fbpx

هنا القصة الثالثة

Avatar

خولة العشي

مقالات الكاتب

الاعلام التونسي “يقطع البثّ” عن شباب الثورة

تمت مؤخراً إقالة مدير القناة الوطنية التونسية الثانية، على خلفية قطع البثّ الفضائي لهذه القناة، التي تغطي بشكل يومي مداولات مجلس النواب. وتزامن قطع البث، مع آداء مدوّن الثورة، الشاب المعارض ياسين العياري اليمين، على إثر فوزه بالانتخابات البرلمانية الجزئية عن دائرة ألمانيا. هذا التصرف الذي وصف ب”العدائي”، لم يثر الاستغراب في تونس، نظراً لتكرر محاولات أغلب وسائل الإعلام التونسية، التضييق على الناشطين الشبان، وإقصاؤهم من دائرة الحوار التي يسيطر عليها مموّلو ومسيّرو هذه المؤسسات.الإجابة الوحيدة التي تداولها ناشطون على مواقع التواصل الاجتماعي، حول دواعي منع بث آداء النائب الشاب ياسين العياري اليمين، كانت “الخوف”. تعاملت الأحزاب السياسية التونسية منذ الثورة مع استخدام الشباب التونسي المنتفض والمطالب بحقوقه الديمقراطية، بحذر ٍبلغ درجة المواجهة المباشرة، وتبادل الشتائم والتخوين. غير أنه وفي حالة ياسين العياري، الذي عرف بتدويناته الحادّة اللّهجة، والمعادية للحكومة،كانت المحاكم العسكرية عصاً في يد السلطة لإقصائه وتخوينه وإسكاته، خوفاً من تأثيره الشديد على مواطنين تونسيين التفوا حوله تلقائياً دون ترغيب أو ترهيب، إلا أن عدالة القضاء أنصفته دائماً. ولئن نجح ياسين العياري في تحدي الاحزاب الحاكمة والحصول على مقعد في مجلس نواب الشعب، بفضل اعتماده على مواقع التواصل الإجتماعي، كمنصّة للحوار والاتّصال مع ناخبيه، فإن آلاف الناشطين الشبان فشلوا في خلق بديل تواصلي، لمواجهة ممارسات وسائل الإعلام الخانقة لصوتهم، والتي سعت إلى تهميشهم وتشويه تحركاتهم.مؤخّرا شنّت قناة “الحوار التونسي” الخاصة، هجوماً عنيفاً ضدّ اعضاء نقابة الصحفيين التونسيين، على خلفية تعبيرهم عن رفضهم، خلال أحد الاجتماعات، الجلوس مع مالك القناة سامي الفهري، بسبب اتهامه بنهب المال العام، بمشاركة أصهار الرئيس السابق زين العابدين بن علي. وكردّ على هذا الموقف الذي اعتبره صحفيون تونسيون “موقفا شجاعا وثورياً”، عمدت قناة الحوار التونسي في أغلب برامجها، إلى كيل الاتهامات لأعضاء النقابة، وبث بيانات مناهضة لرئيسها، وبرامج ساخرة واعلانات متحاملة.

 

“فقر” المؤسسات الإعلامية الخاصة، وحاجتها المتواصلة إلى الدعم المالي، حال دون لحاقها بركب الديمقراطية، فبقيت أسيرة في قبضة لوبيات المال والسياسة وتخلّفت عن القيام بدورها الإعلامي

 

واعتبر الصحفي الشاب وعضو نقابة الصحفيين زياد دبار في تصريح ل”درج”،”ما تقوم به القناة هو مواصلة لسياسة انتهجها مالكوها منذ تأسيس القناة قبيل الثورة، وتتمثل في معاداة النفس الثوري الشبابي ومحاولة التخلص من التدخل النقابي الذي يهدف إلى حماية حقوق الصحفيين والعاملين”، وأضاف دبّار، “تناضل نقابة الصحفيين من أجل كفّ تأثير رأس المال الفاسد، في استقلالية القنوات التيلفزيونية والإذاعية والصحف المكتوبة، غير أن اتحاد مافيا الفساد الإعلامي عمل ضد هدف تأسيس إعلام حر ونزيه، وحال دون ذلك، وتحوّلت محاولات البناء إلى حرب نحاول كسبها بقوة القانون. ولا غرابة أن يستخدم مالك القناة البرامج التي تبثها مؤسسته، من أجل ثلب أعضاء النقابة والتشهير بهم ونشر المغالطات من أجل تبييض صفحته وكسب ودّ المتابعين والمستشهرين ورفع نسب المشاهدة.”وفي سابقة فريدة حظيت بمتابعة واسعة لدى الرأي العام التونسي، بثّت مؤخرا مواجهة تلفزيونية مباشرة على القناة التونسية الخاصة، “التاسعة”، بين وزير العلاقة مع الهيئات الدستورية مهدي بن غربية، وعضو حملة “فاش تستناو”، الناشط الحقوقي الشاب حمزة العبيدي. هذه المواجهة سرعان ما بدت محاولة من الوزير للانقضاض على ضيفه الشاب والنيل منه والتهوين من نشاطه السياسي، حيث خاطبه قائلا، ” حين كنت أنا مناضلا شرساً أنت لم تكن قد ولدت بعد.” كما اتهم الوزير الشاب صراحة بعدم النزاهة و”العمل لحساب جهات خارجية مشبوهة من أجل نشر الفوضى في البلاد.” هذه الاتهامات ردّ عليها حمزة العبيدي بالقول،”الشبان الذين يشاركون في المسيرات الاحتجاجية هم أكثر عدداً من الأشخاص الذين يأتون لحضور الندوات الحزبية للوزير رغم إنفاقه للملايين من أجل محاولة إغرائهم واستدراجهم.”

