الانتفاضة الإيرانية: القمع يتصاعد وسط تعتيم

بادية فحص – صحافية وكاتبة لبنانية
ديسمبر 4, 2019
والسؤال الوجيه، ما الذي دفع النظام الإيراني إلى اعتماد أسلوب العنف المفرط، في وجه انتفاضة مطلبية وإن برزت فيها بعض الملامح السياسية؟

لم تحتج أجهزة القمع الإيرانية أكثر من 9 أيام، لتقضي على أحد أوسع الاحتجاجات على الأراضي الإيرانية، منذ انتصار الثورة الإسلامية إلى اليوم. خلال هذه الأيام القليلة، استخدم النظام الإيراني وسائل قمع لا تخطر في بال أكثر العقول إجراماً، من إطلاق الرصاص الحي على المتظاهرين، إلى الإعدام الميداني لعدد من الأسرى، إلى الاستعانة بالمروحيات و”الدوشكا” في عمليات القنص، إلى إضرام النار في الأماكن التي لجأ إليها جرحى المواجهات، كما حصل في مدينة ماهشهر، وصولاً إلى الاعتقالات التي طاولت أكثر من 20 ألف شخص.

والسؤال الوجيه، ما الذي دفع النظام الإيراني إلى اعتماد أسلوب العنف المفرط، في وجه انتفاضة مطلبية وإن برزت فيها بعض الملامح السياسية؟

منذ عودة العقوبات الدولية، يعيش النظام الإيراني، أكثر ظروفه حرجاً، فعلى الصعيد المالي، العملة الوطنية تفقد قيمتها يوماً إثر يوم أمام الدولار الأميركي، الذي تجاوز عتبة 12 ألف تومان. المصارف ما زالت تحتجز أموال المودعين، والشركات إما تصرف عمالها أو تلجأ إلى تخفيض الرواتب. على الصعيد الاقتصادي، أسعار المواد الغذائية آخذة في الارتفاع، إضافة إلى فقدان مواد أخرى من الأسواق، تزامناً مع انخفاض قيمة الأجور واستشراء الغلاء واستفحال البطالة والتضخم. أما خطة تصفير صادرات النفط التي أطلقها الرئيس الأميركي دونالد ترامب، فقد نجحت في شل دورة الاقتصاد الإيراني، وحرمانه من الحصول على العملات الصعبة. على الصعيد السياسي، فعلى رغم استبسال تنظيم الحرس الثوري في القتال إلى جانب النظام السوري، على مدى 8 أعوام، استطاعت روسيا سحب البساط من تحت قدميه، والحد من نفوذه. أما في لبنان والعراق، فالاحتجاجات الشعبية، على رغم أهمية دوافعها الداخلية في كل بلد، إلا أنها تصيب إيران في صميم سياستها الاستراتيجية في المنطقة. 

لم تحتج أجهزة القمع الإيرانية أكثر من 9 أيام، لتقضي على أحد أوسع الاحتجاجات على الأراضي الإيرانية، منذ انتصار الثورة الإسلامية إلى اليوم.

هذه الخارطة المصغرة من الأزمات والإحباطات، لم يكن ينقصها سوى انفجار الوضع الداخلي، كي يشتد الخناق على عنق النظام، الذي انفجر بدوره في وجه المحتجين من دون أدنى رحمة، عوض أن يذهب إلى معالجة جذرية وحقيقية لأزماته الاقتصادية.

وإمعاناً في الإنكار والاستكبار، اتخذ بشكل مفاجئ، قرار زيادة أسعار الوقود ثلاثة أضعاف، واعتماد خطة تقنين حادة، بحجة مكافحة التهريب إلى أفغانستان، حيث يباع بضعفي سعره في إيران، فيما يسمح التقنين بتصدير المزيد من الوقود والحصول على المزيد من العملات الصعبة. هذا من جهة، ومن جهة أخرى سوف تسمح الزيادة على البنزين بنظر النظام، بتمويل برنامج دعم الأسر المعدمة، الذي يغطي 60 مليون نسمة من جيوب 20 مليون آخرين.

في المقابل، انفجر الشارع الإيراني منتصف ليل الجمعة 15 تشرين الثاني/ نوفمبر الماضي، فنزل أكثر من 200 ألف مواطن إيراني إلى الشارع، واندلعت المواجهات التي اتسمت بالعنف منذ لحظتها الأولى في 700 نقطة، في 31 مدينة، في 28 محافظة. 

وخلال اضطرابات الأيام التسعة، تعرض 50 مخفراً وقاعدة عسكرية للهجوم، وتم تحطيم 34 سيارة إسعاف تابعة للهلال الأحمر الإيراني، وإحراق وتكسير: 731 مصرفاً، 140 إدارة عامة، 9 مدارس دينية، 70 محطة وقود، 307 سيارات خصوصية، 183 سيارة عسكرية، 1076 دراجة نارية. إضافة إلى إتلاف عدد كبير من الأرصفة وأعمدة الإنارة والقواطع الحديدية على الطرق الرئيسية وإحراق صور مرشد الجمهورية السيد علي خامنئي وتحطيم نصب الإمام الخميني في أكثر من مدينة.

ووصفت وسائل إعلام محلية وعالمية، إضافة إلى “منظمة العفو الدولي” الاحتجاجات الأخيرة في إيران، بأنها الأكثر عنفاً ودموية في تاريخ الجمهورية الإسلامية، فقد أسفرت عن مقتل حوالى 500 شخص بحسب موقع “كلمة” التابع لزعيم المعارضة الخضراء مير حسين موسوي، بينهم 13 طفلاً أصغرهم في التاسعة، وجرح حوالى 12 ألف شخص، والتحقيق مع 20 ألف شخص، واعتقال 7 آلاف آخرين، وقطع خدمات الإنترنت عن البلاد، فيما تم توقيف 180 شخصاً “ليدر”، بتهمة تقليب الشارع بدفع من أجهزة مخابرات صهيونية.

منذ عودة العقوبات الدولية، يعيش النظام الإيراني، أكثر ظروفه حرجاً، فعلى الصعيد المالي، العملة الوطنية تفقد قيمتها يوماً إثر يوم أمام الدولار الأميركي، الذي تجاوز عتبة 12 ألف تومان.

وبالاطلاع على إحصائية مبدئية، نشرتها مواقع إخبارية إيرانية، عن كيفية توزع المعتقلين في بعض المحافظات والمدن الإيرانية وأعدادهم، يتبين أن المناطق التي تقطنها الأكثرية الفارسية، شاركت بالزخم نفسه، الذي شاركت فيه مناطق الأقليات، حيث بدا أن الجوع وحّد الشعب الإيراني هذه المرة. وتوزع المعتقلون الذين يشكل الشباب 90 في المئة منهم، كالتالي: في مناطق الأكثرية الفارسية: 400 معتقل في مدينة مشهد، 200 في مدينة إصفهان، 300 في مدينة شيراز، 450 معتقلاً في خوزستان (عربية- بختيارية)، في كردستان 300 معتقل وكرمانشاه 700 معتقل (كرد)، محافظة آذربيجان الغربية 100 (من الأتراك الآذريين)، 300 في محافظة لرستان (اللور)، محافظة البرز 400 (قوميات مختلفة)، محافظة كهكيلويه وبوير أحمد 250 (خليط من اللور والفرس والبختيارية)، إضافة إلى 800 معتقل في العاصمة طهران، وما زالت الاعتقالات مستمرة.

ويروي شهود عيان، أن جنود الحرس الثوري، اندفعوا بطريقة وحشية غير مسبوقة إلى تنفيذ الإعدامات الميدانية بحق المتظاهرين، وكانوا يعمدون إلى إطلاق النار على الرؤوس مباشرة، وهناك مقاطع فيديو انتشرت على الانترنت توثق هذه الجرائم. وأعلنت “منظمة العفو الدولية” أنها بصدد مراجعة هذه الفيديوات لتحليلها، كشاهد على استخدام القوى الأمنية الإيرانية الرصاص الحي ضد المتظاهرين العزل. كما أن الأجهزة الأمنية ما زالت تعتقل جثث عدد كبير من ضحايا الاحتجاجات، وترفض تسليمهم لذويهم، فيما طلبت مبالغ مالية خيالية، من ذوي ضحايا آخرين، لقاء تسليمهم جثث أبنائهم. كما تحرم الجرحى الموجودين في المستشفيات من تلقي العلاج أو إجراء عمليات ضرورية، إضافة إلى إجبار عدد منهم على الخروج من المستشفى، على رغم إصاباتهم الخطيرة.

وفي حين أشار جهاز استخبارات الحرس الثوري إلى أنه تمكن من اكتشاف ثلاث مجموعات تخريبية، تضم شباباً إيرانيين تدربوا عسكرياً ودعائياً في إحدى الدول الخليجية، لتقليب الشارع الإيراني ضد نظامه، وحرف الاحتجاجات المطلبية نحو العنف، كتب ضابط في الحرس الثوري، لم يذكر اسمه، في أحد المواقع الإكترونية، أن قيادة الحرس، طلبت منه ومن فرقته، أن يقوموا بأعمال تخريب وإحراق، بغية اتخاذها ذريعة لقتل المتظاهرين. 

من جهة أخرى، تحضر وزارة الداخلية الإيرانية هذه الأيام، ملفات أمنية لعدد من المعتقلين، تقول فيها إن الاحتجاجات حصلت بإشارة مباشرة من أجهزة المخابرات الأميركية والإسرائيلية والأوروبية، وفي الأيام القليلة المقبلة، سوف تبث هيئة الإذاعة والتلفزيون “صدا وسيما” اعترافاتهم على الملأ.

يمكن القول إن النظام الإيراني نجح في إخماد نار الاحتجاجات الشعبية، في هذه المرحلة، لكن من المؤكد أنه لن يتمكن في المرحلة المقبلة، من إخماد جمر الانتقام ولا النقمة، فالشارع الإيراني يغلي ويفور على وقع عمليات القتل والقمع والتنكيل والاعتقالات، ويلوح بدورة احتجاجات جديدة مستلهماً التجربة العراقية. وفي هذا الشأن، يرى المفكر والفيلسوف الإيراني عبد الكريم سروش أن القمع الشديد الذي واجهه الشعب الإيراني، سوف تكون له عواقب وخيمة على النظام. وقال في حديث إلى “راديو فردا” المعارض: “حين تنسد طرق الاعتراض والاحتجاج أمام الناس، فإنه لا تبقى خيارات سوى حمل السلاح، العنف ليس حلاً معقولاً، لكنه نتيجة طبيعية حين يستمر القمع”.

فيديوات مروِّعة تكشف ما فعلته إيران بالمحتجّين أثناء انقطاع الإنترنت
لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني

إقرأ أيضاً

الياس حلاس – صحافي جزائري
بعد سنة من التظاهرات المتواصلة، أسقطت سلمية المتظاهرين حجة السلطة في استخدام العنف لقمع الحراك الشعبي، بدافع حفظ النظام العام كما لم تفلح مناورات هذه السلطة في احتواء الأزمة بسبب ضعف معروضها السياسي.
ريد مطر – صحافية مصرية
برحيله، انتحب شعبه، نحيباً يشبه نحيبهم بعد خطاب التنحي، فشعب الرئيس المخلوع مبارك، سريع المغفرة، ضعيف الذاكرة، عاطفيّ، مفرط في الإحساس بالدونية.
خالد المصري – صحافي مصري
حاولت الوزارة في تصريحاتها أن تظهر وكأن اكتشاف الحالة جاء نجاحاً لخطتها وجهودها، لكن تأتي الرياح بما لا تشتهي السفن، فقد بدأت أنباء وصور تنتشر عبر مواقع التواصل الاجتماعي تفيد بأن قوات الشرطة يعقمون جميع زوار المول خوفاً من انتشار فيروس “كورونا”.
باسكال صوما – صحافية لبنانية
الدولة تحاكم البذاءة عبر شربل الخوري، وتريد تلقينها درساً مدوّياً. فالقاضية غادة عون الغنية عن التعريف قررت توقيف الناشط والزميل شربل خوري على خلفية تغريدة.
بادية فحص – صحافية وكاتبة لبنانية
لا أرقام واضحة لعدد الاصابات في ايران. وزارة الصحة استنفرت كل موظفيها وإمكاناتها، لمواجهة “الحرب الجرثومية”، ونبهت المواطنين من “التأثر بالشائعات”، فتلك حرب نفسية يشنها الأعداء، لإضعاف الروح المعنوية للأمة الإيرانية كما تقول السلطات هناك…
خالد منصور- كاتب مصري
الجديد في مصر ليس انتشار أغاني المهرجانات التي ترتبط بإيقاعات متكررة ومزج إلكتروني للأصوات وغياب الألحان المعتادة، الجديد هو شعور نخب ومؤسسات معينة بأن هذه الأغاني تمثل تهديداً ما يجب إيقافه.
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني