fbpx

هنا القصة الثالثة

حازم الأمين - صحافي وكاتب لبناني

حازم الأمين - صحافي وكاتب لبناني

مقالات الكاتب

الباغوز: العالم يشهد على موت مولوده… فمن سيخلفه؟

قوات كردية تحتفل في الباغوز

الباغوز، حصن “داعش” الأخير في شمال سوريا على وشك أن تسقط بيد القوات الكردية. لكن لنعد خطوة إلى الوراء ولنعاين المشهد من مسافة أبعد قليلاً من خطوط القتال، وسنكتشف أننا أمام أغرب خريطة نفوذ شهدتها الحروب في العقود الأخيرة. على بعد كيلومترات قليلة من الباغوز لجهة الغرب، تتمركز قوات النظام السوري وميليشيات شيعية وخبراء روس، وإلى الشمال والشمال الشرقي تمتد الحدود التركية – السورية، حيث يتحفز الأتراك للانقضاض على قوات قسد. وليس بعيداً من الباغوز أيضاً تتمركز قوات عراقية خلف الحدود السورية، وتتمدد إلى داخل سوريا مدعومة بميليشيات الحشد الشعبي الذي تديره إيران. ووسط خطوط الاشتباك هذه، ثمة نحو مئتي جندي أميركي يساعدون الأكراد براً في حربهم على “داعش”، فيما تتولى مقاتلات أميركية قصف ما تبقى من مواقع التنظيم من الجو.

خطوة أخرى إلى الوراء يصبح المشهد أكثر تعقيداً. تدخل على خطوط الاشتباك هذه، إسرائيل في جنوب سوريا، لا بل في وسطها أيضاً حيث تتولى مقاتلاتها استهداف المواقع الإيرانية، والأخيرة تتلقى الضربات بصمت وخبث، ذاك أن الغنائم تعد بتعويض الخسائر!

لكن وفي موازاة خريطة الاشتباك المعقدة هذه، ثمة خريطة تفاهمات لا تقل تعقيداً. تفاهم روسي – إسرائيلي في جنوب سوريا، في مقابل اشتباك متواصل بين تل أبيب (حليفة موسكو في الجنوب) وطهران (حليفتها في الوسط والشمال). وثمة تفاهم بين موسكو وأنقرة في ادلب واشتباك بالواسطة بينهما في الغرب والوسط عبر حلفاء العاصمتين. بين طهران وأنقرة تفاهم حول خصومة الأكراد، ترجم في الفترة الأخيرة اشتباكاً بين حزب العمال الكردستاني والجيش العراقي في جبل سنجار، ومن المرجح أن يمتد الاشتباك إلى سوريا، إنما بينهما حرب في ادلب وتوتر في عفرين. وأدوار أنقرة في سوريا تتقاطع مع مساعي تل أبيب للحد من نفوذ طهران في سوريا، وفي الوقت ذاته يخوض رجب طيب أردوغان انتخاباتٍ محلية في تركيا بلغة شعبوية أحد أعمدتها الصراع مع إسرائيل.

 

ربما كانت العودة إلى ولادة “داعش” مفيدة، وتقود إلى بعض الفهم، ذاك أن لا أحد بريء في هذه اللحظة. الدور الإيراني حاسم في هذه الولادة، والسقوط السهل لمدينة الموصل عام 2014، لا يمكن أحداً أن يُسقط عنه تواطؤ طهران، وسعيها في ذلك الوقت إلى تصوير خصومها المذهبيين وحوشاً. دور أنقرة لا يقل وضوحاً في هذه الولادة.

 

واشنطن ليست بعيدة من مشهد الرياء والمراوغة هذا. تدعم الأكراد القريبين من حزب العمال الكردستاني في شمال سوريا، مع وعد للروس وللنظام في سوريا بانسحاب وشيك يترك الأكراد في العراء، وهي، أي واشنطن، تراوغ أنقرة وتباشر حصاراً على إيران، وتستثمر في هذا الحصار في الخليج، فيما تُرخي لبغداد حبل العلاقة بينها وبين طهران.

