fbpx

هنا القصة الثالثة

خالد العكّاري

خالد العكّاري

مقالات الكاتب

التدبّر الصعب لإيران وإسرائيل

كانت هزيمة الثورات العربيّة وتفسّخها فرصة كبرى ضاعت على شعوب البلدان التي ثارت، بل على المنطقة العربيّة والمحيطة بها على عمومها. وضياع هذه الفرصة لا بدّ أن يتحوّل إلى موضوع للدرس والتفكير على مدى زمنيّ يُرجّح ألاّ يكون قصيراً.

مع هذا، فذاك العنوان العامّ، الذي يمكن أن تكون هزيمة الحرّيّة، أو أيّ معنى من هذا القبيل، مرادفاً له، قابل للتفريع إلى عناوين أخرى في عدادها: تضاؤل قدرة المشرق العربيّ على تدبّر أمر إيران وإسرائيل، البلدين اللذين يحيطانه من الشرق والغرب؟

لماذا إيران وإسرائيل؟ لأنّ نظاميهما من طبيعة توسّعيّة تفضي بهما إلى سعي إمبراطوريّ يتطاول على الطبيعة نفسها. فإيران في طموحها إلى بلوغ أقصى المشرق (لبنان وغزّة) عبر ممرّ عراقيّ – سوريّ، وإسرائيل، التي ولدت أصلاً بالاقتلاع الذي تكمّله راهناً بالاستيطان، ليسا نظامين عاديّين في مخاطرهما على الرقعة الواقعة بينهما، خصوصاً في ظلّ القدرة النوويّة التي تمتلكها الثانية فيما تكافح الأولى لامتلاكها. ومواصفات كهذه لا تصحّ في دولة مجاورة كبرى كتركيّا، على رغم الشعبويّة المقيتة لرجب طيّب إردوغان والتسهيلات التي سبق أن قدّمها لتنظيمات التكفير الإسلاميّ.

 

فذاك العنوان العامّ، الذي يمكن أن تكون هزيمة الحرّيّة، أو أيّ معنى من هذا القبيل، مرادفاً له، قابل للتفريع إلى عناوين أخرى في عدادها: تضاؤل قدرة المشرق العربيّ على تدبّر أمر إيران وإسرائيل، البلدين اللذين يحيطانه من الشرق والغرب؟

 

هذا، بالطبع، ليس دعوة إلى الحرب مع البلدين المذكورين أو مع أيّ منهما. لكنْ يبقى مطلوباً وبإلحاح صياغة توازن إقليميّ معهما يحدّ من قدرتهما على القضم والتوسّع. ويمكننا أن نرى اليوم في بلد كسوريّا مصغّراً حادّاً عن وضع كهذا: ذاك أنّ سوريّا تتعرّض، من جهة، لاحتلال إيرانيّ، فيما لا يزال جزء من ترابها الوطنيّ (هضبة الجولان) خاضعاً للاحتلال الإسرائيليّ. والمسألة تتعدّى ردع النظامين عن التوسّع، استناداً إلى بناء أنظمة عربيّة محترمة تكتسب قوّتها من تأييد شعوبها لها، إلى بناء نموذج قد يؤدّي إلى تعزيز القوى الديمقراطيّة في إيران وإسرائيل وتشجيعها على نظامي البلدين.

ولئن غدا هذا كلّه، بسبب هزيمة الثورات، أقرب إلى أضغاث الأحلام، فإنّ ما يواجهنا، في المقابل، هو صعود النموذج السلطويّ، كما في حالة مصر السيسي مثلاً، معزّزاً بحروب أهليّة – إقليميّة تمضي في تدمير سوريّا وليبيا واليمن. وهنا نخسر مرّتين: فالنموذج السلطويّ المذكور يرنو إلى النموذجين الإيرانيّ والإسرائيليّ كمرجعي تقليد (مع تحاشي الديمقراطيّة الإسرائيليّة بالطبع)، أمّا الحروب الأهليّة والإقليميّة، ولكلّ من إيران وإسرائيل حصّة فيها، فتؤسّس فرصاً ضخمة لازدهار سياسات طهران وتلّ أبيب ولتوسّعهما في المشرق.

والحال أنّ الوضع الدوليّ الراهن يزيد الضيق ضيقاً: ففي مواجهة إسرائيل التي تحالف قيادتُها السياسيّة دونالد ترامب، لا يبدو الوضع العربيّ قادراً على الاندراج في البيئة التقدّميّة العالميّة المناهضة للشعبويّة، سيّما وقد فتحت هزيمة الثورات أوسع الأبواب للهويّات الراديكاليّة والإسلامويّات الأصوليّة التي يستحيل عليها ذاك الاندراج، بقدر ما يستحيل على تلك البيئة تقبّلها واحتضانها. أمّا في مواجهة إيران، فإنّ الاستهداف الترامبيّ لها يوفّر التفافاً يتجاوز اليسار الشعبويّ والراسخين في مناهضة أميركا، إلى قوى ديمقراطيّة أوروبيّة لا تستسيغ الإجراءات العقابيّة للبيت الابيض ولا ترى لها أثراً مفيداً. وفي الحالات جميعاً، تستطيع إيران أن تعثر لسياساتها على غطاءات عابرة للحدود تُموّه وتُحوّر ظلمها لشعوبنا (ولشعبها) وتقدّمه “صموداً في مواجهة الإمبرياليّة”. أمّا نحن، في المنطقة التي تحصد آثار هزيمة الثورات، فلا يتبقّى لنا إلاّ استعادة نشيد النواح الشهير: يا وحدنا.

إقرأ أيضاً:

لا يكفي أن يكون المرء ضدّ إيران

إيران: خطباء الجمعة حكام السبت

إقرأ أيضاً