الانتفاضة اللبنانية: جُعَب سلامة وبرّي ونصرالله الفارغة 

حازم الأمين – صحافي وكاتب لبناني
نوفمبر 11, 2019
لا يبدو أن لدى أحدٍ شيئاً ليقوله لنا. كان يوم انتظار طويل. بري وسلامة ونصرالله. كل هؤلاء لا شيء يقولونه عن تشكيل الحكومة، ولا قبولهم أو رفضهم لنماذجها وأشكالها، وحديثهم عن الإفلاس حمل قدراً من الاستخفاف بعقول المحتجين، وكشف عن المزيد من القطيعة بينهم وبين جيل الانتفاضة...

وفي الخطاب الرابع لم يقل أمين عام “حزب الله” حسن نصرالله شيئاً يستحق الانتظار! نصح اللبنانيين بالاستعاضة عن الولايات المتحدة الأميركية بالصين، واستبشر خيراً باكتشاف إيران حقل نفط عملاقاً، ورحب بخطاب الزعيم اليمني عبد الملك الحوثي وما خلفه هذا الخطاب من رعب في تل أبيب.

قبل السيد حسن بنحو ساعة كان اللبنانيون على موعد مع حاكم مصرف لبنان رياض سلامة، الذي بدوره لم يضف فكرة واحدة تساعدنا على فهم وضعنا المالي. قال إن لا “capital control” في وقت نعرف جميعاً أن هناك “capital control” قوياً. وقال إن احتياط مصرف لبنان من العملة الأجنبية يبلغ نحو 38 مليار دولار، وهذا الرقم يشكك به أصغر مصرفي في لبنان. وبين السيد والحاكم أطل رئيس المجلس النيابي اللبناني نبيه بري في لحظة عزيزة على قلوب اللبنانيين لم يشهدوا مثيلاً لها منذ عقود وعقود، وأبلغهم بتأجيل الجلسة النيابية التي كان مزمعاً عقدها صباح الثلثاء، لأسباب أمنية، فأطاح بري بفيديو كنا بصدد إعداده عن خرق المجلس الدستور في مسألة عقد الجلسة.

إنه “إثنين الخطب”، على نحو ما كان يوم الأحد الفائت “أحد الإصرار”. إثنين الخطب الذي لم يجد فيه الخطباء في جعبهم ما يقولونه لمخاطبيهم. نصرالله استبشر خيراً بحقل نفط إيراني، وسلامة طمأن إلى ملاءة المصارف وبري قال إنه مع  المتظاهرين منذ عام 1963. لماذا إذاً هذا الإصرار على ملازمة المنابر؟ السلطة تعيش لحظات هذيانية على ما يبدو. تريد أن تخاطب الشعب، تريد أن تقول ما هي عاجزة عن قوله ربما. علينا أن نذهب إلى ما تضمره العبارات، وإلى ما تنطوي عليه المشاهد. البلد على شفير الإفلاس، ومن غير المنطقي ألا يلقي الخطباء كلمات عن هذا الإفلاس. الخطب الثلاث كشفت في تعاقبها إفلاساً موازياً، وكشفت مرة أخرى انفصالاً عن الواقع. وجوه الخطباء حملت هذه المرة بعضاً من الأسى والخوف، وما تجوالهم بين العبارات عديمة المعنى والدلالة سوى صورة عن هاوية يشعرون بأنهم على أبوابها.

 

حين قال السيد نصرالله إن “الحراك” أعطى الطبقة السياسية درساً لن تتمكن بعده من حماية فاسد واحدٍ، أخرج الفاسدين من هذه الطبقة، وجعلهم جزءاً من منطقة حمايتها، وهذه المنطقة قد تتسع لتشمل المتظاهرين، لكنها لن تضيق لتحاصر أركان النظام.

 

لقد كف الخطباء عن اتهام الانتفاضة بالتسبب بالكارثة. كف غيرهم أيضاً عن ذلك. “كلن يعني كلن” اعترفوا بأن ثمة من يقف خلف الكارثة، وهؤلاء ليسوا من بين المتظاهرين. محاولة التهويل الأخيرة حصلت قبل يومين وفشلت. تولاها الشقيقان الإعلاميان مارسيل وجورج غانم، حين حذرا المتظاهرين من أن الحرب الأهلية آتية على متن التظاهرة، وأن كل الحروب الأهلية في لبنان بدأت بتظاهرات مطلبية! اعتذر جورج غانم من اللبنانيين، لكنه لم يشرح لهم كيف أن الحرب في لبنان بدأت بتظاهرة صيادي السمك. واليوم أيضاً كان نصرالله واحداً من المتظاهرين، ولم يشر إلى دعم السفارات، بينما سبقه رئيس المجلس إلى التظاهرة بفترة زمنية تتجاوز السبعة عقود.