إنها الحرب على “داعش”، وهذا هو مشهدها. “داعش” تقيم في مئات قليلة من الأمتار في الباغوز، فيما جيوش العالم كله متأهبة ومنتظرة ما لا نعرفه! وربما كانت العودة إلى ولادة “داعش” مفيدة، وتقود إلى بعض الفهم، ذاك أن لا أحد بريء في هذه اللحظة. الدور الإيراني حاسم في هذه الولادة، والسقوط السهل لمدينة الموصل عام 2014، لا يمكن أحداً أن يُسقط عنه تواطؤ طهران، وسعيها في ذلك الوقت إلى تصوير خصومها المذهبيين وحوشاً. دور أنقرة لا يقل وضوحاً في هذه الولادة. الحدود السورية – التركية تشهد على تواطؤ أنقرة مع التنظيم وعلى رعايتها العبور إليه عبر أراضيها. النظام السوري مثّل “داعش” هدية كبرى له، وإطلاقه السجناء الإسلاميين منذ بداية الاحتجاجات ضده أيضاً قرينة ثابتة على أدواره على صعيد “نشر الجهاديين على جبهات القتال”. وما كشفته تحقيقات وكالة “رويترز” من وثائق تثبت إرسال موسكو “المجاهدين الروس” من جبال الشيشان إلى سوريا، يضع موسكو في صلب مشهد تلك الولادة. دول الخليج وقنوات التمويل والسقوط في وهم صناعة تنظيم يتولى قتال “الشيعة”، والغرب الذي أتاح لـ”مجاهديه” فرصة الخروج إلى بلاد الجهاد، كل هؤلاء هم آباء التنظيم وأمهاته.

عائلات يقال انها من تنظيم داعش تستسلم للقوى الكردية في الباغوز

اليوم لم يبق سوى أمتارٍ قليلة في الباغوز بيد التنظيم، لكن الجيوش متأهبة كلها، وعلى بعد كيلومترات قليلة من الموقع الأخير للتنظيم. كل هذا المشهد وما زالت مقولة “الحرب على داعش” تجد من يطمح إلى الاستثمار فيها. الأقنعة على وجوه الجيوش لم تعد تخبئ شيئاً. جيوش نظامية في مواجهة مقاتلين من العالم كله. بريطانيا نزعت الجنسية عن مواطنتها، ولا تريد أن تستعيدها. واشنطن التي هددت الدول المصدرة للمقاتلين بأنها ستطلقهم اذا ما لم تبادر حكومات بلدانهم إلى استعادتهم، رفضت بدورها استعادة مواطنة أميركية المولد والمنشأ. الأردن يريد من حكومتي بغداد ودمشق أن تحاكم الأردنيين من أبناء التنظيم كونهم ارتكبوا جرائمهم على أراضي العراق وسوريا وليس على أرضه. تونس صاحبة أكبر جالية في “دولة الخلافة” تتهرب من مواجهة حقيقة وجود جزء من “شعبها” في سوريا وفي العراق.

أمتار قليلة ويتم الإجهاز على هذا المسخ الذي أنجبه العالم كله. الجيوش المحتشدة على بعد كيلومترات قليلة من ذلك الحدث لم تحتشد لمعاينة ذلك الحدث الجلل. لكل منها حكايته مع الكارثة السورية. أنقرة تريد رأس الأكراد، ودمشق تريد رأس السنة السوريين، وواشنطن تريد رأس طهران، والأخيرة تريد خط مواجهة مع تل أبيب، والجميع يعتقد أن الأمتار القليلة المتبقية بيد التنظيم ستؤمن له مهمة استكمال حربه مع عدوه في سوريا.

وفي هذا الوقت، ثمة مخيم أقامته القوات الكردية، يقيم فيه حوالى 40 ألف طفل وامرأة، هم عائلات عناصر التنظيم، وليس بعيداً منه ثمة هلال هائل من المخيمات يقيم فيها أبناء المدن المدمرة يبلغ تعدادهم نحو عشرين مليوناً بين العراق وسوريا ولبنان والأردن وتركيا. والأرجح أن يطلب العالم من هؤلاء لاحقاً إنجاب النسخة المستقبلية من “داعش”، ذاك أن هزيمة التنظيم قبل أن تنجز الجيوش مهماتها، قد يتطلب مولوداً جديداً.

في الحرب على تنظيم الدولة.. من المنتصر ومن المهزوم (فيديو)

إقرأ أيضاً