fbpx

هنا القصة الثالثة

ترجمة - The Guardian

ترجمة - The Guardian

مقالات الكاتب

الابنة التي تبرّأ منها ستيف جوبز: “من الواضح أنني لم أكن مُقنِعة لوالدي”

ليزا برينان جوبز تتحدّث عن كيف تعلّمت أن تحب المؤسّس المشارك لـ”أبل”، الذي ادّعى لسنوات أنها ليست ابنته.

تقول ليزا برينان جوبز إن من الجيّد أنّها لم تكتب مذكراتها عن نشأتها في ظل والدها ستيف جوبز، عندما كانت لا تزال في العشرينات من عمرها. المرأة البالغة من العمر 40 سنة -والتي تعيش مع زوجها بيل وابنها توماس ذي الأربعة أشهر في بروكلين- لم تكن قادرة على إنصاف القصة، كما تقول، إذْ “لا أعرف ما إذا كانت لديّ القدرة على التغلّب على رثاء الذات”. وهي أيضاً سعيدة لأنها لم تنتظر حتى الأربعينات من عمرها لكتابة الكتاب، عندما جعلتها تجربة الأمومة مع توماس “أكثر لُطفاً وأكثر تسامحاً”. بدلاً من ذلك، أمضت أفضلَ فترة في الثلاثينات من عمرها في تأليف كتابٍ لا هو مغرق في رثاء الذات ولا هو ناعم ومتسامح، بل هو صورة لطفولة ليس العامل الرئيسي فيها هو أن والدها كان رَجلاً غيّر العالم، لكنه كان رجلاً حاوَل، مراراً وتكراراً، وفشل بطرائق عاديّة في الغالب.

من المعروف نسبياً الآن أن ستيف جوبز، المؤسّس المشارك لـ”أبل” والذي توفّي قبل 7 سنوات بسرطان البنكرياس، كانت لديه طفلة من حبيبته في المدرسة الثانوية عندما كان الثنائيّ في أوائل العشرينات؛ وأنّه بعد ذلك ببضع سنوات -عندما كان على الورق على الأقلّ يساوي مئات الملايين- تعرّض للمقاضاة لدعم الطفلة والاعتراف بها – وهي الأحداث التي لا تزال رائحة الفضيحة متعلّقة بها.

لا جدوى من إنكار ما يحدث عندما يلتقي المرء لأوّل مرة مع برينان جوبز: محاولة النظر من خلالها للبحث عن خطوط والدها الخارجية، من حيث المظهر (فهي ذات بشرة فاتحة ناعمة، وكما قال والدها نفسه، فهي طفلته في ما حول الحاجبين)، ومن حيث الأسلوب (فهي متحمّسة إلى درجة العصبية). لا يمكن أيضاً تجنّب حقيقة أن الاهتمام ببرينان جوبز مدفوعٌ بشهرة والدها، أو أن دخولَ شقّتها في بروكلين، وهي شقّة صغيرة وعلى ارتفاع ثلاث طبقات، يجعل أفكار المرء تقفز على الفور إلى السؤال عما حدث للميراث. (مرّة أخرى، عندما يتبين أنها ملكيّة احتياطيّة، تستخدم كمَكتب، وليس المنزل الذي تعيش فيه). هذه هي الحسابات الذهنية السريعة التي اعتادت برينان جوبز على رؤية لمحاتها عبر وجوه الغرباء، وعلى رغم سلوكها المرح، فهي تعطي انطباعاً بأنها مُستنفَذة ومُستهلَكة من هذه الأفكار. وأيضاً، من الدراما المركزيّة في حياتها المبكرة كما تسميها: إن ستيف جوبز، وهو رجل أشاد به العالَم كصاحب رؤية، بدا لفترات طويلة لا يحبّها أو يعترف حتّى بأنها ابنته.

يُمكِنها قَول كلّ هذا الآن، وبابتسامة، ولكن لم يكن الأمر دائماً سهلاً هكذا. وكما تقول “عندما بدأت الكتابة لأول مرة، كنت أرغب في تكديس رثاء الذات، لأنني شعرتُ بإحساسٍ سيِّئ للغاية تجاه نفسي”. يتقلّب توماس في حضنها، ويظهر عليها شيء من السعادة البلهاء. “أعني: يا إلهي، لقد انتهى ذلك. لقد تبدّد الكثير من حجاب العار، ولا أعرف ما إذا كان ذلك بسبب العمر، أو بسبب كتابة الكتاب، أو كليهما. لكنّي أردت أن أضعَ بعض المشاهد التي تجعلك تشعر بالشفقة عليّ وتتعاطف معي، لأنني شعرتُ بالخجل من حقيقة أن لي مثل هذا الأب – من الواضح أنني لم أكن مُقنِعة بما فيه الكفاية لوالدي، هذا الرجل الرائع، ليعترف بي بشكلٍ حاسم. فكّرتُ، هل كنتُ طفلة قبيحة؟ حتى أنني سألته ذلك ذات مرة. وكنت أعلم أنه كان سؤالاً لزجاً ومتظرّفاً، حتى مع سؤالي إيّاه، أو ربما تلاعُباً. لكنه كان شعوراً استمرّ في الظهور، لأنه لم يكن ينظر إلى ألبومات طفولتي. كنت أتركهم في مكان مفتوح، وعندما يراهم يكون رد فعله مثل “مَن هذه؟”، وكنتُ أرد “إنها أنا!”.