رئيس الحكومة المستقيل سعد الحريري كان سبق الجميع إلى الساحة. المتظاهرون تجمعوا أصلاً في ساحة أنجزها متعهد من معاونيه، وهذا وحده كاف للقول إنه من أهل الساحة. والتظاهرة كانت أصلاً سرقت شعاراتها من قاموس أعده الوزير جبران باسيل، وهذا الأخير اعتذر من والدته عن شتائم تسبب لها بها، تلفظ بها أخوته المتظاهرون، وهو ربما يكون اليوم خطيباً رابعاً على ما رشح في الـ”سوشيل ميديا”.

إذاً لم يبق أحد في دائرة الشكوك سوى المتظاهرين أنفسهم. هم الفاسدون، وهم “كلن يعني كلن”، والانهيار والإفلاس آتيان بسبب ما ارتكبوه من سرقات وما أهدروه من أموال. وحين قال السيد نصرالله إن “الحراك” أعطى الطبقة السياسية درساً لن تتمكن بعده من حماية فاسد واحدٍ، أخرج الفاسدين من هذه الطبقة، وجعلهم جزءاً من منطقة حمايتها، وهذه المنطقة قد تتسع لتشمل المتظاهرين، لكنها لن تضيق لتحاصر أركان النظام.

لا يبدو أن لدى أحدٍ شيئاً ليقوله لنا. كان يوم انتظار طويل. بري وسلامة ونصرالله، وربما سمير جعجع وجبران باسيل. كل هؤلاء لا شيء يقولونه عن تشكيل الحكومة، ولا قبولهم أو رفضهم لنماذجها وأشكالها، وحديثهم عن الإفلاس حمل قدراً من الاستخفاف بعقول المحتجين، وكشف عن المزيد من القطيعة بينهم وبين جيل الانتفاضة الذي بإمكانه الوصول إلى المعلومات عن الشركات الصينية التي نصح بها نصرالله اللبنانيين، وبإمكانهم معرفة أن الـ capital control تمارسه المصارف، وما نفاه سلامة ليس سوى مزحة غير موفقة من حاكم المصرف المركزي.

وبهذا المعنى، وحده رئيس مجلس النواب، من قال شيئاً في هذا اليوم. الجلسة التشريعية تم تأجيلها، وهذا إنجاز آخر تم تحقيقه تحت ضغط الشارع.

مرتكزات أداء الأحزاب الحاكمة لمواجهة انتفاضة اللبنانيين  

إقرأ أيضاً

بادية فحص – صحافية وكاتبة لبنانية
80 مدرسة في محافظة كرمنشاه الكردية، أبنيتها مساوية للأرض، على أثر الزلزال الذي ضرب المنطقة في العام 2017، أما المدارس التي تستقبل الطلاب، فهي غير آمنة أولاً. ومحرومة من أي نوع من وسائل التدفئة ثانياً.
وائل السواح- كاتب سوري
يتحدّث الكاتب السوري وائل السوّاح في هذه المادّة عن انقسام مواقف اليسار السوري من أحداث مطلع الثمانينات في سوريا، وكيف عدّلت رابطة العمل الشيوعي استراتيجيتها في إسقاط النظام…
باسكال صوما – صحافية لبنانية
نحن أولاد الأطراف نجيء إلى المدينة لأن مناطقنا فارغة تماماً. نأتي لنعمل أو نتعلّم أو نشعر بشيء من الحياة وأحياناً نأتي إليها لنعتصم ونتظاهر ونطالب بأن نصبح مرئيين.
ميزر كمال- صحافي عراقي
ثورة الصدر التي يريدها “عراقية لا شرقية ولا غربية” لم تحظ باهتمام المتظاهرين في بغداد ومدن الجنوب، بقدر ما تثير مخاوفهم من استغلالها من قبل مليشيات السلطة لزيادة القمع وعمليات القتل والاختطاف
سمر فيصل – صحافية سعودية
يعيش سعوديون كثيرون هاجساً جديداً في السنوات الأخيرة، هو هاجس هواتفهم المحمولة التي ترافقهم أينما حلوا، هاجس أن تكون مخترقة.
ميريام سويدان – صحافية لبنانية
هذه النزعة الجنسية تعني الانجذاب للأذكياء. وهي لا تمثّل وجهاً جديداً للجنسانية الإنسانية، ولكنها حديثة التداول.
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email