fbpx

هنا القصة الثالثة

محمد خلف - صحافي عراقي

محمد خلف - صحافي عراقي

مقالات الكاتب

التشدد الاسلامي في اوروبا: عدوى المواطن المحلي المنتفض على الثقافة المهيمنة

لاتزال المؤسسات البحثية الاوروبية تحاول البحث عن اجابات تتعلق بأهمية الايديولوجيا و الدين، في ظاهرة التشدد الاسلامي في اوساط الشباب العربي والمسلم في المهجر. إذ يعكف باحثون وأكاديميون على دراسة كيف تمكن الاسلاميون والسلفيون، من بث جذور التطرف حتى في نفوس المراهقين والقاصرين وتحويلهم الى أدوات  للقتل.في العام ٢٠١٥، وخلال الأيام التي تعرضت  فيها باريس لهجمات ارهابية، بث تنظيم ( داعش) على مواقع التواصل الاجتماعي فيديو، أبطاله مجموعة من الشباب، وغالبيتهم ولدوا و ترعرعوا ودرسوا في أوروبا. السؤال الذي تعددت الاجابات عليه واتخذت سياقات عديدة ،هو كيف تحول هؤلاء وغيرهم الى ارهابيين قتلة، لا يتورعون عن استخدام العنف والقسوة المفرطة لتحقيق ما يسعون اليه من اهداف سياسية واجتماعية؟ هل يمكن أن تجتمع كل هذه العوامل لتكوين الشخصية الراديكالية : الاسرة ،الاصدقاء ، البيئة الحياتية، التهميش الاذلال، التمييز، العزلة الاجتماعية ، البطالة والفقر،ام ان هناك أسباباً اخرى اضافية، كامنة في النفسية الفردية والمجتمعية العربية – الاسلامية؟ما هي الراديكالية؟ من المنظور الفلسفي، هي مصطلح سياسي يستخدم للتعبير عن الحاجة الى لفت الانتباه الى مظاهر الظلم في المجتمع ،ومحاولة تصفيتها بالشكل العنفي. فالاشخاص المتطرفون يبحثون عن مصادر الاخطاء السياسية والاجتماعية في المجتمع ر،وبالتالي فهي نوع من أنواع الفلسفة السياسية، التي تطمح لتغيير الواقع السياسي. بهذا المعنى فأنها تعني التصلب في الرأي واستخدام العنف ،على ان هذه المفهوم لا يتطابق عند تحليله في جميع الحالات او الدول ،اذ هو يختلف بين دولة واخرى وبين حالة و اخرى . أما اسبابه، فترتبط بقضايا مثل الهوية الثقافية ،التعليم ،الفقر وغيرها، و جميعها تستخدمها الجماعات الارهابية لجذب الاعضاء و الداعمين، من خلال منح الشباب الشعور بأنهم جزء من مجموعة متنوعة معرضة للخطر.تقول الباحثة في مؤسسة ( كويليام) في لندن ماريا سالتمان،” ان الشباب المسلم من الجيل الثاني والثالث من المهاجرين هم المستهدفون، ولكن هناك أيضا حالات يكون أبطالها اشخاصاً تحولوا الى الاسلام”.  البحث في  موضوع  تشدد الشباب دينياً،  يمكن  تفسيره ضمن المنظور الانثروبولوجي في الدوافع الذاتية و الموضوعية، وهي تتشابك وتتفاعل فيما بينها لتشكل في النهاية، صناعة الأنا المتطرفة عند الشباب ،والشعور بالإحباط في مجتمع مادي تغلب عليه الفردانية، وعدم القدرة على الاندماج ( المسلمون في اوروبا)، ومحدودية الوعي الديني والمعرفة الفكرية لدى الغالبية الكبرى من الشباب. كما تظهر أيضاً عوامل من نوع،التوق الى تحقيق الأحلام، إثبات الوجود و التعبير عن الشخصية داخل الفضاء الاجتماعي،الوضع النفسي الهش، مشاعر الضياع و اللامعني والنزاع الداخلي بين هويتين ،الارتباط بعالم الجريمة ، رفض المجتمع المفتوح و البحث عن التوبة والعودة للدين واحكام  الشريعة.تشير البيانات غير الرسمية الى أن عدد المسلمين في أوروبا يتراوح ما بين 15 – 20 مليون نسمة، ويعود ارتفاع عدد المسلمين في أوروبا، الى الهجرة الاقتصادية خلال السنوات ال50- 60 المنصرمة، وفي غالبيتهم  كانوا من دول شمال افريقيا وتركيا ، اضافة الى عوامل عدم الاستقرار السياسي والاقتصادي في البلدان الام.بالتأكيد> فإن معظم مسلمي أوروبا ليسوا من المتطرفين، فمن أصل حوالي مليونين ونصف مسلم في فرنسا، ثمة 70 ألف إلى 120 ألف متطرف. إنها المرة الأولى، التي تصطدم فيها القارة العجوز بظاهرة التطرف الإسلامي، وبمغادرة نحو 5 اآلاف من الأوربيين إلى العراق وسوريا، للالتحاق بتنظيم “داعش”. هذا الواقع هو برأى الباحث الفرنسي من اصول مغربية سمير امغار” ظاهرة استثنائية”، يمكن ربطها بعدة عوامل، منها العامل الأيديولوجي، حيث يتضح أن لدى هؤلاء الشباب إيمانا داخليا، بأن ما يقومون به نابع من فكرة الجهاد الواردة في القرآن، وبهذا يبررون العنف والقتل، الذي يمارسونه ضد الآخرين”. العامل الآخر سياسي،و يرتبط بعدم إتاحة الفرصة الكاملة أمام هؤلاء الشباب للتعبير عن رأيهم والمشاركة في الحياة السياسية، إضافة إلى العامل الاجتماعي الذي يتمظهر في التمييز ضدهم والإسلاموفوبيا، وفي البطالة والعزلة الاجتماعية”.صحيح ان تدفق الجهاديين الاجانب ومن بينهم الاوروبيون ازداد مع ارتفاع منسوب قمع النظام السوري وحلفاؤه الروس و الايرانيون و ميليشات حزب الله وتلك الاخرى القادمة من العراق و افغانستان و الباكستان الممولة و المدربة على يد الحرس الثوري الايراني، إلا أن معطيات التقارير الغربية بينت أن من عشرين إلى ثلاثين بالمئة من هؤلاء الشباب، عادوا إلى بلدانهم خائبين، من الأسلوب الشمولي في قيادة وإدارة خلايا داعش، ومن خلافاتهم التي تجعلهم يقتتلون فيما بينهم، ولا يقاتلون نظام الأسد. أصوات مقموعة وخطاب غير شرعيالعامل السياسي يلعب أيضاً دوراً محورياً في تكون التطرف الديني وتحوله الى عنف منظم. وبرأي آمغار في مداخلتة له في ندوة حول التطرف الاسلامي في اوروبا، نظمها المعهد الثقافي الفرنسي في صوفيا، “هناك اشخاصا يختارون التشدد لاأهم يعتقدون بأن صوتهم مقموع، وان الامم الاوروبية لن تصغي لهم ،وبالتالي فأن الخطاب الاسلامي سيظل دائما بالنسبة لهم غير شرعي،من هنا فأن هذا التشدد هو نتاج الاستياء.ولهذا يمكن القول أن رابطة موضوعية تجمع بين حظر التعبير عن الرأي وتبلور الراديكالية عند فرد معين أو جماعة محددة”.كما ويعد العامل الانثربولوجي- الاجتماعي، أحد العناصر المحركة للتشدد ،وهو يساعد في فهم عملية التطرف. يقول آمغار”لاحظنا ان الغالبية من المتطرفين هم بين 18-35 سنة، وأن بعضهم قضى فترات في السجن ،وآخرون لديهم ماض اجرامي”. أضاف ” الاشكالية هي أننا تجاهلنا وقللنا من أهمية ان هؤلاء الاشخاص ليست لديهم اي مسؤوليات عائلية باستثناء احد الاخوة كواشي، الذي كان متزوجا ولديه طفل، فيما جميع المشاركين في الهجمات الارهابية في اوروبا خلال السنوات الاخيرة ليست لديهم زوجات او اطفال ،من هنا يمكننا الافتراض ان المسؤوليات العائلية يمكن ان تكون عائقا امام التطرف ،اذ كلما كبر حجم هذه المسؤوليات ،قل احتمال ميل الفرد الى القيام بعملية انتحارية ،والعكس صحيح تماما”.