الانتفاضة اللبنانية : لماذا هي ثورة النساء أيضاً؟

بادية فحص – صحافية وكاتبة لبنانية
نوفمبر 25, 2019
انطلاقا من المآسي التي كنا شاهدات عليها، والمآسي التي لم نسمع بها، والمآسي التي تتحضر لكل واحدة منا، أدعو من منبر "درج"، كل امرأة لبنانية إلى التلاقي في ساحة من ساحات الثورة، كي نعرض مآسينا ونتناقش ونتحاور...

منذ اليوم الأول لثورة 17 تشرين الأول/أكتوبر اللبنانية، نسمع عبارات متل: “الثورة أنثى” و “أجمل ما في ثورتنا نساؤها”، وبمراجعة بسيطة لمشهد الثورة، نجد أن هذه التوصيفات لم تأت من فراغ، كما أنها ليست ترفاً، أو مجاملة، أو محاولة لتلميع صورة المرأة اللبنانية وإعطائها صفات ثورية مجانية، إنما أتت من الحضور الواسع والهائل والصوت الهادر والجريء للمرأة اللبنانية في كل الساحات.

الثورة اللبنانية، بشهادة الجميع، قدمت نموذجاً راقياً في التمسك بالسلمية والمدنية، وأثبتت فرادة بإصرارها على عدم الانجرار إلى فخ الصدام والعنف، وقبل ذلك كله، تمكنت من كسر الصورة النمطية عن نساء لبنان في عيون الخارج العربي والغربي، ومن تحطيم حواجز الذكورية والمفاهيم الاجتماعية الموروثة في المجتمع اللبناني.

أدعو من منبر “درج”، كل أم أو امرأة لبنانية عموماً، وكل أم أو امرأة شيعية مسلوبة حقوقها، مهددة في أمومتها، إلى التلاقي في ساحة من ساحات الثورة، كي نعرض مآسينا ونتناقش ونتحاور، من أجل تشكيل جبهة مصغرة قابلة للتوسع..

في ساحات الثورة اللبنانية، رأينا نساء يتصدين بأجسادهن الضعيفة، التي كانت قبل الثورة، سبب اضطهادهن، لهجمات “الشبيحة” من أحزاب السلطة، الذين اعتدوا على المتظاهرين، ورأيناهن كيف وقفن حاجزاً بشرياً أمام العسكر ليحموا رجال الثورة، على عكس المفهوم النمطي الاجتماعي، وفي السلسلة البشرية التي انعقدت من شمال لبنان إلى جنوبه، كان الحضور النسائي طاغياً. وعلى المنصات وفي الخيم المنصوبة بالساحات وفي الإعلام وفي الهتافات وفي قيادة المظاهرات، تصدرت النساء المشهد، حتى أنهن خطفنه، واستطعن أن يخففن من خشونته واحتمالات تحوله إلى عنف، وفي مسيرة “شموع نساء لبنان”، شهدنا كيف تندفع المرأة اللبنانية إلى الشارع بتلقائية وعفوية، ومن دون انتظار إشارة الانطلاق من أحد أو من جهة، وهي تحمل شمعة بيد وباليد الأخرى “طنجرة”، لتعلمنا أن هذا الكائن الذي خرج المطبخ، يملك القدرة على إنارة ظلام العالم كله.

المرأة اللبنانية في الثورة، ثارت مع الرجل، وثارت في الوقت نفسه على ذكوريته، فقد شهدت الساحات ومازالت، مسيرات لأمهات طالبن بحقهن في منح جنسيتهن لأبنائهن وبناتهن، ونساء تحدثن عن التمييز الجندري في الوظيفة والسياسة والاقتصاد، ونساء حكين عن عذاباتهن الشخصية، بسبب قوانين الأحوال الشخصية الجائرة، في قضايا الزواج والطلاق والعنف الأسري والحضانة.

الثورة اللبنانية، شكلت فرصة أيضاً، لعدد كبير من الأمهات في الطائفة الشيعية، لإيصال أصواتهن إلى العالم، بعدما خنقتها قوانين المحكمة الجعفرية والمجتمع الشيعي الذي يقدس الذكورية، كونه كرس في ذهن الناس صورة الرجل البطل والمرأة التابعة، التي عليها أن ترضى بفتات الحقوق، لأن الحق الوحيد الذي يجب أن يُسمع هو لصدى معارك الرجل الاستراتيجية وانتصاراته فيها، ومناوراته وتحالفاته للحفاظ على وحدة الطائفة.

الثورة اللبنانية، يمكن أن نسميها أيضا، ثورة الأم الشيعية المحرومة من حضانة أطفالها، ومن رؤيتهم في كثير من الحالات، هي ثورة الأم المناضلة نادين جوني التي ماتت قبل أن تسترجع حقها بأمومة كاملة لابنها، هي ثورة أروى وديانا ولينا وثورتي أنا أيضاً، نحن اللواتي كسرت قلوبنا وقصفت أعمارنا ذكورية مجتمعنا وشرعنا وقوانين محكمتنا الجعفرية.

وانطلاقا من المآسي التي كنا شاهدات عليها، والمآسي التي لم نسمع بها، والمآسي التي تتحضر لكل واحدة منا، أدعو من منبر “درج”، كل أم أو امرأة لبنانية عموماً، وكل أم أو امرأة شيعية مسلوبة حقوقها، مهددة في أمومتها، إلى التلاقي في ساحة من ساحات الثورة، كي نعرض مآسينا ونتناقش ونتحاور، من أجل تشكيل جبهة مصغرة قابلة للتوسع، ونرفع كتاباً إلى منظمة الأمم المتحدة، وبالتحديد إلى منظمة حقوق الإنسان ومنظمة الأمم المتحدة للطفولة “يونيسف” وهيئة الأمم المتحدة للمرأة، نسرد فيه معاناتنا وأسبابها، ونطلب منها التدخل فورا لحلها.

وهنا، وتخفيفاً من الهلع الذي قد يصيب بعضنا، من احتمال اتهامنا في استدعاء جهات أجنبية للتدخل في شؤوننا، لا بد من الإشارة، إلى المبادرة التي اتخذتها النساء الإيرانيات، في شهر أيلول/سبتمبر الماضي، حيث انتهزن فرصة استضافة بلادهن مباريات تصفيات كأس آسيا الممهدة لكأس العالم، فرفعن شكوى إلى الاتحاد الدولي لكرة القدم “الفيفا”، أعلمن فيه رئيسه جياني إنفانتينو، أن حكومة بلادهن تمنعهن من الدخول إلى الملاعب الرياضية، لأسباب دينية، وقمن على مدى أسبوع بإمطار بريد إنفانتينو الخاص ب 50 ألف إيميل، شرحن فيه معاناتهن مع القوانين التمييزية التي تقيد حرياتهن الشخصية، وتدخل إنفانتينو على الفور، مشترطاً على الحكومة الإيرانية حلّ القضية، وتخصيص مدرج للنساء لمشاهدة المباريات، وإلا سيحرم إيران من استضافة التصفيات، وكانت النتيجة أن رضخت إيران للشرط، وتمكنت النساء الإيرانيات بعد أربعين سنة من الحرمان، من الدخول إلى ملعب “آزادي” في طهران ومشاهدة المباريات.

عن فقء عينَي فاطمة والجدل الذي رافقه: قراءة في “استثنائيّة” الجريمة
لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني

إقرأ أيضاً

بادية فحص – صحافية وكاتبة لبنانية
سأحمل مسؤولية ما حصل مع لينا لرجال الدين، لماذا؟ يعتبرون أنفسهم قوامين علينا، يخاطبوننا عبر الفضائيات والمحليات والمنابر، وهم يحملون بإيديهم وألسنتهم عصياً غير مرئية، يسوقوننا بها كما يسوق الراعي الغنم، وإذا شرد أحدنا، يتحولون إلى ذئاب تنهش لحمه، كما نهشوا لحم لينا ونادين وأخريات.
ترجمة – The Guardian
يُعد المنتمون إلى الأقليات العرقية أكثر عرضة للإصابة بأمراض نفسية من نظرائهم البيض.
مايا العمّار- صحافية لبنانية
بعد المسيرات النسويّة غير المسبوقة التي شهدها العراق، تحدّث “درج” مع إحدى أبرز المناضلات الحقوقيّات العراقيّات للوقوف عند رأيها بالمشهد النسوي المستجد وتطلّعاتها للجيل العراقي الجديد، أو “جيل الحريّة”… فماذا قالت عن المسيرات النسويّة؟
مايا العمّار- صحافية لبنانية
انتزعت العراقيات الساحات، تماماً كما فعلن منذ اليوم الأول للثورة. لم تردعهن دعوات الفصل بين النساء والرجال في التظاهرات التي جاءت على لسان بعض الشخصيّات الدينيّة، فملأن الشوارع وهتفن بأعلى الصوت: “إنتِ الثورة وهم العورة!”
إيمان عادل- صحافية مصرية
كانت الهواجس راكدة في داخلي لكن حادثة فتاة المنصورة قضت على محاولاتي للإنكار. أتابع الفيديوات وأنا أقبض على يدي بقوة، فكل واحد من هؤلاء له عندي صفعة قوية رداً على ما فعلوه مع فتاة المنصورة وما فُعل بي وبلارا لوغان وفتاة التحرير وفتاة العتبة والفتيات الأخريات المجهولات.
ميريام سويدان – صحافية لبنانية
التناقض الذي تظهره قطر بين القوانين والممارسات، يؤكد وجود صراع قطري داخلي، بين اعتبار قطر دولة عربية منفتحة على العالم، وتنافس على أضخم الأحداث العالمية، ككأس العالم مثلاً، وبين كونها دولة عربية محافظة تخضع لقيود دينية واجتماعية.
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني