fbpx

هنا القصة الثالثة

محمد خلف - صحافي عراقي

محمد خلف - صحافي عراقي

مقالات الكاتب

الانترنت النظيف “بدعة” بوتين لفرملة سخرية الروس منه

الرئيس فلاديمير بوتين الذي يمسك بزمام السلطة وقرارتها في روسيا ضاق ذرعاً بفضاء الانترنت المفتوح ووسائل التواصل الاجتماعي، التي وجد فيها الروس متنفسهم لتوجيه الانتقادات اللاذعة له وللكرملين. وتنتشر عبارات السخرية السوداء للتعليق على خطاباته وتصريحاته التي لا تخلو في غالبيتها من العنجهية والتعالي. لذلك قرر بوتين وضع يد الدولة على شبكة الانترنت، من خلال تشريع قانون “سيادة الانترنت” في روسيا، الذي وصفه المحلل السياسي الروسي تيمور دويدار بأنه “غامض”. وقال إن “روسيا لا تستطيع قطع الانترنت وإنشاء شبكة سيادية خاصة بها، لأنها ستنفصل عن العالم، فضلاً عن أن وزنها على الانترنت قليل، (حوالى 80 مليون مستخدم)، عكس الصين التي لديها شبكة خاصة”. الانترنت الذي يعد له بوتين، وصفه صحافيون محسوبون على الكرملين بالانترنت الجميل أو النظيف.

الروس عموماً لا يحبون أن يبدي أي أجنبي، بغض النظر من اي بلد كان، عن بلدهم أي ملاحظة انتقادية، حتى إن كانت بريئة، ويعتبرون ذلك اساءة إلى كرامتهم الوطنية ووجهلاً بتاريخ امبراطوريتهم العريقة وثقافتها. وشهدت روسيا خروج عشرات آلاف الروس إلى الشوارع للتعبير عن احتجاجهم على تصريحات كان أطلقها مسؤولون غربيون، أو لمقالة نشرتها صحيفة غربية عن الفساد الذي ينخر بالمؤسسات والسلطة والمجتمع في روسيا، او توجيه انتقادات إلى سياسات الكرملين الخارجية وانتهاكاته لحقوق الإنسان وحرية الصحافة. إلا ان هذا في حقيقة الأمر ليس إلا أحد جوانب الصورة، فالمعروف للقاصي والداني أن روسيا تمتلك تقليداً ضارباً في الزمن في الحب والكراهية، وتمتلك تقاليد أخرى عريقة تناولها كاتبوها وفي طليعتهم نيقولاي غوغول في روايته “الأرواح الميتة”. في المقابل، ليس هناك أطول من اللسان الروسي عندما يتعلق الأمر بتوجيه انتقادات للمسؤولين والسياسيين في الحكم والبرلمان ونعتهم بأسوأ الصفات، أخفها نخب فاسدة وأوباش، والبرابرة الجشعون. وتتمدد الانتقادات لتشمل تداعي البنية التحتية وغلاء الأسعار، وضعف الخدمات العامة وارتفاع مستويات الفقر والبطالة في أقاليم الفيدرالية.

الآن وبعد تنامي العولمة وتطور التقنيات وتكنولوجيا المعلومات ووسائل التواصل والاتصالات، نسي الروس الأيام التي كانوا يتجمعون فيها مع أصدقائهم حول موائد الطعام في مطابخ شققهم الاسمنتية، حيث كانوا يكيلون الشتائم واللعنات للحزب الشيوعي الحاكم وأمينه العام وقادته العجزة، متجنبين الحديث بالسياسة ولو بالهمس مع زملائهم في العمل أو الدراسة، لأن أي كلمة سخرية من الحزب وأمينه وقادته، تسوق قائلها إلى السجن بل وحتى الاختفاء الدائم، وفي بعض الأحيان السجن بتهمة “نشر الدعاية المضادة للدولة السوفياتية”.

محتجون على احتكار بوتين للانترنت

سكاكين شتائم الروس في المطابخ

منذ سقوط الاتحاد السوفياتي في أواخر ثمانينات القرن الماضي تغيرت حياة الروس جذرياً، ولم يعودوا بخاصة في العقدين الأخيرين، في حاجة إلى التخفي في مطابخهم لشتم قادة الحزب الحاكم ومسؤولي الدولة واللجوء إلى الفودكا الرخيصة لنسيان الهموم اليومية، فالانترنت أصبح فضاء مفتوحاً ومشاعاً للجميع، للتعبير عن المواقف وسرد قصص المعاناة والهموم والمشكلات. كما أن وسائل التواصل الاجتماعي وفرت لهم منابر مجانية لصب جام غضبهم على السلطة وعلى بعضهم بعضاً في مناخ من العصبيات والغرائز المميتة والكراهية المتبادلة. واعتاد الروس في العقود الثلاثة الأخيرة على استخدام “فيسبوك” للتعبير والمشاركة وتبادل الشتائم واللعنات ضد السلطة في ما بينهم. وفتحت شبكة التواصل الاجتماعي الروسية (VKontakte) أبوابها امام انتقاداتهم الحكومة التي يقولون إنها لا تفي بوعودها. هذا المنبر أضحى الوحيد الذي بقي للمواطن الروسي للتعبير عن همومه، لأن سيد الكرملين يوقف أي ميديا أو موقع يفتح أبوابه لانتقاد الحكم، كما يفعل مع أي مسؤول يشك في إمكان أن يكون منافساً حقيقياً على المنصب في المستقبل. ومن الأسرار الشائعة في روسيا أن بوتين كمم أفواه منتقدي الكرملين في القنوات التلفزيونية، التي كانت تسمح خلال فترة حكم بوريس يلتسن بتوجيه الانتقادات والسخرية من السلطة والمسؤولين الكبار في الدولة. أما الآن فالانتقادات الوحيدة التي سمح بوتين بترديدها  في بعض الحالات هي تلك التي توجه لحكومة ديمتري ميدفيديف والحكام البيروقراطيين والمسؤولين الفاشلين في الدولة، إذ يعاقب بأشد العقوبات كل من يتعرض لسمعة الرئيس القيصر وموقعه.

إلا أن الملاحقة الأمنية والعقاب القضائي، لم يمنعا الروس من التعبير عن سخطهم بحدود غير مألوفة حتى الآن، حيال الزعيم الأقوى في روسيا والسياسات التي ينتهجهها في إطلاق يد الاوليغارشيا للعبث بمقدرات الدولة، وإغماض عينيه أمام الفساد المستشري في أروقة الحكم. ولهذا أوعز الرئيس إلى نواب حزبه “روسيا الموحدة” في البرلمان (مجلس الدوما) في شباط/ فبراير الماضي تمرير مشروع قانون يهدف إلى فصل البلاد عن شبكة الانترنت العالمية بحجة تحصين البلاد من أي هجمات محتملة من الخارج. والمقصود بالطبع الولايات المتحدة، التي كما ورد في حيثيات القانون “بدأت تطبق بشكل متزايد استراتيجية أمنية عدوانية، تصاحبها اتهامات لروسيا بأنها واحدة من المصادر الرئيسية لهجمات القرصنة الإلكترونية”.

انترنت الكرملين

ألزم القانون شركات الاتصالات الروسية بتوفير قدرات تقنية تسمح بالتحكم في حركة الانترنت مركزياً، وإنشاء بديل لشبكة الانترنت يلبي الاحتياجات الأمنية وامن المعلومات، ويحصن المستخدمين والوزارات الحكومية من أضرار انقطاع الانترنت لفترات طويلة.

وسيتعين على شركات الاتصالات الروسية العمل على إعادة توجيه جميع حركة الإنترنت الروسية إلى نقاط معتمدة، أو تدار من قبل شركة “روسكومنازور”، وهي هيئة مراقبة الاتصالات الروسية. وستفحص (روسكومنازور) حركة المرور لمنع المحتوى المحظور والتأكد من أن الزيارات بين المستخدمين الروس تبقى داخل البلاد، ولا يعاد توجيهها من دون سبب وجيه عبر الخوادم في الخارج، حيث يمكن اعتراضها.

ويكشف معارضون روس أن خطط الكرملين للسيطرة على الانترنت ليست جديدة، فهي تعمل على هذا المشروع منذ سنوات. فعام 2017 أعلنت الحكومة عزمها العمل لتوجيه 95 في المئة من حركة الإنترنت محلياً بحلول عام 2020. وبنت السلطات نسخة احتياطية محلية من نظام أسماء النطاقات “دي أن أس” (DNS) التي تم اختبارها لأول مرة عام 2014، ومرة ​​أخرى عام 2018. وفيما عبرت شركات الانترنت الروسية الكبيرة مثل “ياندكس” و”مايل رو”، عن دعمها قانون “الانترنت السياسي”، خرجت تظاهرات حاشدة في العاصمة موسكو لدعم حرية الانترنت، واحتجاجاً على قانون “سيادة الانترنت”. وعلى الضد من رغبات غالبية المجتمع الروسي رأى مدير تطوير البنية التحتية لشبكة “ياندكس” اليكسي سوكولوف أن “هذه الخطوة المهمة تهدف إلى حماية الجانب الروسي من الشبكة العالمية في الوقت المطلوب”. وبرر وزير الاتصالات الروسي نيكولاي نيكيفوروف “أن روسيا تريد أن تستبق سيناريو قطع اتصالها بشبكة الانترنت بشكل مفاجئ”. لكن نظرة سريعة لمضمون القانون تكشف بوضوح الأسباب الحقيقية التي وقفت وراء تشريعه وهي تتعارض تماماً مع تلك التي وردت على لسان النواب والمسؤولين الروس، لا سيما بنود العقوبات التي يفرضها القانون وتعادل قيمتها 4 آلاف يورو أو السجن لفترة 15 يوماً، لكل من يتهم بالإساءة إلى سمعة الدولة الروسية ويهين مؤسساتها ورموزها، و1300 يورو لكل من يتهم بنشر أخبار كاذبة وقصص ومعلومات مفبركة. خرج بوتين ليقطع الألسنة المتناسلة التي تندد بالقانون ليعلن أنه يدعمه بشكل قاطع، موضحاً أن روسيا لا تنفرد بتشريعه، فهو موجود في جميع بلدان العالم من دون أن يحدد، ولو بعضها على سبيل الإقناع لا أكثر، ما دفع بعض المحللين إلى الاعتقاد بأنه ربما كان يقصد تركيا وحليفه الموقت في سوريا رجب طيب أردوغان، الذي ومنذ وصوله إلى كرسي الرئاسة رفع شكاوى في المحاكم  ضد أكثر من 69 تركياً، بتهمة “إهانة الرئيس”، وذلك “لمجرد قيامهم بتوجيه انتقادات لسياساته في الداخل والخارج”.

رئيس الوزراء الروسي ديمتري ميدفيديف يزور احدى كبريات شركات الانترنت في روسيا

عقوبات وملاحقات بوليسية

ومع أن بوتين كان قاطعاً في دعمه القانون، وما ورد فيه من عقوبات، إلا أن “مجلس الدفاع عن حقوق الإنسان”، التابع لمجلس الرئاسة الروسية، ووزارة العدل صرحا علانية ضده، ووجها انتقادات لاذعة إلى مجلس الدوما لتمريره من دون تعديلات جدية. ولعل أكثر ما يثير القلق أن تحت طائلة هذا القانون سيقع ليس المواطن الروسي العادي وحسب، إنما أيضاً منظمات وجمعيات مختلفة التوجهات والأهداف. إضافة إلى أن ومواقع على الانترنت ومؤسسات ميديا إلكترونية، من دون تراخيص أو امتيازات حكومية رسمية ستكون مهددة بالاغلاق. ووفقاً للخبيرة في شؤون الميديا في أسبوعية “كابيتال، الصادرة في صوفيا فيسسلافا انطونوفا، “القانون يمنح الكرملين مفاصل قانونية توفر له إمكانات واسعة لاتخاذ إجراءات قانونية عقابية وممارسة ضغوط بوليسية، ضد معسكر معارضي السلطة، ذلك أن القانون لم يوضح جوهر مفهومي “المعلومات الكاذبة” و”انعدام احترام المؤسسات والحكم”. وبحسب مراسل صحيفة “دي فيليت” في موسكو بافل لوكشين، إن تشديد بنود القانون الذي حدث في اللحظات الأخيرة من القراءة الثالثة في البرلمان، يكشف عن عمق الضغوط التي يتعرض لها الكرملين على خلفية تداعي شعبية بوتين، وتزايد وتائر انعدام الثقة به في أوساط المجتمع الروسي والتي وصلت إلى مستويات كبيرة. وهو ما تبين ليس من خلال استبيانات للرأي اجرتها وكالات مستقلة لدراسة اتجاهات الرأي العام وحسب، بل أيضاً معاهد حكومية للدراسات الاستراتيجية التي أظهرت آخرها أن 32 في المئة فقط من الروس الذين استطلعت آراءهم أعربوا عن ثقتهم بالرئيس بوتين.

