الانتفاضة اللبنانية : السلطة لا تملك سوى الإنكار والقمع

"فيما الإهانات تنهال عليّ وأُجبر على قول إنني حمار وعون (رئيس الجمهورية) تاج رأسي، شعرت بشيء من القوة."

كان على سامر مازح أن يقول “أنا حمار” بدل “أنا سامر” آملاً بأن تتوقف حفلة العنف والضرب في أحد مراكز الأجهزة الأمنية. لكن ذلك لم يحدث طبعاً، إذ استمر التعذيب حتى إطلاق سراحه. وكان على علي بصل أن يُضرب حتى انكسار فقرة من عموده الفقري، بتهمة التظاهر أو حمل الطناجر أو الهتاف. وهي تهم لشدة “عمقها” و”خطورتها” لم يستطع أحد أن يثبتها. أما خلدون جابر فتهمته أشد “عمقاً” وهي الهتاف ضد رئيس الجمهورية وتحديداً في تظاهرة على طريق القصر الجمهوري، وبطبيعة الحال نال نصيبه من “الخطف” كما يسميه والضرب والتعنيف حتى فقد جزءاً من سمعه.

سامر مازح وعلي بصل كما ظهرا بعد الافراج عنهما في مقابلة على قناة الجديد

يقول مازح لـ”درج”: “فيما الإهانات تنهال عليّ وأُجبر على قول إنني حمار وعون (رئيس الجمهورية) تاج رأسي، شعرت بشيء من القوة. حاولت أن أتحمّل الضرب وألا أرضخ لعلّ في الأمر منفعة. الآن أعرف أنني حقاً قوي والذين اعتدوا عليّ هم الضعفاء. كبّلوني وعصموا عينيّ، ما يؤكد ضعفهم”. ويضيف: “ذلك كلّه زادني إيماناً بأن ثورتنا محقة وأن ما نقوم به صحيح، لذلك لا تجد السلطة بأجهزتها سوى الهمجية للتعامل معنا”.

يمتد مشهد العنف إلى جل الديب، وربما تكفي ملامح وجه فادي نادر الذي أدخل إلى المستشفى بعدما أصيب في مواجهات مع الجيش اللبناني، لسرد حكايات القمع اليومية. فيما مروان نمر أصيب إصابة بالغة حين نزل أحد المنتسبين إلى “التيار الوطني الحر” ادوار ميلاد إلى تظاهرة جل الديب برشاشه الحربي. هذه الأحداث الدموية رافقتها سلسلة توقيفات واعتقالات في جل الديب والزوق كما في مختلف المناطق، كان البارز فيها أن ضحاياها كانوا في عداد المختفين أكثر منه في عداد المعتقلين، إذ لم يُعرف مكان وجودهم إلا بجهود بطولية.

هذه الأجهزة لا تملك سوى العنف والضرب وهذا سقفها، إنها ضعيفة جداً بصراحة ومفلسة”

ظهر احد المعتقلين وعلاما الضرب والايذاء بادية

قصص الاعتقالات والتوقيفات العشوائية التي يشهدها لبنان عمرها من عمر انتفاضته، لكنها تشتد وتهدأ ثم تعاود اشتدادها بحسب الأوامر العسكرية التي تأتي من “فوق”. وإذ تفيد المعلومات المتوافرة بأنّ هناك ضغوطاً كبيرة على الأجهزة الأمنية، يبدو مشهد العنف في ساحات لبنان أكبر من أي تبريرات وأعذار. فالتوقيفات استنسابية بامتياز، ففي أكثر من مشهد من جسر الرينغ إلى الجنوب وجل الديب، تُرك المتظاهرون تحت رحمة مدنيين أرسلتهم أحزابهم، نزلوا لافتعال مشكلات وضرب المتظاهرين وتكسير خيمهم. وفي تلك الأحداث وقف عناصر الأجهزة الأمنية متفرّجين، أو تدخّلوا بعد حين، وكان تعامل عناصر الأمن مع المعتدين شفوقاً جداً مقارنة مع الأساليب التي يعامل بها اللبنانيون المنتفضون في مختلف المناطق اللبنانية. 

