الانتفاضة اللبنانية خارج وجدان الإعلام العربي

من حسن حظ الانتفاضة اللبنانية أنها ما زالت على هامش انشغالات الإعلام العربي. قناة "الجزيرة" لم تتحول إلى قناة "الثورة" على نحو ما كانت هذه القناة في سوريا ومصر واليمن وغيرها، وقناة "العربية" ما زالت حذرة في تحويلها الانتفاضة إلى قصتها الرئيسية.

من حسن حظ الانتفاضة اللبنانية أنها ما زالت على هامش انشغالات الإعلام العربي. قناة “الجزيرة” لم تتحول إلى قناة “الثورة” على نحو ما كانت هذه القناة في سوريا ومصر واليمن وغيرها، وقناة “العربية” ما زالت حذرة في تحويلها الانتفاضة إلى قصتها الرئيسية. هذه الحقيقة هي أحد إنجازات الانتفاضة اللبنانية، ذاك أن التظاهرة في بيروت لا تغري شاشة تسعى وراء تحويل الثورات إلى مشهد لحى، ولا تجذب شاشة أخرى تريد توظيفها في مواجهة إقليمية لا يد لها فيها ولا رغبة. لهذا تماماً انكفأت هاتان الشاشتان عن انتفاضتنا، بينما توجهت الشاشة الإقليمية الثالثة، أي “الميادين”، إلى قصر بعبدا حيث يقيم الرئيس المحاصر بالمتظاهرين، وصارت شاشته، وهذا أيضاً فأل خيرٍ للانتفاضة ولأهلها.

والحال أن هذا الإعلام كان جزءاً من زمن فشل الثورات ومن آليات إجهاضها، والانتفاضة اللبنانية إذ نجحت في تفادي تحولها إلى مشهدٍ يغري هذه القنوات، لم يكن نجاحها هذا مصادفة. فـ”كلن يعني كلن” تشمل أيضاً نظام الإعلام الإقليمي، وهو وإن لم يشهر على نحو مباشر في وجه هذه الشاشات، إلا أن ممارسات التظاهرة اندرجت في سياق يخرج هذه الشاشات من منطقة جاذبية الانتفاضة. “قلة التهذيب” مثلاً، وهي أحد أشكال الانتفاضة على “تهذيب” السلطة وعلى لغتها، لن تجد في ثقافة “الجزيرة” صدى ومكاناً ومشهداً. هذا ليس تفصيلاً طفيفاً، فالانتفاضة في لبنان صدرت عن حساسية منفصلة تماماً عن تلك التي وظفت فيها “الجزيرة” حضورها وانتشارها. تولي النساء قيادة الانتفاضة وتحولهن إلى صوتها وصورتها يخلق في ثقافة “الجزيرة” وفي لغتها ارتباكاً لا تستطيع تداركه. وإذا كانت “العربية” أكثر تخففاً من خصمها القطري في تظهير المشهد الجندري للتظاهرة اللبنانية، فهي لا تستطيع النفاذ إلى أكثر من قشرة هذا المشهد، ذاك أن صوت المرأة في التظاهرة كان مرتفعاً وجارحاً ومُستهدِفاً من بين ما استهدف، ذلك التنميط الاستهلاكي لصورة المرأة. ثم أن لدى “العربية” مشكلة أخرى مع التظاهرة، فهي فعلاً خارج منطق الانقسام الذي تمثله المحطة في الإقليم، وهي غير معنية بالحرب بين الرياض وطهران، وقد يخرج من التظاهرة من هو مندد بالقصف السعودي للعاصمة اليمنية، وهذا ما حصل فعلاً وأكثر من مرة.

المقصود هنا ليس التغطية العادية واليومية للحدث اللبناني، فهذا يحصل على الأرجح، ولكن أن تصبح هذه القنوات العربية جزءاً من هذا الحدث على نحو ما حصل في دول الثورات العربية، فهذا كان سيحدث فارقاً ليس في مصلحة الانتفاضة. فـ”الجزيرة” كانت تلفزيون الإخوان المسلمين في مصر و”العربية” هي شاشة نظام السيسي، وفي ليبيا تتوزع المحطتان على طرفي الجبهة، وفي اليمن تنتقل كاميرات “الجزيرة” و”العربية” وفقاً لتبدل مواقع الرياض والدوحة من المقتلة اليمنية.

التظاهرة اللبنانية كشفت أن الحدث يمكن أن يكون حدثاً حتى لو لم تصنعه الشاشات الكبرى.

إعفاء الانتفاضة اللبنانية من هذه الأدوار هو دليل عافية سيحصن التظاهرة من احتمالات ما آلت إليه أوضاع الانتفاضات العربية، لكنه أيضاً يؤشر إلى ظاهرة أخرى هي هامشية الإعلام العربي في موجة الانتفاضات الثانية التي تشهدها دول مثل لبنان والعراق والجزائر والسودان، والتي أبدت مقاومة فعلية حيال تحول الانتفاضات إلى حروب أهلية، ذاك أن مناعة مكتسبة من التجارب المريرة أفضت إلى رفع منسوب الحساسية من تدخل قوى خارجية في محاولات التغيير، وإلى قناعة بأن التغيير لا يقتضي الإطاحة بالدولة وبالمؤسسات. فالسودان أطاح بعمر البشير وابتكر صيغة للعلاقة مع المؤسسة العسكرية، وفي الجزائر ثورة هادئة على النظام الذي أرسى الجيش قواعده، وهذه وجهة لا تألف شاشات مثل “الجزيرة” و”العربية” التعامل معها طالما أنها لا تندرج في سياق مواجهات موازية بين الدوحة والرياض أو بين الأخيرة وطهران.

التظاهرة اللبنانية كشفت أن الحدث يمكن أن يكون حدثاً حتى لو لم تصنعه الشاشات الكبرى. تونس، الدولة الناجية من مصائر الموجة الأولى من الثورات العربية، استدركت ثورتها احتمالات الشطط بعد أن صنعت لها “الجزيرة” مشهد الثورة الأول، فبادرت إلى إعادة تأليف صورة تونس بعد زين العابدين بن علي، وانكفأت المحطة القطرية بعد هزيمة حركة النهضة في الانتخابات، وتصدرت التجربة هموم لها علاقة بالدولة الحديثة وبحقوق المرأة وقوانين الإرث، وهذا يبقى خارج هموم “الجزيرة” وخارج فهمها للحدث.

الحدث اللبناني ينطوي بدوره على جفاء موازٍ لهموم الحدث كما تفهمه محطات الانقسام العربي، وهذا بدوره يعفينا من أن نكون هدفاً لكاميراتها.

الانتفاضة اللبنانية: جُعَب سلامة وبرّي ونصرالله الفارغة 

Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email

إقرأ أيضاً

هديل مهدي – صحافية لبنانية
هل سطوة الطوائف أقوى من حقوق الأطفال خصوصاً الذين يتعرضون لانتهاكات جسيمة؟
ترجمة – هآرتس
وُصفت أعمال العنف، التي يُعتقد أنها أسفرَت عن مقتل حوالى 300 شخص، بأنها أقوى انتفاضة شهدتها إيران مذ جاءت “الثورة الإسلاميّة” بالنظام الحاليّ إلى السلطة عام 1979.
هوشنك اوسي – كاتب وصحافي كردي سوري
ما لا يختلف عليه اثنان أن التمدد العثماني في البلدان الإسلاميّة والعربيّة لم يكن قوامه العُلوم والفلسفة والفنون والآداب والموسيقى، بل كان بوسائل أخرى، تذكرها كتب التاريخ.
زهير جزائري – كاتب عراقي
لا يبدو قائد المجموعة في عجلة من أمره. يريد تبديد الوقت في الطريق إلى الاشتباك. مهمة ثقيلة الوطأة عليه، أن يقتل شباناً يافعين، سيصعب عليه حين ينفذها أن ينظر في عيون أولاده. وحين ينام ستخيم عليه الكوابيس.
“درج”
“لم أتذكر حينها شيئاً سوى زوجتي وطفلتي أسيل، وهما تنتظران عودتي على الغداء ظهر الجمعة… الضيف الذي لم يأتِ بعد، ولا تعرفان له أثراً”، يقول المصور طه صالح.
أحمد الأحمد – صحافي سوري
خلال إعداد هذه القصّة كتبتُ أن حصيلة عدد القتلى المدنيين على إدلب في هذا اليوم بلغت 12 قتيلًا بسبب الغارات الجوية الروسية، وبينما أكمل في تحرير القصّة، ارتفع العدد ليصبح 16 قتيلاً، وقبل أن أنتهي من تحريرها وإرسالها للنشر أصبح إجمالي عدد القتلى 20 قتيلًا.
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email