وأفاد استطلاع آخر أن “أكثر من 50 في المئة من الروس أعربوا عن استيائهم وغضبهم من السياسات التي ينتهجها الكرملين، وذكر معهد “ليفادا” المستقل لاستطلاعات الرأي” أن أكثر من خمس الروس يدعمون الاحتجاجات، وهي نسبة كبيرة جداً، في الظروف التي تمر بها روسيا”. ويؤكد المحلل الاقتصادي ومدير مركز التحليل الاستراتيجي “أف بي كاي غرانت ثورنتون” إيغور نيكولاييف، أن “الوضع لم يكن أبداً صعباً كما الآن بالنسبة إلى السكان”، متابعاً، “العبء الاقتصادي يثقل كاهل الناس يوماً بعد يوم في كلّ المجالات”. ووفق مركز “ليفادا”، فإن 61 في المئة من الروس حالياً “يشعرون بالعار من الفقر المزمن وعدم الأمان” في بلدهم، مقابل 56 في المئة عام 2015. وتجاوزت نسبة الروس المتشائمين من الوضع في بلدهم 45 في المئة، نسبة أولئك المتفائلين للمرة الأولى منذ أواخر عام 2013. ونقلت وكالة “فرانس برس” عن مدير مركز “ليفادا” ليف غودكوف قوله”: “إن الاستياء وصل إلى الأقاليم التي عادةً ما تكون أكثر تأييداً ووفاءً للسلطة”.

حتى قبل أن يدخل القانون التطبيق العملي، يواجه منتقدو بوتين والكرملين أوضاعاً استثنائية، إذ تتخذ ضدهم عقوبات، وتمارس أجهزة ملاحقات وقمع وإرهاب فكري. يشير تقرير حول حرية الانترنت، اصدرته منظمة “أغورا، وهي إحدى منظمات المجتمع المدني الروسي إلى “زيادة خمسة أضعاف في عدد القيود المفروضة على حرية الانترنت في روسيا منذ عام 2015″. ورصدت مئات من أحداث وحالات تعرض خلالها مواطنون روس لمحاكمات بتهمة  قيامهم بـ”التعبير عن آرائهم ووجهات نظرهم على الانترنت، وصدرت بحق 18 منهم أحكام مختلفة بالسجن”. وتحدث التقرير عن ارتفاع ملموس في عدد الاعتداءات بالضرب المبرح لصحافيين لديهم مدونات، ولنشطاء على الانترنت، التي تجاوزت الـ90 حالة خلال السنوات الخمس المنصرمة”. وكانت هذه المنظمة ضحية للرقابة الرسمية المشددة، لدرجة أنها أصبحت أول منظمة في روسيا يتم غلقها بموجب بنود قانون العملاء الأجانب.

يشكل حجب المعلومات على الانترنت أداة مفضلة تستخدمها السلطة الحاكمة في روسيا، لتضييق الحرية في الانترنت. وأعربت “أغوار” عن ارتياحها لقيام النشطاء الرقميون بابتداع أساليب جديدة للالتفاف على الموانع والحواجز التي تضعها السلطة على الوصول للمعلومات في الانترنت. وقالت إن “الهيئات المعنية سارعت إلى وضع استراتيجية جديدة لتقييد مستخدمي الانترنت والناشطين بملاحقتهم وممارسة ضغوط شديدة ومختلفة الأشكال عليهم لتقييد حرياتهم الشخصية”. وكشفت أن “عقوبة السجن اخذت تفرض حتى على علامات الإعجاب (Like) وإعادة النشر أو المشاركة (Share) في فيسبوك ووسائل التواصل الاجتماعي الأخرى”.

الطباخ الذي أصبح مستشاراً لبوتين ووكيله للمهمات القذرة

إقرأ أيضاً