اما العامل الرابع والاخير فيتمثل في المسألة الاقتصادية- الاجتماعية. يشير آمغار الى، ” ان تشدد الافراد يحدث لانهم يشعرون بالتمييز والاذلال و بأنهم ضحايا الاسلاموفوبيا، ولهذا فاللجوء الى العنف برأيهم هو طريقة للتعبير عن الاستياء من العلاقة السلبية بالمسلمين في اوروبا ،اضافة الى عدم الاستقرار الاقتصادي – الاجتماعي ،فهؤلاء الافراد مبعدون اقتصاديا واجتماعيا ،عاطلون عن العمل ويعيشون على الاعانات الاجتماعية”. إلا أن هذا لا يفسر وجود اشخاص ينتمون الى الطبقات الوسطى والثرية انضموا الى داعش و جبهة النصرة في سوريا والعراق. يقول آمغار،”هذه الحالة تثير المزيد من الاسئلة عن تصوراتنا عن التشدد الاسلامي ،ولكنها تبقى حالات استثنائية اذ ان غالبية الارهابيين ينحدرون من الفئات الفقيرة والمعدمة وجاءوا من المجتمعات الموازية في المدن الاوروبية”.الجهادي الكندي المتحول دميان كليرمونفي العام 2014 صدر تقرير عن الحكومة الفيدرالية في كندا يتحدث عن ظهور عدد قليل من الكنديين، ولكنه مثير للانتباه،  ينتمون لجماعات ارهابية تنشط في خارج البلاد، ويسافرون الى دول في الشرق الاوسط تشهد نزاعات مسلحة مثل العراق وسوريا والصومال وافغانستان.( دميان كليرمون )البالغ عمره 22 سنة كان احد هؤلاء الذين تحولوا من المسيحية الى الاسلام ،وغادر في نوفمبر العام 2012 الى سوريا حيث قتل هناك في الصراع بين الجماعات الاسلامية المختلفة المتصارعة فيما بينها.والدته كانت مصدومة لسفره الى سوريا ومصرعه هناك،وظلت تردد السؤال : لماذا؟.وهو سؤال مازال يتصدر النقاشات حول الراديكالية والجهاد العالمي واسباب انخراط الاوروبيين من اصول اسلامية او المتحولين منهم الى الاسلام في الجماعات العنفية؟.لا يمكن  تجاهل   واقع أن الفرق شاسع ما بين التديّن والتطرف، وما بين الوعي الديني والتعبئة الدينية، فالتطرف هو ثمرة التعبئة الدينية، بما تنضوي عليه من أدّلجة الدين، وتشكيل منظومة من الأفكار والمعتقدات السياسية والثقافية الثابتة لخدمة قضية محددة، بحيث تغدو بمثابة حاضنة بديلة لأولئك الأشخاص المهمّشين، الذين يعانون من العزلة الاجتماعية، وعدم القدرة على الاندماج في مجتمعاتهم، وهم في الأغلب من الشبان الدوغمائيين والعاطلين عن العمل، الذين لم ينالوا حظهم الكافي من التعليم. فالأدلجة لا ترتبط بالدين فقط، ولا بظاهرة التطرف الإسلامي الحديث، بل يمكن رصدها في فترات وأمكنة مختلفة، إذ كيف يمكن لشخص مثل ستالين، أن يصبح ديكتاتورا يقود العالم، ويقتل الملايين لنصرة الأيديولوجيا الماركسية اللينينية.يتضح من الدراسات والبحوث الكثيرة والمختلفة التي اجريت حول ظاهرة الراديكالية والتطرف الاسلامي في المهجر، ان الذين انتقلوا الى مرحلة التطرف العنيف، هم شباب من اصول اثنية متعددة لديهم اسباب مختلفة للانخراط في الجهاد. هم يعيشون في بيئة ثقافة اجتماعية مختلفة ،وفي بعض الاحيان لديهم حوافز فردية، مع انهم يتشاطرون سردية عامة ومواقف واهداف مشتركة.يعزو الباحث في الشؤون الاسلامية والاستاذ في جامعة صوفيا والمحاضر في جامعة برنستون الاميركية سميون افستاتييف هذه الظاهرة الى ما يسميه، عدوى المواطن المحلي المنتفض ثقافيا، وهو توصيف استعاره كما يقول من الباحثة الاميركية في التأريخ الاسلامي باتريشا كروون، ومعناه، أن الفرد الذي تعود جذوره الى ثقافة خاضعة سياسيا ويعيش في مجتمع ذو ثقافة مهيمنة سياسيا ، ويكتشف ان جذوره  الدينية وتقاليده الموروثة لا تتساوق مع المجتمع الذي يعيش فيه بغض النظر عن ولادته فيه، يختار في فترة معينة القيام  بنشاطات سياسية ضده.يقول افستاتييف” بمستطاعنا ان نوصف هذه الحالة ايضا بأنها “عدوى البحث عن مخرج من ازدواجية ثقافية عبر التمرد الراديكالي ضد الثقافة المهيمنة ” ويوضح ” ان احد اول حالات التمردات من هذا النوع في التاريخ كان تمرد  النبي موسى”. واضاف، “ان جذر ظاهرة التطرف، بما يمكن تسميته بانتفاضة الأصل الثقافي، أو العودة إلى الجذور، وهي ظاهرة قديمة جدا، من أوائل نماذجها النبي موسى، الذي فضّل هويته الدينية اليهودية على هويته القومية المصرية -إن جاز التعبير- بمفاهيم ذاك الزمن. وأوضح، “هذه العودة إلى الأصول، عبّرت عن نفسها بالتيار السلفي، وشعار “الإسلام هو الحل” بدءا من الحركة الوهابية”. ليس سرا أن التيار السلفي متواجد في أوروبا، بجانبيه الاجتماعي والسياسي، وهو تيار سلّمي، يرفض التطرف، ومقولة الجهاد، باستثناء نسبة قليلة تٌعرف بالسلفية الثورية او الجهادية، وهي المهيأة عمليا للانجذاب نحو الجماعات المتطرفة. ،الا انه يمكن رصد تزايد حالات تحول الكثير من السلفيين الدعويين الى السلفية الجهادية خلال السنوات القليلة الماضية”.الطريق الى الجهاد العالميالتمعن الدقيق في عملية نشوء التشدد وتنامي درجته الى مستوى العنف المفرط، اي من بداية التجنيد من قبل جماعة سلفية اسلامية متطرفة الى مرحلته النهائية التطوع للقتال او الفعل الانتحاري، هي فترة تستمر ما بين اسبوعين الى ثلاثة اسابيع. ويقول الخبير في شؤون مكافحة الارهاب نيكولاي ايفانوف “أن التطرف  بحد ذاته ليس جريمة، غير ان أن الناس العاديين  قلّما يميزون بين الدين والأدلجة الدينية، وبأن الشبان ينخرطون في الجماعات المتطرفة، ليس لإيمانهم وتعمّقهم في أمور الدين، بل كي يصبحوا شخصيات هامة، لها حضورها وهويتها المميزة، تتحرك في إطار شبكة واسعة من العلاقات، والدين هو الشكل الأسهل لهذا التحقق”. أصبح واضحا ان الشباب المتطرف في اوروبا، تحديداً اولئك المنخرطين في هجمات ارهابية يدركون بأنهم لا يشعرون بأي انتماء للمجتمعات البريطانية والفرنسية و البلجيكية و الكندية او الهولندية، وانما ينتمون ل”اخوتهم واخواتهم” من فلسطين ،العراق،افغانستان ،سوريا او الشيشان. يشير افستاتييف،  “ان رفضهم للثقافة المهيمنة او الغالبة يفتح امامهم الطريق الى الجهاد العالمي،وبغض النظر عن المنطقة التي يأتي منها هذا الفرد فإن مشكلة “المواطن المحلي المنتفض ثقافيا” تتشكل من واقع انه بلا بيت سياسي يمكن ان يشعر فيه انه  بيته ،ولهذا فهو يجب ان يبادر الى تكوين مثل هذا البيت السياسي او بالتحديد اعادة تكوينه من خلال اكتشافه في تفاصيل الماضي، فالقوميون يجدون مثالهم وقدوتهم في الامبراطوريات العظمى القديمة، فيما الجهاديون السنة يرون في الخلافة الاسلامية التي تنفذ القانون المنزل من الله الشريعة الخلاص والحل”.

إقرأ أيضاً