المحامية غيدة فرنجية رئيسة المفكرة القانونية وعضو لجنة المحامين للدفاع عن المتظاهرين، تسرد لـ”درج” أبرز ما شهده لبنان في انتفاضته من اعتقالات وتجاوزات: “في أوّل شهر من الانتفاضة اللبنانية، علمت لجنة المحامين للدفاع عن المتظاهرين عن أكثر من 300 حالة توقيف مرتبطة بالانتفاضة في مختلف المناطق اللبنانية. في حين تم إطلاق سراح معظم الموقوفين، لا يزال 18 شاباً قيد التوقيف في قضية استراحة صور وسوف يمثلون يوم الثلاثاء 19/11/2019 أمام قاضي التحقيق في صيدا”. وتؤكد فرنجية إدانة اللجنة المخالفات القانونية التي شابت هذه التوقيفات، وأهمها:

“أولاً، الخطف: اتخذت هذه التوقيفات في بعض الحالات طابعاً تعسفياً وشبيهاً بعمليات الخطف، إذ لم تحصل بناء على إشارة قضائية أو في حالة الجرم المشهود، مع بروز دور مهم لمخابرات الجيش فيها. ومنعت سلطات الاحتجاز (مخابرات الجيش والشرطة العسكرية) الموقوفين من التواصل مع عائلاتهم ومع محامين ولم تصرّح عن مكان احتجازهم لدى مراجعة المحامين المتطوعين. وهذا ما حمل مجموعة من المحامين المتطوعين بالتقدّم بإخبار حول الاختفاء القسري للموقوفين سامر مازح وعلي بصل امام النيابة العامة التمييزية بتاريخ 15/11/2019 قبل أن يتم الإفراج عنهما في اليوم نفسه. الى جانب ذلك، علمت اللجنة باستدعاء عدد من المتظاهرين للتحقيق من قبل مخابرات الجيش من دون أي إشارة قضائية. وتتخوف اللجنة من توسيع صلاحيات جهاز المخابرات الجيش في التعرّض لحرية المتظاهرين وسلامتهم الجسدية خارج عن أي رقابة قضائية.

ثانياً، العنف: كانت آثار العنف واضحة على الكثير من الموقوفين عند الإفراج عنهم، وأكدوا تعرضهم للضرب والمعاملة المهينة والمذلة. إلى جانب ذلك، علمت اللجنة بتعرّض عدد من المتظاهرين للعنف في ساحات التظاهر، لا سيما من قبل الجيش في منطقة جل الديب ومن قبل قوى مكافحة الشغب في وسط بيروت ومن قبل مدنيين يناصرون أحزاباً في السلطة في مختلف المناطق اللبنانية”.

وتضيف فرنجية: “تتابع اللجنة هذه التوقيفات بقدر الإمكانات المتوفرة لها، كما تتحضر للدفاع عن الموقوفين في قضية استراحة صور، ولتقديم شكاوى بحق المتظاهرين الذين تم الاعتداء عليهم من قبل القوى الأمنية والعسكرية والمدنيين من مناصري أحزاب السلطة”.

قصص الوجع والعنفوان

يروي الناشط خلدون جابر ما حصل معه يوم كان متظاهراً على طريق القصر الجمهوري، ويقول لـ”درج”: “هي ليست أول مرة أعتقل في تظاهرة، لكنها المرة الأولى التي أتعرّض فيها للخطف من قبل إحدى أجهزة الدولة، فطريقة الاعتقال كانت خطفاً”، مؤكداً أن “موجة الاعتقالات تدلّ على نجاح الثورة، وعلى ضياع السلطة وارتباكها في التعامل مع هذا النوع من الاحتجاجات والثورات”. ويشدد على “ضرورة الاستمرار في الانتفاضة للمطالبة بأدنى حقوقنا المعيشية والاجتماعية، ولن نخاف من النظام البوليسي”. 

