fbpx

هنا القصة الثالثة

Avatar

محمد حسان

مقالات الكاتب

الابن الأول قتله “تنظيم الدولة”.. الثاني قضى أثناء قتاله معه

على كتلة من الإسمنت كانت معدةً لإحدى مضخات المياه، التي تروي أراضي البلدة الزراعية، يجلس أبو توفيق كل يوم بجانب أرضه، التي لم يعد يُطيق زراعتها. ينظر إلى المارة، ويتجاذب معهم أطراف الحديث أثناء مرورهم للحظات، قبل أن تأخذهم طرقات البلدة الملتوية ويغيبون عن ناظريه.
جلسات أبو عبد الرحمن الطويلة على تلك الصخرة، أصبحت أمراً معتاداً لأهالي البلدة، منذ أن فقد ابنيه توفيق البكر، وعلي الابن الأصغر، خلال الحرب الدائرة في سوريا منذ أكثر من ست سنوات.
أجالسه في كل مرة تجمعنا فيها طرقات البلدة الملتوية أمام تلك الصخرة، نتحدث طويلاً عن تلك الحرب، التي تأخذ قطعاً من أرواحنا كل يوم. يخبرني دائماً أن علينا أن نطيل النظر إلى من نحب، وأن نتشرب ابتساماتهم، الأبناء، الأخوة، الأخوات، الأب والأم والأصدقاء، قبل فقدانهم، فالموت هنا قريب… قريب جداً. يرافق الجميع كظلّهم يتحين الفرص لابتلاعهم.
الحديث مع أبو عبد الرحمن يستمر لساعات في كل لقاء يجمعنا، أحاول في كل مرة الابتعاد عن حديث الحرب والموت، لا أريد أن أعيد نكئ جروحه التي لم تلتئم بعد، لكنني أفشل في ما أريده. فأبو عبد الرحمن لا يفوت في كل لقاء له معي أو مع رجال البلدة، المجتمعين أمام البقالية، أو نساء الحارة اللواتي تترددن لزيارة زوجته، الحديث عن أبنائه.
الحديث عنهم يكون ممزوجاً بالدمع الذي يتسرب على تجاعيد وجهه، التي بدأت في الظهور مع مقتل توفيق ابنه البكر، الشاب الذي لم يبلغ السابعة عشرة من عمره، صاحب الوجه الأبيض والشعر الناعم الطويل.
توفيق، الذي ترك دراسته، حاله حال الكثير من السوريين نتيجة الحرب وعمليات القصف، ليلتحق بإحدى كتائب الجيش السوري الحر، التي تشكلت في بلدته، بعد أن رأى ظلم وجبروت نظام الأسد، الذي اقتحم بلدته عام 2012، وقتل بدم بارد 5 أشخاص من أبناء عمومته.
توفيق، الشاب المندفع صاحب الهمة العالية، كان يستمد قوته من والده الذي كان يحلم أن يعيش ولديه في بلد ينعم بالحرية والمساوات.
لكن الموت باغت توفيق قبل تحقيق ذلك الحلم. ففي يوم صيفي عام 2014، وأثناء قتال فصائل الجيش الحر لتنظيم “داعش” في منجم الملح بريف دير الزور الغربي، تمكن عناصر التنظيم من الالتفاف على توفيق ومن معه، وتم قتلهُم جميعاً.
أما ولده الثاني علي، الذي تحول من شاب حاقد على التنظيم بسبب قتله لأخيه، إلى أحد عناصره. يتحدث أبو توفيق لكل جليس معه عن تحوله المفاجئ، بعد تردده على مسجد القرية المجاور لمنزلهم حيث تمكن شرعيو التنظيم من إقناعه بالانضمام إليهم، بوصفهم الطرف المحق “الذي ينشر شرع الله في أرضه”.
لم تجد محاولات الأب الحاقد على التنظيم، والخائف على ولده الوحيد نفعاً، لم تحرك دموع والدته أي شيء في شاب، لم يتجاوز السادسة عشرة من عمره. أراد المضي في طريقه مع التنظيم، اختار الذهاب إلى جانب قتلة أخيه، لكن تلك المسيرة لم تستمر سوى أربعين يوماً.
فمنذ مغادرته للمنزل تم الزج به في معارك التنظيم مع قوات النظام في مدينة تدمر في ريف حمص الشرقي. وبعد أربعين يوماً من التحاقه، قتل علي، ودفن هناك، ولم يستطع والده ووالدته رؤيته. ذهب ولم يعد، حاله حال الكثير من الأطفال، الذين يستطيع التنظيم جذبهم إلى صفوفه، بعد التغرير بهم ومنحهم ما يريدون. المال موجود، والسلطة موجودة لمن أراد، والجنة أيضاً.
خسارة أبو توفيق لولده علي كانت ضربة قاسمة، ليس فقط لأنها رحيل آخر أولاده، بل بسبب الصراع الذي بدأ يعانيه.  صراع المشاعر الداخلي على ابن قتل وآخر اختار الموت مع قاتل أخيه. أيهما على حق ومن منهم سيدخل الجنة ومن منهم سيذهب إلى النار؟. يسأل أبو توفيق نفسه هذا السؤال دائماً. ففي هذا الصراع، الذي بني على أساس ديني لا خيارات متاحة سوى الجنة أو النار أمام ذوي القتلى.
أربع سنوات مرت على غيابي عن البلدة لم أرى فيها أبو توفيق،  أربع سنوات مضت دون أن أسير في شوارع البلدة الملتوية التي أعشقها.
لا أدري ما الذي ذكرني بأبو توفيق ليلة أمس، رأيته كحلم جميل من بين الكوابيس الليلية المعتادة، ما دفعني للبحث عن وسيلة للتواصل معه، وفرها وجود هاتف لدى أحد أبناء أخوته، الذي رتبت معه للحديث مع أبو توفيق.
محاولتان كانت كافيتان لأن أحصل على اتصال هاتفي، فاجأني صوت أبو توفيق وسلامه الحار وكلمات الشوق لي وللحديث معي. صوته الحزين لم يتغير منذ آخر لقاء جمعنا قبل أربع سنوات.
في معرض الحديث، أخبرني أنه يبحث عن زوجة جديدة لينجب منها أولاداً، فزوجته الأولى تقدّمت في السن، وهي غير قادرة على الإنجاب.
كان الاتصال رديئاً، لضعف تغطية شبكة الهاتف المحمول في البلدة،
لكنه أوصاني أن أدعو الله له كي يجد زوجةً صالحةً، تنجب له أولاداً يحملون اسمه.
أخبرني أيضاً أنه لا زال على العهد، يريد أن تنتصر الثورة، وأن يسقط نظام الأسد، لكن من غير أن يموت الأبناء.
قالها وهو حزين، قبل أن يختفي صوته لفقدان الاتصال. “لا أريد ولداً يموت ليذهب إلى الجنة أريده أن يعيش وإن ذهب إلى النار”.

إقرأ أيضاً