الانتفاضة اللبنانية: ثورة “أن أدع نفسي تفلت مني”

أقف خلف مجموعة شبّان، يشتمون بعبارات نابية. تنظر فتاة إليّ وتراقبني، هل سأكمل الـ"هيلا هو" أم لا؟ أكملها بملء غضبي. تصمت وتبتسم لي. لا تزال في مراحل علاجها الأولى.

أقف خلف مجموعة شبّان، يشتمون بعبارات نابية. تنظر فتاة إليّ وتراقبني، هل سأكمل الـ”هيلا هو” أم لا؟ أكملها بملء غضبي. تصمت وتبتسم لي. لا تزال في مراحل علاجها الأولى.

لقد فوتت جلسة علاجي النفسي هذا الأسبوع… لم يبق لي الكثير، أحتاج فقط أن أفلت.

وفيما نصنع في لبنان ثورتنا، أفكّر بالكلام البذيء، في ثوراتنا المكبوتة. في ثورة لساني ضدّ صمتي المزمن. ضدّ أدبيات المشاعر، فعلاً أنا وبلدي نحتاج إلى القليل من الأدب والكثير من التفلّت، “دعي نفسك تفلت منك”، هذا ما تنصحني به معالجتي أيضاً.

“أن تفلت نفسي مني”، هو كلّ ما أحتاجه للتوقف عن مراجعة طبيبتي، هذا ما تقوله لي، تريد أن تربحني كحالة نجحت في معالجتها بينما أنا سئمت النجاحات البائسة.

جميعنا مكبوتون. هذا ما شعرت به حين رأيت أفراداً ينهارون أمام وسائل الإعلام، كلّ شخص يبوح بمشكلاته الخاصّة والعامّة. هل حصل الانهيار التام على الملأ؟! ما أجمله!

كلّ الحراكات السابقة فشلت لأنها لم تكن كافية. كانت انهيارات جزئية فقط. الآن وصلنا إلى القعر. درس آخر تعلّمته من الثورة. لم يكن عليّ “احتواء أزماتي”، كان عليّ تفجيرها، إطلاقها، كان عليّ أن أنهار، أن أسقط على الأرض لكي أعاود الوقوف من جديد.

ثورة على التمديد، على قبول العيش كما هو، كما فُرض عليك أو كما فرضتَ على نفسك. الأمر سيّان. ثورة على أصوات الناس أو الزعماء التي تتردّد في رأسك، ثورة على الانتظار والوقت والفرص التي لن تأتي.

في اليوم الأول لم أنتظر أحداً، خرجت ومشيت كفرد لا كمجموعة، لم أنتظر أحداً، لم آبه لأحد. نزلت أبحث عن أشياء كثيرة أضعتها في داخلي، نزلت لأنني رغبت في أن أنصاع لنفسي، أو أن أحب نفسي. أليس هذا هو شعار العصر وسبب معظم أزماتنا.

يقولون لنا إن لم نحب أنفسنا فكيف نحب الآخرين؟ صحيح، نحن نعتقد أننا لا نستحق الحب، هذا ما تردّده الطبيبة المختصة، وأنا أجيبها: لا. لا أعتقد ذلك، لم أتربَّ على هذه الطريقة. لم أتربَ على أنني أستحق شيئاً. هكذا عشنا في هذا البلد، نصارع للحصول على أدنى مقومات الحياة، نلملم فتاتها ونمضي متسلحين بعناد العيش فقط.

درس آخر تعلّمته من الثورة. لم يكن عليّ “احتواء أزماتي”، كان عليّ تفجيرها، إطلاقها، كان عليّ أن أنهار، أن أسقط على الأرض لكي أعاود الوقوف من جديد.          

كان علينا أن نحب أنفسنا أكثر، كان عليّ أن أحب نفسي أكثر. أن نقول إننا نستحق كلّ الحياة وكلّ الحب وكلّ شيء. “كل” وليس “جزءاً من”. هذا ما جعلت أردده لنفسي. لأننا متى ما قبلنا بالجزء عدنا إلى العيش بسلبية ويأس يقودنا إلى أيامنا المقبلة… هذا ما تحاول زرعه في رأسي معالجتي… عبثاً.

هذه ثورة كلّ واحد منّا على ما آلت إليه حياته، وعلى ما حدث له طوال هذه السنين. لقد شتمناهم بالسرّ كثيراً فيما كنّا نموت في العلن… لم نعد نريد الموت، نريد “الشتم” لا لأجلهم بل لأجلنا. فهم يستحقون السجن، بينما نحن نحتاج إلى الشتم، إنها ثورتنا وبوحنا الصارخ بمواجهة موتنا المعلن.

“كلّن يعني كلّن”. الحب والفرح والحياة، هذا ما تعنيه لي هذه الثورة… نريد كلّ شيء! أريد كلّ شيء، نريد المستحيل، وأريد أن أتمسك بأحلامي.

سليطة اللسان وحادّة كمقصلة. ثورة على الحب وأنماطه، ثورة على أدبيات الحياة، وعلى شكل النهار كيف يبدأ وكيف ينتهي. ثورة على الليل والشوق الكاذب.

ثورة على حسابات المدخول والمصروف وماذا نطبخ اليوم… ثورة على حبس الدموع في المقل.

إنها ثورة القلب على العقل، ثورة الحب على كلّ شيء.

Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email

إقرأ أيضاً

هديل مهدي – صحافية لبنانية
هل سطوة الطوائف أقوى من حقوق الأطفال خصوصاً الذين يتعرضون لانتهاكات جسيمة؟
ترجمة – هآرتس
وُصفت أعمال العنف، التي يُعتقد أنها أسفرَت عن مقتل حوالى 300 شخص، بأنها أقوى انتفاضة شهدتها إيران مذ جاءت “الثورة الإسلاميّة” بالنظام الحاليّ إلى السلطة عام 1979.
هوشنك اوسي – كاتب وصحافي كردي سوري
ما لا يختلف عليه اثنان أن التمدد العثماني في البلدان الإسلاميّة والعربيّة لم يكن قوامه العُلوم والفلسفة والفنون والآداب والموسيقى، بل كان بوسائل أخرى، تذكرها كتب التاريخ.
زهير جزائري – كاتب عراقي
لا يبدو قائد المجموعة في عجلة من أمره. يريد تبديد الوقت في الطريق إلى الاشتباك. مهمة ثقيلة الوطأة عليه، أن يقتل شباناً يافعين، سيصعب عليه حين ينفذها أن ينظر في عيون أولاده. وحين ينام ستخيم عليه الكوابيس.
“درج”
“لم أتذكر حينها شيئاً سوى زوجتي وطفلتي أسيل، وهما تنتظران عودتي على الغداء ظهر الجمعة… الضيف الذي لم يأتِ بعد، ولا تعرفان له أثراً”، يقول المصور طه صالح.
أحمد الأحمد – صحافي سوري
خلال إعداد هذه القصّة كتبتُ أن حصيلة عدد القتلى المدنيين على إدلب في هذا اليوم بلغت 12 قتيلًا بسبب الغارات الجوية الروسية، وبينما أكمل في تحرير القصّة، ارتفع العدد ليصبح 16 قتيلاً، وقبل أن أنتهي من تحريرها وإرسالها للنشر أصبح إجمالي عدد القتلى 20 قتيلًا.
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email