ليزا جوبز- تصوير كارول تافيراس، صحيفة غارديان

تتحدّث برينان جوبز بسرعة كبيرة، وكثيراً ما تتراجع لتغيير ما قالته – أعتقد أن السبب ليس كونها غير متأكّدة من نفسها، ولكن لأنها تعمل في وضع مستمر من الترجمة الفورية: هناك معنى لما تقوله في اللحظة التي تقوله، وهناك الاستخدام الذي سيتمّ وضعه فيه، في تاريخ غير مُحدَّد في المستقبل، لخدمة أسطورة ستيف جوبز. يمنحها ذلك مظهر شخص يتقدم لمنصب سياسيّ وهالته.

وهي تتصارع أيضاً مع قصة نشأة، نُقلِت وفُسِّرت مرّات عدة على يدِ أشخاصٍ آخَرين، لدرجة أن عليها القتال بضراوة لامتلاك قصتها الخاصة. في الخطوط العريضة: التقى ستيف جوبز وكريسان برينان معاً في سنّ المراهَقة في المدرسة الثانوية في كوبرتينو، بولاية كاليفورنيا، وارتبطا ثم انفصلا أكثر من مرّة، حتى حمْل برينان، وعند هذه النقطة انفصلا بشكل حاسم. كان جوبز قد أسّسَ شركة “أبل” لتوّه مع ستيف وُزنياك، وكان يعمل على الإصدارات المبكرة لما سيُصبح جهاز “ماكنتوش”. بعبارة مُلطَّفة، لم تكن الأبوّة في خطّته. ومع ذلك، وبعد ولادة الطفلة، سمّى نسخته المبكّرة (الفاشلة) من الكمبيوتر الشخصيّ باسم “ليزا”، ثم أمضى العشرين عاماً التالية متظاهراً بأنّ الاسم كان مجرّد مُصادَفة.

كان هذا النوع من الإنكار المثير للغضب، وِفقاً لِبرينان جوبز، هو ما ميّز تقريباً كلّ مرحلةٍ من مراحل أبُوّته، بما في ذلك الإنكار الأشهر أنّها ابنته. ومع إجبار الولاية إياه بأن يُجري اختبار الحمض النووي DNA، حاوَل جوبز مراوغة النتائج، وعام 1982، عندما كانت ابنته في الخامسة من عمرها، أخبَرَ صحافيّاً من مجلة “تايم” أن “28 في المئة من السكّان الذكور في الولايات المتحدة يمكن أن يكونوا الأب”. ماذا كان ذلك؟ أفضل ما تستطيع برينان جوبز تقديمَه كتفسيرٍ هو قولها “حبُّه لي كان يُعمِيه. إذا كنتَ شخصاً معتاداً على التحكّم في الأمور، والنجاح في كلّ شيء، ثم تجد شيئاً واحداً لا يمكنك النجاح فيه، فمن الصعب عدم دفعه بعيداً”.

لن يكون هو أوّلَ شخصٍ يتخلّى عن طفلٍ غيرِ مرغوبٍ فيه، ليصبّ تركيزه على نجاحه وتقدّمه الذاتيّ، لكن الشيءَ المثير للاهتمام في القصّة هو أن جوبز لم يَبدُ أبداً قادراً تماماً على تحديد رأيه. خلال السنوات السبع الأولى من حياة ابنته، كان غائباً تماماً تقريباً، وبعد ذلك، كان يمرّ في بعض الأحيان على واحدةٍ من سلسلة البيوت الصغيرة التي عاشت فيها مع أمّها – أو يُقدّم وعداً بالحضور ثم لا يأتي. تَطوّر قدر من العلاقة بين البنت والأب كان كافياً للسماح لها بالانتقال للعيش معه خلال فترة المراهقة حين تخاصمَت مع أمّها. لكن ذلك لم يكن أبداً شيئاً يمكن الاعتماد عليه.

الكثير من المشاهد المثيرة للصدمة في الكتاب تظهر في أعمال صغيرة من القساوة التي يبدو أنها تصدر عن صدمة دائمة لجوبز بسبب حصوله على ابنة من الأساس. “لن تحصلي على أيّ شيء”، ينفجر جوبز في وجه الطفلة ذات التسع سنوات عندما تسأله ببراءة إذا كان يمكنها الحصول على سيارته “بورش” عند انتهائه من قيادتها. “هل تفهمين؟ لا شيء. لن تحصلي على أي شيء”.

عندما كانت تعيش معه، لم يكن يقوم بإصلاح التدفئة في غرفتها أو غسالة الأطباق؛ وقد تباطَأ في دفع رسوم دراستها الجامعية في جامعة هارفارد، رافضاً الدفع بعد سنتها الأولى، رداً على بعض الاستخفاف (تدخّل الجيران الأثرياء الذين كانوا قد عقدوا صداقاتٍ معها وتحمّلوا التكلفة، ولم يسدِّد جوبز الدَّين لهم إلا بعد سنوات). كانت لديه قواعد صارمة حول كيفية تصرُّفها لكي يتمّ اعتبارُها جزءاً من عائلته: أن تكون في المنزل في وقت مبكر، وألّا تقضي الكثير من الوقت مع والدتها (التي أغضبَته مُطالَباتُها له بالحصول على المال، على رغم ثروته)، وأن تحترم سلطته في المطلق.

هناك مشهد صغير مؤلِم في أحد المطاعم، والذي يَحدُث عندما تكون برينان جوبز مُراهِقة وتتناول العشاء بالخارج مع والدَيها وابنة عمّها المراهقة سارة. يَغضَب جوبز عندما تطلُب سارة البرغر -فهو يكرَه اللحوم- ويلتفت إلى الفتاة ويقول “هل فكّرتِ يَوماً في مدى فَظاعة صوتك؟ من فضلك توقّفي عن الكلام بهذا الصوت الفظيع”. عندما أتحدّث عن هذا الأمر، تبدو برينان جوبز مُحرَجة وتقول إن صوتَ ابنة عمِّها مُزعج حقّاً في الواقع. “أنظر إلى الوراء وأفكر، هل كان ذلك اليوم الذي علِم فيه أن شركتَه ستفشل؟ لا أعرِف ماذا حصل. أتذكّر أنه عندما يكون في مزاج سيّئ، يمكنك أن تعرف ذلك بسهولة”.

من الصعب عليها أن تقاوم تبرير أسوأ سلوكياته. وكما تقول بحزم، “إنها ليست مذكّرات من المعاناة. هناك هؤلاء الناس الذين تعرّضوا للحبس في الخِزَانات. لقد حَظينا بكثيرٍ من الفرح”. ففي نهاية المطاف، كانت حياتها ناجحة. بعد تخرُّجها من جامعة هارفارد، انتقلت برينان جوبز إلى إنكلترا للقيام بدراسات عليا في “كينغز كوليدج لندن”، وعاشت بشكل متقطّع في المدينة، وعملت في مجال التمويل، وحصلت على أعمال صحافيّة مستقلّة من حينٍ إلى آخر، قبل أن تعود إلى الولايات المتحدة لدراسة الكتابة الإبداعيّة.

الحقيقة، كما تقول، هي أن -على الأقلّ- بعضَ أعمال والدها غير اللائقة كانت نتيجةً لحقيقة كونه غريب الأطوار. وتوضح “غريب الأطوار حقّاً. من الصعب المبالغة في ذلك. كانت لديّ حفلة مفاجئة لأمّي عندما كنتُ في الثامنة (نظّمتها صديقة جوبز وقتها، تينا)، وجلس على الأرض، وكان لِغرابة أطوارِه جاذبيّة خاصة. لا يمكن أن تنتبه إلى الأشياء الأخرى، لأنك تكون قلقاً جدّاً عليه. حتى في الثامنة شعرت بذلك: (يا الله، هل أنت بخير؟) وقد نسِيَ الناس أنه لم يكن ناجحاً عندما كنت في مرحلة النموّ. لم يكن ينجح، لا معي، ولا في علاقته -لأنه وتينا كانا ينفصلان ثم يعودان لبعضهما البعض- ولا في عمله. واستمرّ في المحاولة، على رغم أنه استمرّ في الفشل”.

