإعلام والشارع منذ فترة قصيرة، مثل سعيد أدَّى إلى تغلغلها أكثر وأكثر في طموحات التونسيين المتعبين، والباحثين عن تغيير حقيقي، وإن عبر مرشّح شعبوي. فمن سيختار التونسيون بعد أسابيع قليلة في الدور الثاني من الانتخابات الرئاسية؟

انتخابات تونس: الأمل القادم من المغرب العربي

إقرأ أيضاً