fbpx

هنا القصة الثالثة

ياسمين ابراهيم

ياسمين ابراهيم

مقالات الكاتب

التحوّل السياسيّ والإيديولوجيّ الذي نعمل على تجهيله

علي عمّار، نائب حزب الله عن الضاحية الجنوبيّة من بيروت، هو ابن شقيق محمود عمّار، النائب الذي سبقه في تمثيل المنطقة نفسها، إنّما بوصفه شمعونيّاً. خصومه من شيعة الضاحية كانوا يقولون: إذا أضعتَه يوم الأحد فابحث عنه في كنيسة مارونيّة.
محمّد حمادة الذي لا تكفّ محطّة “المنار” التابعة لحزب الله عن استضافته، كي يدلي بآرائه الاستراتيجيّة النبيهة، هو نجل قحطان حمادة. الأخير كان زعيم الشمعونيّين الدروز في الشوف. عام 1957، وكان كميل شمعون رئيس الجمهوريّة، حلّ قحطان حمادة في المقعد النيابيّ لقضائه محلّ كمال جنبلاط.
في تاريخ لبنان الحديث كان الحزبان الأكبر اللذان لم يمثّلا طائفة بعينها، أي الشيوعيّ والسوريّ القوميّ، أشبه بفيدراليّة طوائف محتجّة على “الميثاق” (المارونيّ – السنّيّ) في 1943. الحزبان انضوى فيهما من الروم الأرثوذكس والدروز والشيعة أضعاف أضعاف ما انضوى من الموارنة، وخصوصاً من السنّة.
في الخمسينات انسحب إلى الحزب التقدّميّ الاشتراكيّ (الدرزيّ) شبّان مسيحيّون سبق أن انتسبوا إليه (كلوفيس مقصود، جبران مجدلاني، موريس صقر…). أغلب هؤلاء انتهوا في حزب البعث العربيّ الاشتراكيّ، وكانوا على صلة وثيقة بمؤسّسه ميشال عفلق.

 

التحوّلات السياسيّة والإيديولوجيّة المذكورة، وسواها، نمت في موازاة النموّ البطيء والمديد للوعي الهويّاتيّ، وما صاحبه من تحطّم الدول والمجتمعات. وفي تلك المسيرة تعاظم التراجع عن “الوطنيّ” و”التقدّميّ” و”العقلانيّ” ممّا نشهد اليوم.

في النصف الثاني من الستينات، كان الشابّان الكتائبيّان، الكاثوليكيّ ميشال سماحة والأرمنيّ كريم بقرادوني، أبرز رموز “اليسار الكتائبيّ” الداعي إلى الانفتاح على المسلمين و”الحوار” مع المقاومة الفلسطينيّة في لبنان. بقرادوني بات من أقرب المقرّبين إلى بشير الجميّل. سماحة وبقرادوني تبنّيا لاحقاً الخطّ السوريّ. أوّلهما ترجم تحوّله السياسيّ أمنيّاً فنقل بسيّارته متفجّرات أُعدّت في سوريّا لقتل مواطنين لبنانيّين.
في 1966، انشقّ حزب البعث في لبنان، ما بين مؤيّد لانقلاب 23 شباط “القطريّ” في سوريّا ومؤيّد للقيادة العفلقيّة التي ما لبثت أن استقرّت في العراق. بدا واضحاً جدّاً أنّ شيعة البعث وقفت أغلبيّتهم الساحقة مع دمشق، فيما سنّته وقفت أغلبيّتهم الساحقة مع بغداد.
في الثمانينات، نشأت ظاهرة أخرى لم تقتصر على لبنان إذ تعدّته إلى العالم العربيّ، وكانت لها أبعاد عالمثالثيّة: شبّان ماويّون انتموا إلى منظّمة فتح. في موازاة ذلك اكتسبوا وعياً إسلاميّاً: الشيعة منهم اعتنقوا الخمينيّة الإيرانيّة. السنّة تعاطفوا مع الحركات السنّيّة الأصوليّة.
مع الحرب، كفّ الحزب الشيوعيّ اللبنانيّ عن استقطاب مسيحيّين. أكثريّته صارت شيعيّة، وفي 2005 اصطفّ الحزب في 8 آذار. بقايا مسيحيّيه ودروزه انتموا إلى “اليسار الديمقراطيّ” الـ 14 آذاريّ وإلى باقي المجموعات المعارضة والمنشقّة عن الحزب.
كثيرون من سنّة اليسار صاروا حريريّين. كثيرون من شيعته انضووا في خيمتي حزب الله وحركة أمل. بحساب الانقسامات الشيعيّة التقليديّة، غرف الحزب من البيئة الأسعديّة. الحركة من البيئة العسيرانيّة. مسيحيّاً، التيّار العونيّ اتّسع لتمثيل أرثوذكسيّ لم يُقبل على حزب الكتائب أو القوّات اللبنانيّة، كما اتّسع لوافدين من الحزب السوريّ القوميّ.
هذه الأمثلة – المتفاوتة الحجم والأهميّة – أشدّ تنوّعاً من أن تُدمَج في خانة واحدة، وأعقد من أن تُردّ إلى خلاصة وحيدة. إلاّ أنّها تحضّ على التفكير في هذه الظاهرات والتحوّلات، وفي كيفيّة اشتغال الإيديولوجيّ والعصبيّ بوجهيه العائليّ والطائفيّ: أين تتقاطع هذه الأبعاد وأين تتنافر، ومتى تكون الأولويّة لهذا البعد ومتى تكون لذاك؟ وبالتالي، أين تكمن البنى التحتيّة لأنماط وعينا، وكيف نفرز العابر عن الراسخ، والمعلن عن المضمر؟
والحال أنّ فخامة الانشغال الإيديولوجيّ أفضت إلى السكوت عن هذا الواقع “المتواضع” الذي يتيح إضاءة الكثير من مساحات الغموض اللبنانيّ، وإلى حدّ بعيد العربيّ. لكنّ الإيديولوجيا هنا، وكما هو دأبها الغالب، لعبت بكفاءة دورها في حجب الواقع والوقائع.
شيء واحد يمكن قوله، هو أنّ التحوّلات السياسيّة والإيديولوجيّة المذكورة، وسواها، نمت في موازاة النموّ البطيء والمديد للوعي الهويّاتيّ، وما صاحبه من تحطّم الدول والمجتمعات. وفي تلك المسيرة تعاظم التراجع عن “الوطنيّ” و”التقدّميّ” و”العقلانيّ” ممّا نشهد اليوم.

الصراع من أجل الليبراليّة في أوروبا

إقرأ أيضاً