تقريباً لا يوجد أيّ شيء عن “أبل” في الكتاب، أبعدَ من فخر برينان جوبز الخجول أمام أصدقائها في المدرسة بأن والدَها اخترع حواسيب ماكينتوش؛ ويرجع هذا إلى أنّها، كما تقول، “لم أشعر بأن طفولتي كانت في مقام عملِه. لأنه حين كان ينخرط في العمل غالباً ما كان مبتهِجاً. كان هذا ممتعاً؛ إذ كان ينبغي علينا النظر إلى أشياء مختلفة معاً… النظر إلى الخطوط الرقيقة أمر ممتع”.

تقول إنها، بالنظر إلى الوراء، تفترض أن هذا كان فعلاً ساذجاً بعض الشيء؛ فواضح أن قدرته على التعامل مع برينان جوبز وأمّها كانت مجدولة على أساس ما كان يحصل في “أبل”. وكما كتبت “حين لم تكن الأمور على ما يرام في العمل، كان يأتي ليرانا – كان قلبه يتّسع بما يكفي لاحتوائِنا. لذا أتصوّر أننا كنا في تنافس ليس مع عمله في حدّ ذاته، وإنّما مع الحالة الذهنيّة التي لم يكن تركيزها على الأسرة. ليس الأمر بالممتع أن تكون الشخص الموجود في مقابل العمل الذي يحبّه الجميع. كذلك؛ لو كان بمقدوره أن يحبّني بغزارة أكثر حين لم يكن عمله على يرام، فمَن أكون أنا؟ أنا الشخص الذي يحمل له أمنية الفشل”.

وتضيف بسرعة أنها لم تتمنَّ أبداً فشله. كانت تأمل بأن يكون أكثر ابتهاجاً بها. لقد تمنّت لو كان طبيعيّاً. تقول برينان-حوبز “لم يكن بمقدوري جعله ينصهر كما بدا الآباء حول بناتهم، وبالطبع أخذت هذا الأمر بشكلٍ شخصيّ”. تمنّت لو عرَف بشكل أفضل كيف يمكن أن يكون الأب. وتضيف: “كلّ ما أردته هو القرب والعذوبة وأنْ يخفّف عنّي. أن يدعني أصبح النجمة، ربّما. أن يكون من ذلك النوع من الآباء الذي يسألون أبناءهم كيف كان يومك؟ وأن يستمع إليّ. وفي سنّ مبكرة، ومع اعتياده الشديد على أن يكون في الأضواء وتملّق الجميع له، لم يعرف كيف يجالِسني”. (اعتادت أن تحسدَ أخاها وأختَيها غير الأشقّاء، الذين ولدوا حين كانت في سنّ المراهقة، وتتساءل إذا “كان ربّما أكثر ألفةً معهم”. لكنّها كانت تشكّ في ذلك أيضاً- ليست لديها قناعة بأنّه كان أكثر حضوراً في حياتهم منه في حياتها.

على حائط في فرنسا، رسم بانكسي

لكن يظلّ من المدهش قليلاً أنّها جرُأت على كتابة أيّ شيء من هذا. كطفلة كانت مخاوف برينان جوبز من إثارة استياء والدها أو إحباطه شديدة. حين كان عمرها 8 سنوات، كان من المقرّر أنّها ستقضي كل ليلة أربعاء في منزله، لكنّها أصبحت قلِقَة لدرجة أنّها تبلّل سريرها، وتقوم أمّها بترتيبات أخرى. هذا الكتاب بالتأكيد أغضبَ جانب السيطرة عند جوبز، ولكنّها تعتقد أنّه قد أعطاها إذناً ضمنيّاً. وكما كتبت، فقد “كانت هناك عبارة داوَمَ أبي على استخدامها في النهاية: إنّني مَدين لكِ بواحدة، إنّني مَدين لكِ بواحدة. وقد فكّرت يا لَها مِن عبارة غريبة. لم أسمعه إطلاقاً يستخدمها من قبل. وقد استمرّ في ما بعد في استخدامها وكان يبكي. وكان جادّاً جدّاً بشأنها. وكان هناك شعور لديّ مغزاه أن حسناً، ليكن. يمكنك أن تعطيني هذا؛ أن يكون متاحاً لي أن أروي قصّتي بأصدق وألطف طريقة ممكنة، وبحُب”. (لقد سألها ذات مرّة إن كانت ستكتب عنه، وقد أجابته “لا”).

إنّه الحبّ، هو ما تعود إليه مراراً وتكراراً: الأوقات التي كان يأتي فيها مع زلّاجته حين كانت طفلة، ويقومون بالتزلّج لساعات في شوارع بالو ألتو (في كاليفورنيا)؛ وتلك المرّة التي جلس فيها في البرد القارس في مدرّج من دون سُترة، لمشاهدة مسرحيّة بطلها هو صديقها في المرحلة المتوسّطة. كان له آراء غريبة عن الجنس، وكان يقبّل ويتلمّس زوجته (غير أمّها) أمامها، ويمزح قائلاً إن ليزا ستكبر وتصبح راقصة تعرّي — أمور تعترف هي أن من الصعب أن تُعيدَ إذاعتها “كي لا تبدو مروّعة”. لكن حتّى هنا، فإنّها عازمة على الدفاع عن جهود أبيها واصفة إيّاها بأنها “مختلفة ورائعة”، ومحاولة من جوبز لنزع الجنس من قبضة العار وإصرار منه على سيادة الحبّ، ولذا على رغم من علاقة والديها البائسة، “لم أشعر مطلقاً بأنني نتاج علاقة عرضية”.

تتمنّى لو كان أمكنه حلّ “تناقضه وشعوره بالذنب” بشأنها باكراً في علاقتهما؛ كان هناك فترات طويلة من الصمت بينهما في سنّ العشرينات مع عمرها، بعد النزاع بشأن الرسوم الدراسيّة في هارفارد. لكن حين أصابه المرض، تذكّرَت الأمورَ الأخرى. تقول “استغرق الأمر وقتاً طويلاً لإدراك أنه كان يموت. لم أدرك هذا تماماً. وأخيراً فكّرتُ يا إلهي! من الأفضل أن أخبره ببعض الأمور الحسنة؛ غالباً لن يهتّم”. شكرته لصدقه بخصوص الجنس، ”وكان الأمر أشبه بصبّ الماء على أرض جافة. كان لسان حاله (لقد حاولتُ حقّاً!) فكّرتُ حينها: أنا لم أعرف أنّه كانت هناك قصّة وراء أسلوبه في التربية، هي أنّه كان منهجيّاً”. ومع ذلك، “أحد الأمور الصعبة التي يمكنك إدراكها حين تكون مريضاً جدّاً هي أن الشيء الوحيد الذي يمكنك القيام به لتحسين الأمور هو استثمار الوقت، وهو الشيء الوحيد الذي لا تملكه. وهذا هو الوضع الذي لا ترغب في أن تكون عليه وأنتَ على فراش الموت”.

عام 2014، علِمَت برينان جوبز أنّه يتم الإعداد لفيلم اقتباساً من سيرة والدها المأذونة والتي كتبها والتر إزاكسون. حينها لم تكن قرأت الكتاب بكامله، لكن لم يرُق لها ما كانت قد قرأته منه أو سمعته عن الكتاب. لذا قامت بشيء يعدّ تفكيراً بارعاً: أجرت اتّصالاً مع آرون سوركين، الذي كان يكتب سيناريو الفيلم، ورتّبت معه لقاءً لاحتساء القهوة.

من أوجه عدّة، فإنّ الفيلم الذي صدَرَ عام 2015، وعنوانه ببساطة “ستيف جوبز”، مكرّس لبرينان جوبز: الطفلة التي لا لَومَ عليها، والتي تكشف جوانب النقص في إنسانيّة أبيها، وتبدأ في النهاية في حلّها.

وكما اتضح، كانت نية ليزا برينان جوبز من مقابلة السيناريست تحديداً كما تقول “لقد تناولنا القهوة ثلاث مرّات وكان هدفي أن يُفتن بي”.
وتضيف: “ففي حال قرّر أن يسند إلى دور بشخصية في فيلمه فلن تكون شخصية سيئة، أو غير وفية، لأنني سمعت أنه تم تصويري في كتاب والتر إيزاكسون على أنني لم أكن أعود إلى المنزل ولم أعتد على زيارة والدي، ولكنني أحب والدي لذلك كنت أبحث عن آرون سوركين فقط لأجعله يتأكد من أنني إنسانة طبيعية”.

“ظلّ والدها، بطريقةٍ ما، هو ذاته حتى النهاية، وكان في ذلك عزاء أيضاً – النزاهة حتى في الحقيقة المُرّة”

ومن الواضح أن ليزا كانت في خلاف حول نهج والدها في إنفاق ثروته. وخلال فترة معيشتها في لندن، اتصل أحد أصدقاء والدها به وقال له: “لماذا لا تساعدها ببعض المال؟”، ليجيب قائلاً “لا أنا لن أرسل لها مالاً، لأنني لا أريد أن اتسبب في تدميرها”.
وخلال هذه الفترة أقنعت ليزا نفسها بأن الأمر كان سيصبح أسوء بكثير إذا ترعرعت كوريثة مدللة، أو لو كان لها أب تجاهلها ومن ثم جلب لها فرساً صغيراً أو بعض الفساتين الجميلة.

وفي أحيان أخرى كانت تجد ليزا أن من الغريب أن يتم التعامل معها بهذه الطريقة القاسية، كما تنظر هي للأمر، “الشخص الآخر الذي من المفترض أن يدعم منظومة من القيم تنطوي على درجة ما من الحرمان، هو نفسه. كان يحرم نفسه، كان يمتلك منزلاً واحداً، ولكن إذا كان بإمكانه العودة إلى الخلف أتصور أنه لن يقوم بما فعله لنا من قبل عندما كنت صغيرة”.

أنا أعتقد أن قرارات جوبز المالية كانت تبدو حاقدة في بعض الأحيان، وتقول هي “ولكن ربما لم يكن يعلم كيف يفعل ذلك”، ومع ذلك فمهما كان مُضللاً، فقد كانت تعتقد أن الأمر لا يزال متعلقاً بالقيم، وتكمل “وفي لحظات الفرح، كان يشاركنا منظومة القيم التي أؤمن بها”.

جوبز لم يكن يؤمن بالتفاخر، في عاطفته كما كانت الحال في الحياة العملية، على رغم أن قميص الصوف الخشن يمكن أن يكون غشاء مثل الآخر المصنوع من الذهب، وعلى رغم ذلك، كان بداخل أعماقه حلم بالحصول على الحياة الوردية التي وعد بها الشخص الهيبي نفسه وهي تكمن في “أن هناك أهمية كبيرة للبساطة وهي تعد أفضل الأشياء، هل قمت بعملك على الوجه الذي كان يتوجب عليك القيام به؟، هل كنت تحب الشخص الذى كنت تحبه على الوجه الذي كان يتوجب عليك القيام به؟ أنت لا تموت وأنت تفكر “كم كنت مستريحاً؟”.

ويبدو أن جوبز قد فشل فعلياً في الجانب المتعلق بالحب من بين هذه الحكم، ولكن النقطة الأهم هنا كما تقول ابنته، أنه قد حاول بالفعل.
وعلى سبيل المثال، عندما زَجَرَ جوبز ابنته بسبب طلبها شراء سيارة بورشه، كان قلقاً من أن أكون شخصاً سيئاً بعض الشيء، تتحدث ليزا وهي مبتسمة، “وربما كان هذا الأمر سبباً في عدم وجود رغبة لديه مطلقاً في شخصي”.

في هذه الأيام فكرتها عن الأسرة على بعد مليون ميل من المدفأة الباردة الخاصة بمنزل والدها أو الفوضى الهيبية الخاصة بوالدتها.

وبالحديث عن زوجها تقول برينان جوبز “زوجي بيل، الذى يعمل مصمّم برمجيات، يبدو أن شخصيته قريبة من شخصيتي، لقد التقينا عبر شبكة الإنترنت، الأمر كان رائعاً لأنه لم يعرف مطلقاً من هو أبي، فهو بالكاد علم بالأمر عندما أدركت أنه أصبح مغرماً بي”.

وتكمل “الأمر كان مهماً جداً بالنسبة إلي، وفي بعض الأحيان أشعر بأن أبي سوف يحبّه فهو شخص صريح وعطوف وجيّد”.

الوجود في نيويورك كان أمراً مهماً أيضاً، لقد أحب والدها مدينة كاليفورنيا وكانت ليزا في حاجة إلى إيجاد مجال خاص بها في مكان ما، وفي حقيقة الأمر فإن ميراث ستيف جوبز، الذى يقال إنه تُقدّر حصّة كل فرد من أبنائه منه بالملايين، والميراث يساوي 10 مليارات دولار ذهب معظمه إلى أرملته لورين باول جوبز الأمر الذي ساعدها بالتأكيد.

وتقول ليزا “بالنسبة إلى قصة الابنة العنيفة والفاسدة – هنا يمكن أن يدخل في اللعبة السؤال الخاص الميراث، ولكنني أشعر بسلام داخلي مع ما حدث”.
وتضيف: “كنت أتمنى قضاء المزيد من الوقت معاً بعد أن أفضى بذنبه، لأنني أعتقد أننا كنا نمتلك روح الدعابة ذاتها، ودائماً ما كان يكون الأمر بمثابة مفاجأة سارة عند العلم بكم المرح المتبادل بيننا”.

وتستطرد “في الحقيقة، عندما كان يموت قلت له كنت أود في المرّة المقبلة – إذا كان هناك مرّة مقبلة – أن نكون أصدقاء، الأمر كان بمثابة طعنة بعض الشيء، وما كنت أقصده بهذه الكلمات هو “ألم يكن من الممتع أن نكون زملاء وأن نعمل سوياً؟”.

وأدركت ليزا، خلال فترة ما، أن قلبه كان متعلقاً بمكان آخر، ربما مع الأشخاص الذين كان يعمل معهم أو كان متعلقاً بالعمل نفسه، وهم الذين حصلوا بالفعل على أفضل ما لديه.

وعلى رغم ندمه وحزنه، ظَل والدها، بطريقةٍ ما، هو ذاته حتى النهاية، وكان في ذلك عزاء أيضاً – النزاهة حتى في الحقيقة المُرّة. تقول مبتسمة “أتذكر عندما كان مريضاً جداً، كان يمسك صحناً كاملاً من الحلوى، وكنت أمازحه فقلت: “هل ترغب في مشاركة الحلوى؟” فأجابني بالنفي قائلاً: لا، كلها ملكي”.

“شعرتُ كأننا كنا في مركز العالم”… كان هذا مقتطفاً حصرياً من كتاب (Small Fry) لمؤلفته ليزا برينان-جوبز.
الآن في عطلات نهاية الأسبوع عندما كان موجوداً، كان يأتي والدي ليأخذني إلى التزلج، وكانت والدتي تلوح لنا بينما كنا ذاهبين. كنت في التاسعة من عمري.

في هذا الوقت، كان قد طُرد من شركته، آبل. وكان بصدد إنشاء شركة جديدة تُدعى NeXT، تصنع أجهزة وبرامج الحاسب الآلي. كنتُ أعلم أنه كان يمتلك أيضاً شركة للرسوم المتحركة على الكمبيوتر تُدعى Pixar والتي صنعت فيلماً قصيراً عن مِصباحين يمثلان طفلاً ووالده.
كان يناديني بالسمكة الصغيرة (Small Fry).. “هيا أيتها السمكة الصغيرة، لننطلق. نحن نعيش على وقتٍ مُستعار”.
كنتُ أعتقد أن (Small Fry) كانت تعني البطاطس المقلية المتبقية أسفل الكيس، باردة ومقرمشة. اعتقدتُ أنه كان يناديني بالقزم، أو ابنة غير شرعية. ولكن في وقتٍ لاحق، أدركتُ أن (Fry) هي كلمة قديمة للأسماك الصغيرة التي يتم إلقاؤها في البحر مرة أخرى لإعطائها المزيد من الوقت لتنمو.
ردّدتُ عليه حال انتهيتُ من ارتداء زلّاجتي قائلة: “حسناً أيتها السمكة السمينة (Fat Fry)، لنذهب”. في بعض الأحيان كان يشعر بالقلق لشدة نحافته. وقال “يقولون إنني بحاجة لزيادة وزني”. سألته “من يقول ذلك؟”، فردّ علي “الناس في العمل” بينما كان واقفاً في منتصف الغرفة مرتدياً زلّاجتيه. ثم أضاف “ماذا تعتقدون يا رفاق؟”. في أوقات أخرى كان يشعر بالقلق من أن يصبح ذا بطن كبير، وكان يسألنا عن ذلك أيضاً.
كنا سنتوجه إلى جامعة ستانفورد. في ذلك اليوم كان الطريق لا يزال رطباً من المطر.

الممثل آشتون كوتشر في فيلم “جوبز” الصادر عام 2013

نمت أشجار النخيل، والتي سُميت طريق (بالم درايف – Palm Drive) تيمّناً بها، في التراب بين الرصيف والطريق. نظرنا إلى التلال خلف الجامعة – من بعيد بدت وكأنها سلسة ولا تشوبها شائبة. ظهرتْ أوراق النبات الخضراء من بين كتل الاوساخ بعد يومين أو ثلاثة من الأمطار الغزيرة الأولى وبقيت خلال فصل الشتاء. “أنا أحب التلال الخضراء،” هكذا قال، “ولكنني أحبها أكثر عندما تكون صفراء وجافة.”
قلت من دون أن أفهم كيف يمكن أي شخص أن يحبها عندما تكون ميتة “أنا أحبها خضراء”.

وصلنا إلى الساحة البيضوية ثم إلى ساحة ستانفورد الرباعية بمساراتها المظللة المغطاة والمبنية من الإسمنت على شكل الماس بألوان متناغمة، مثل زي مهرج باهت.
“هل تريدين الصعود على كتفي؟”
انحنى إلى الأسفل وعانقني – كنت صغيرةً بالنسبة إلى سنّي – ثم رفعني. كان يتمايل ويهتز. قمنا بجولة حول الساحة، وتحت أقواس الساحة الرباعية، ومررنا بالأرقام الذهبية على الأبواب الزجاجية. كان يُمسك بساقي بين يديه، لكن تركها عندما بدأ يفقد توازنه. كان يتعثر ويتعثر مكافحاً من أجل البقاء واقفاً – كنتُ أترنح مرعوبة في الأعلى؛ ثم سقط. وبينما كنتُ أسقط، كنت قلقةً على نفسي، على وجهي وركبتي، الأجزاء التي قد تصطدم بالأرض. مع مرور الوقت، تعلمتُ أنه سيسقط دائماً. ومع ذلك، تركته يحملني، لأن ذلك بدا أمراً مهماً له. شعرتُ بالأمر وكأنه تغير في ضغط الهواء؛ كان هذا جزءاً من مفهومه لما تعنيه علاقة الأب والابنة.

استيقظنا ونظّفنا ملابسنا للخروج – انتهى به الأمر بكدمة في ظهرة وخدش في يده وتضررت ركبتي-. ثم اتجهنا إلى نافورة الشراب في أحد زوايا المبنى المربع. في طريق العودة عبر الحرم الجامعي من تل منحدر من الإسمنت القاسي كنت كالشوكة الرنانة على الطريق، أهرول أمامه وأغني “آه آه!” يهتز صوتي مع خطواتي على الأحجار. قال لي “أنت على ما يرام يا فتى، لكن انتبه ألا يصيبنك الدوار”. قلت “سأفعل”، لم أسمع من قبل بتلك العبارة: يصيبنك الدوار، قال “تعرفين أنا لم أذهب إلى الجامعة، ربما أنت أيضاً لن تذهبي، من الأفضل أن تمضي قدماً وتنخرطي في العالم”.
إن لم أذهب إلى الجامعة كنت سأصبح مثله. شعرت بأننا كنا مركز العالم في تلك اللحظة. لطالما حمل معه ذلك الشعور بالمركزية.قال “إنهم يعلمونك كيف يفكر الآخرون خلال أكثر سنوات عمرك إنتاجية، ذلك يقتل الإبداع ويحول الناس إلى حمقى”. بَدَا كلامه منطقيّاً لي. ومع ذلك فقد ظللت أتسائل حول مراوغته بشأن ستانفورد، كيف بدا أنه يحبها، إن لم يكن يؤمن بها . أشار في شارع الجامعة إلى متشرّد جاثم بأحد الزوايا يحمل شارة من الورق المقوى، وقال “هذا أنا في غضون عامين”.

عندما عدت أنا وأبي إلى منطقتي، كان الأطفال يلعبون في الساحات وعلى الأرصفة. توقفنا أمام منزلنا، وتجمع عدد قليل من الرجال الذين عاشوا في الجوار حول والدي – ثلاثة آباء يحملون ثلاثة أطفال. أرادوا معرفة رأيه في هذا أو ذاك. طاردت الأمهات الأطفال الصغار لإعطاء الآباء فرصة للتحدث. وقفت في مكان قريب، فخورة بأنهم يريدون التحدث مع والدي. لقد تحدثوا عن أشخاص لم أسمع بهم أبداً وشركات لم أكن أعرفها.

بدأ الأطفال إثارة الضجيج والتلوي والعويل والبكاء، واصل والدي الحديث – الأجهزة والبرمجيات – المناقشات ذاتها التي بدا أنها تُسمع مراراً وتكراراً مع جميع الرجال الذين رأيناهم في بالو ألتو في تلك الأيام. وسرعان ما بدأ الأطفال الثلاثة ينتحبون، وكان على الآباء التوقف عن الكلام ونقلهم بعيداً.
لقد حان الوقت تقريباً، حيث ستقول والدتي لاحقاً أن أبي قد وقع في حبي. قالت: “لقد كان يجِلك” لكنني لا أتذكر ذلك، قال والدي “أنت تعرفين أنها أكثر من نصفي، أعني أن جيناتي تكون أكثر من نصف جيناتها”. لم تتوقع أمي قوله ذلك، ولم تعرف بماذا تجيب. ربما قال ذلك لأنه بدأ يشعر بقربه مني وأراد أن يأخذ مني حصةً أكبر.

في نزهة تزلج أخرى، قال “عليكِ التوقف وشم الأزهار” قالها على عجل ووضع أنفه بعمق في الزهرة ثم تنشّق، لم تواتني الجرأة لأخبِرَه أنه مجرّد تعبير. لكن بعد ذلك بفترة أصبحت أفعل مثله في أي حال، وبحثنا عن أفضل شجيرات الورد في الحي وتجولنا في الشوارع. لاحظت وجود شجيرات جيدة لم يلاحظها خلف السياج، وتسلّلنا على زلاجاتنا عبر المروج للوصول إليها.

إيما بروكس

هذا المقال مُترجم عن صحيفة The Guardian ولقراءة المقال الأصلي زوروا الرابط التالي.

إقرأ أيضاً