يسكت ثم يتابع: “ما لا أنساه أبداً هو أنني في السجن قرأت على الجدار عبارة ثورة منذ عام 2011” مؤكداً أن “الثورة باقية وهي نهج مستمر ويومي وحق”.

علي بصل حين تسأله عن قصة اعتقاله، تشعر بشيء من الألم، إنما يسارع إلى نشلك بعنفوانه معيداً إياك إلى ساحات الاحتجاج الحرة. يقول: “أكثر ما آلمني هي مشاعر الإهانة والذل التي رافقتني ككل المعتقلين منذ اللحظات الأولى، علماً أن هذه الاعتقالات غير قانونية وغير إنسانية وغير منطقية. هذه السلطة التي لا تملك قدرة على إدارة البلاد ومنح الناس حقوقهم، تمارس سلطتها على حياتنا وحرياتنا وأجسادنا بلا رادع. إنها حقيقة مستفزّة حقاً”. ويضيف: “نحن نتعاطى مع سلطة بعيدة من الواقع وبعيدة منا ومن وجداننا، يمارسون سلطاتهم البوليسية ونحن لا نملك القدرة على الاعتراض فيما يجبروننا على الركوع وتحمل الألم وضبط الأعصاب”. ويردف بصل: “هذه الأجهزة لا تملك سوى العنف والضرب وهذا سقفها، إنها ضعيفة جداً بصراحة ومفلسة”. 

كما سقط 5 أشخاص في الانتفاضة اللبنانية حتى اليوم، كان آخرهم علاء أبو فخر الذي قُتل برصاصة في الرأس على يد جندي مرافق لضابط في الجيش اللبناني، في منطقة خلدة جنوب لبنان.

قصص الاعتقال والقتل التي تشهدها الانتفاضة اللبنانية دليل قاطع على أن الثورة أوجعت كل من في السلطة، وهو وجع قد يسبق السقوط.

Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email

إقرأ أيضاً

زهير جزائري – كاتب عراقي
لا يبدو قائد المجموعة في عجلة من أمره. يريد تبديد الوقت في الطريق إلى الاشتباك. مهمة ثقيلة الوطأة عليه، أن يقتل شباناً يافعين، سيصعب عليه حين ينفذها أن ينظر في عيون أولاده. وحين ينام ستخيم عليه الكوابيس.
“درج”
“لم أتذكر حينها شيئاً سوى زوجتي وطفلتي أسيل، وهما تنتظران عودتي على الغداء ظهر الجمعة… الضيف الذي لم يأتِ بعد، ولا تعرفان له أثراً”، يقول المصور طه صالح.
أحمد الأحمد – صحافي سوري
خلال إعداد هذه القصّة كتبتُ أن حصيلة عدد القتلى المدنيين على إدلب في هذا اليوم بلغت 12 قتيلًا بسبب الغارات الجوية الروسية، وبينما أكمل في تحرير القصّة، ارتفع العدد ليصبح 16 قتيلاً، وقبل أن أنتهي من تحريرها وإرسالها للنشر أصبح إجمالي عدد القتلى 20 قتيلًا.
زينب المشاط – صحافية عراقية
تصريحات زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر، ودعوته إلى استمرار الاحتجاج السلمي، وموقف أتباعه عبر استخدامهم كدروع بشرية لحماية المتظاهرين السلميين، جعل الصدر وجماعته مستهدفين من الجهات التي تريد إنهاء الاحتجاجات..
زينة علوش – خبيرة في السياسات الرعائية
مما لا شك فيه أن نفوذ المؤسسات الرعائية، بات أكبر من أي سلطة مدنية لأنها تلطت خلف حمايات إلهية، لا تسمح بالمساءلة والمحاسبة. يحصل كل هذا والأطفال المعنفين شواهد على سطوة الطوائف وتسلطها.
ديانا مقلد – صحافية وكاتبة لبنانية
لم يسبق أن تعاملت الجيوش الإلكترونية والواقعية والشخصيات المحسوبة على “حزب الله” مع خصومها، كما تتعامل مع ديما صادق، في حملة مستمرة لا تتوقف.
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email