ورغم اللهجة التهكمية الساخرة، التي واجه بها الوزير الناشط الشاب، فقد حظيت هذه المقابلة بنسب مشاهدة عالية وبتفاعل من الحضور رغم حدّتها، فقد اعتبر كثيرون أن  منح فرص للشباب للظهور التلفزيوني والتعبير عن مطالبهم والتبليغ عن شكاويهم وانتظاراتهم هو أمر ايجابي. إقصاء الشباب المنتفض والحقوقي من المشهد الإعلامي، أصبح أمراً عادياً حسب تعبير الناشطة الحقوقية وعضوة حملتي “مانيش مسامح” و”فاش تستناو”، مريم البريبري. مريم ترى أن “الأمر بديهي، فممولو أغلب وسائل الإعلام التونسية الخاصة هم رجال أعمال وسياسيون يحاولون صنع مشهد إعلامي يخدم أجنداتهم، من أجل التأثير على الناخب التونسي.” وتضيف مريم في تصريح ل”درج”، “تستقطب القنوات التلفزيونية الخاصة المشاهد التونسي البسيط عبر برامج الواقع التجارية والبرامج الترفيهية المغرقة في التفاهة والاستسهال. ولضمان تواصلها وتهرباً من الإفلاس تعمد كل قناة إلى الاستناد إلى حزب معين أو جهة حكومية، أو حتى عصابات إرهابية من أجل الحصول على الدعم المالي المناسب. ولا يعقل بعد أن تقوم هذه المؤسسات ببيع ضميرها المهني أن تفتح أبوابها للأصوات الشابة المنادية بالعدالة والحرية والمساواة والشفافية. وكأنّ هذا الإقصاء لا يكفي فتعمد بعض البرامج الحوارية السياسية على لسان مذيعيهم ومعلّقيهم إلى تشويه هؤلاء الشبان واتهامهم بالعمالة، ويصل الأمر إلى حدّ التشكيك في أخلاقهم وتأليب رجال الأمن ضدهم، مما انتهى ببعضهم إلى السجون. وهنا نذكّر بما حدث مع الناشطة الشابة عفراء بن عزة التي عانت من تهجّم الأمنيين عليها في أكثر من مناسبة، وجرّها لمراكز الشرطة وأروقة المحاكم بسبب تحريض بعض المعلقين السياسيين عليها، على خلفية مواقفها الرافضة للنظام وإدارة الحكومة للأزمات والقوانين الجائرة التي يحاول البعض تمريرها.” رغم تصنيف تقرير “فريدوم هاوس”، الذي نشر مؤخرا، تونس، “البلد العربي الوحيد الذي يشهد تطورا في مؤشر الحريات”، فإن “فقر” المؤسسات الإعلامية الخاصة، وحاجتها المتواصلة إلى الدعم المالي، حال دون لحاقها بركب الديمقراطية، فبقيت أسيرة في قبضة لوبيات المال والسياسة وتخلّفت عن القيام بدورها الإعلامي والإخباري والترفيهي الهادف، في فترة تحتاج فيها البلاد إلى تكاتف كلّ مكوناتها من أجل النجاح وتجاوز الأزمات الأمنية والاقتصادية والإجتماعية. وتبعا لذلك، فقدَ الناشطون الشبان ركيزة ًأساسية، من ركائز التعريف بنشاطهم الحزبي والحقوقي، اي الاعلام التقليدي. كما فقد الشعب التونسي منبراً من منابر التواصل والتوعية السياسية والتثقيف الاجتماعي والقانوني، فأضاعت بالتالي وسائل الإعلام دورها وأضاع شباب الثورة صدى صوته.

إقرأ أيضاً