fbpx

هنا القصة الثالثة

فيكين شيتريان - صحافي وكاتب أرمني

فيكين شيتريان - صحافي وكاتب أرمني

مقالات الكاتب

الإيزيديون الذين يسمّون أرمينيا وطنهم

بدأت الثلوج تتساقط ونحن في طريقنا من يريفان إلى ألاكياز، وهي قرية يسكنها الإيزيديون في منطقة أباران، على بعد نحو 65 كيلومتراً من العاصمة الأرمينية. تقع المنطقة على هضبة عالية على ارتفاع 1800 متر من مستوى سطح البحر، ما يجعل الطقس هناك قاسياً، حتى في موسم الربيع. وبدت حالة الطريق سيئة للغاية بمجرد أن تخرج من الطريق السريع الرئيسي، كما لو أنه لم يتم إصلاحه منذ انهيار الاتحاد السوفياتي.

ذهبت لزيارة القرى التي يسكنها الإيزيديون حاملاً في ذهني أسئلة كثيرة: ما رأي أكبر أقلية عرقية دينية في التغيرات التي تحدث في أرمينيا؟ وهل غيرت أي شيء في حياتهم اليومية؟ وكيف أثرت أحداث العنف في الشرق الأوسط، والإبادة الجماعية التي تعرض لها الإيزيديون في العراق فيهم، والنقاش القديم حول هويتهم بوصفهم إيزيديين أم أكراداً؟

يُمثل الإيزيديون الأقلية العرقية الدينية الرئيسية في أرمينيا. ووفقاً لإحصاء عام 2011، فقد عاش 35272 يزيدياً في أرمينيا. إلا أن عددهم تجاوز ذلك بكثير في الإحصاء الأخير خلال الحقبة السوفياتية عام 1989، وبلغ 52700 يزيدي يسكنون أرمينيا. بيد أن الظروف القاسية التي أعقبت انهيار الاتحاد السوفياتي – زلزال عام 1988، والانهيار الاقتصادي، والحرب مع آذربيجان، والحصار التركي المستمر – أجبرت كثيرين منهم على الهجرة. في أرمينيا، 22 مجتمعاً محلياً من الإيزيديين، الذين يعيشون في مناطق أباران وتالين وأرمافير.

يقول جاسم محموديان، رئيس المجتمع المحلي في منطقة ألاكياز، إن ثلث سكان المجتمع المحلي الذي يرأسه – الذي يتكون من 11 قرية – غادروا خلال حقبة التسعينات الصعبة. رحل معظمهم إلى مدينة كراسنودار، التي تقع في منطقة شمال القوقاز الفيدرالية الروسيّة. وأضاف قائلاً: “يسكن قرية نيبيرزاي في كراسنودار الآن مهاجرون من قريتنا، ونطلق عليها اسم نور ألاكياز”. بينما رحل آخرون إلى مدينة تشيليابنسك في سيبيريا.

ثمة ازدهار في بناء المعابد الإيزيدية في جميع أنحاء أرمينيا. أهمها معبد أكناليش – “وهو أكبر معبد إزيدي في العالم”. يمول هذا المعبد ميرزا سلويان، وهو رجل أعمال يزيدي من أصول أرمينية ويقيم في موسكو. ومع ذلك، بالنسبة إلى بوريس موراز، وهو صحافي ورئيس تحرير مجلة على الإنترنت، “لا توجد حياة روحية في تلك المباني. إذ يفتقر الإيزيديون إلى الحياة المجتمعية، وذلك نتيجة لعدم وجود المدارس وغياب الحياة الروحية”. وتابع: “تقتصر الحياة المجتمعية على حفلات الزواج والجنازات”. إلا أنه لا يرى أن ذلك من مسؤولية الدولة الأرمينية، بل ينتقد رجال الأعمال الإيزيديين الأغنياء الذين لا يساهمون في تنمية مجتمعاتهم المحلية. ويقارن ذلك بالأرمن في الشتات، الذين لا يمولون المدارس والصحف ويعززون الثقافة الأرمينية في مجتمعاتهم فحسب، بل يقدمون أيضاً المساعدات الإنسانية والتمويل للمشاريع الإنمائية في أرمينيا نفسها.

انحدار الحياة الثقافية الإيزيدية في أرمينيا أمر مفاجئ. في الماضي كانت أرمينيا السوفياتية مركزاً للثقافة الكردية – الإيزيدية. عندما حُظّر استخدام اللغة الكرمانجية في تركيا، أذاع راديو يريفان برامج باللغة الكردية، وأقامت جامعة يريفان برامج بحثية عن اللغة والتاريخ الكردي، ونشرت الكثير من الكتب والصحف باللغة الكردية. يفسر انهيار الاتحاد السوفياتي وهجرة المفكرين الأكراد والإيزيديين إلى الخارج هذا الانحدار. يقول بوريس موراز إن الإيزيديين بحاجة إلى إصلاح ديني، تماماً كما فعل الشيخ عدي بن مسافر الأموي في القرن الثاني عشر. يحذر قائلاً: “ما لم يحدث ذلك، سيستمر هذا المجتمع في الاحتضار حتى الموت”.

ثمة ازدهار في بناء المعابد الإيزيدية في جميع أنحاء أرمينيا، أهمها معبد أكناليش
“وهو أكبر معبد إزيدي في العالم”

أحيت الأحداث في العراق، وحقيقة انسحاب قوات البيشمركة من سنجار أمام “داعش”، تاركين السكان الإيزيديين تحت رحمة الجهاديين، الخلاف القديم حول إن كان الإيزيديون أكراداً بديانة مختلفة أم أنهم عرق مختلف تماماً؟ في الأزمنة السوفياتية عرفتهم الصحف الرسمية بأنهم يزيديون. في ألاكياز، أجاب الأشخاص الذين استجوبتهم بأنهم رغم ديانتهم الخاصة، إلا أنهم جزء من العرق الكردي. ألا يتحدثون جميعاً اللغة الكرمانجية ذاتها؟ على بعد كيلومترات قليلة، زرت عائلة نصريان في قرية جاميشلو. وهناك أخبرني الابن الأكبر بأنه يعمل مدرساً في مدرسة، يدرس الرياضيات واللغة الإيزيدية. وحين سألته أليست اللغة الإيزيدية هي نفسها الكردية، أجابني قائلاً “أنا أدرس اللغة الإيزيدية، نحن لسنا أكراداً، نحن إيزيديون”.

يستهلك الخلاف القديم حول الهوية طاقة المجتمع، وفقاً لرستم محموديان، وهو عضو سابق بالبرلمان وابن جاسم محموديان. واليوم بحسب رستم يتخذ خلاف الهوية أشكالاً ثلاثة، بين من يقولون “نحن يزيديون”، ومن يقولون “نحن أكراد”، ومن يقولون “نحن يزيديون أكراد”. أضاف قائلاً: “الإيزيدية موجودة، لكن لا يجب اللجوء إليها هوية ضد الأكراد”.

وبفضل جهود رستم محموديان وأفراد آخرين من المجتمع الإيزيدي، تبنى البرلمان الأرميني قراراً في 16 كانون الثاني/ يناير 2018، يقر بأن أحداث سنجار عام 2014 كانت “إبادة جماعية”. يقول رستم “أعتبر الإبادة ضد الإيزيديين ناتجة عن عدم الاعتراف الدولي بمذابح الأرمن. لو حصلت مذابح 1915 على الاعتراف، لكان المجتمع الدولي قد فعل آليات تمنع المذابح المستقبلية. ولمنع ذلك المذبحة ضد الإيزيديين”.

حين سألت جاسم محموديان عما إذا كان ذهب إلى العراق بهدف زيارة الأماكن المقدسة للإيزيديين في لالش، أجاب بالنفي. هزت الأحداث المأساوية التي وقعت في سنجار أركان المجتمع الإيزيدي بأسره، ولذا وجدت بعض العائلات ملجأً موقتاً في أرمينيا، لكنها بقيت تسعى للوصول إلى وجهات أوروبية أخرى. فمن قرية ألاكياز بدت العراق بعيدة جداً بالفعل.

يقول بوريس موراز إنه أي متطوع  إيزيدي واحد لم يذهب من أرمينيا إلى العراق بعد أحداث سنجار عام 2014، لكنه أضاف أنه بعد حرب نيسان/ أبريل 2016، (في أعقاب هجوم آذربيجان على جبهة كارباخ) تطوع عدد كبير من الشباب الإيزيديين للانضمام للقوات المسلحة الأرمينية.

وبدت أحداث عام 2018 في أرمينيا – الثورة المخملية – بعيدة للغاية. قال أحد القرويين المشاركين في الحوار “الوضع الاقتصادي معقد للغاية”، واشتكى من ارتفاع أسعار السلع الأساسية. ومع ذلك يبدو أن الهجرة إلى الخارج التي تزايدت في حقبة التسعينات، قد توقفت. معظم العائلات التي تحدثت إليها قالت إن أسلافها هاجروا من منطقة كارس التي تقع الآن في تركيا، خلال الحرب العالمية الأولى. قال جاسم محموديان: “نتمتع بأحوال جيدة في أرمينيا”. ومثل جميع الإيزيديين يشعر بفخر كبير بثقافة شعبه. “حافظنا على ديننا الوثني القديم، وجذور شعبنا عميقة للغاية”.

عندما سألت عن التمييز الذي قد يتعرض له الإيزيديون في أرمينيا، أجابني بوريس موراز قائلاً “هناك تمييز في المدارس، حيث تعد دروس الكنيسة الأرمينية إلزامية على جميع الطلاب”. ويعتقد أنه من الصواب أن يُمنح الطلاب حرية اختيار الدروس الدينية التي يتلقونها، بما في ذلك الدين الإيزيدي.

وحين سألت: “ما الذي تغير في أرمينيا في ما يخص الإيزيديين؟” أجابني رستم محموديان “لا شيء”، بينما قال بوريس موراز، “لا يزال الممثل الرسمي للأقليات العرقية، فاردان أستاريان، من أصول أرمنية”.

 

إعادة اكتشاف تاريخ الثوّار الأرمن سينمائياً

 

نساء من سنجار: يواصلون سبْيَنا

إقرأ أيضاً