fbpx

هنا القصة الثالثة

مهند الحاج علي وحازم الأمين - صحافيان من لبنان

مهند الحاج علي وحازم الأمين - صحافيان من لبنان

مقالات الكاتب

الإهانة التي ألحقها بنا نقيبنا

نقيب المحررين جوزيف القصيفي متحدثا أمام الصحافيين في ساحة الشهداء

لا يجد الصحافي إلا كلمة “الإهانة” في وصف تصريح نقيب المحررين اللبنانيين جوزيف قصيفي، في اعتصام نظمه “انتصاراً للمهنة” كما قال. “تلازمون السياسيين 24 ساعة على 24، وتتولون تغطية أخبارهم وتتفانون بخدمتهم، وهم لا يعبأون بمشكلاتنا ومعاناتنا. ولم نحصل من المسؤولين إلا على معسول الكلام، والإشادة بدور الإعلام، فيما أهله على قارعة الطريق. قولوا لهم: كونوا معنا وانتصروا لحقنا، ولا نطلب منكم إلا الأفعال، فإذا خذلتمونا، فإنما تخذلون أنفسكم”. لم يبتعد قصيفي كثيراً من فهمه المهنة ودورها في المجتمع، ذلك أنها بالنسبة إليه لا تتحدى السياسي، بل تفني نفسها في خدمته طوال النهار والليل، تماماً مثل خدمة الغرف في الفنادق. لو أراد السياسي اللبناني اليوم عقد مؤتمر صحافي لإطلاق اتهامات أو أكاذيب، ما عليه إلا رن الجرس ليُسارع صحافيو قصيفي إلى التفاني في نقل الخبر كما هو، من دون تحدٍّ. 

الغريب أن قصيفي قال ما قاله عن تفاني الصحافيين في خدمة السياسيين، خلال اعتصامٍ لصحافيين محتجين على أحوال المهنة، ولم ينتبه أحد منهم إلى حقيقة أن أزمة الصحافة بدأت من هنا، أي من حقيقة هذا الانحراف الهائل في وظيفتها. فهي بدل أن تكون رقيباً على السياسيين وعلى أدائهم صارت بخدمتهم. هذا ما قاله حرفياً نقيبنا، وهذا ما لم يثر بالصحافيين الحاضرين أي انزعاج. 

والصحافة كما يدرسها طلاب كليات الإعلام، ليست سوى نشر ما لا يريده الآخرون مطبوعاً، وكل ما سوى ذلك علاقات عامة. مهمة الصحافي أن يتحدى السياسي في الشأن العام، وهو في ذلك يعمل للمصلحة العامة، أي الناس. ذاك أن بين الناس والسياسيين عقداً اجتماعياً تنقصه الثقة والشفافية، ويتطلب الحفاظ عليه قدراً من المعلومات عن أداء الدولة في إدارة شؤون الناس، وتحديداً عند التقصير. مهمة الصحافيين إطلاع الناس على خبايا السياسة والشأن العام، لزرع وعي أعمق. لذا فإن انتقال الصحافي من أداء هذه المهمة، الى التفاني في خدمة السياسي، ينطوي على خلل بنيوي في توازن البلد، وهو ما نراه ونشعر به باستمرار. 

 

النقيب لم يكذب يوم أمس. والمهنة التي يتفانى أصحابها في خدمة السياسي ونشر أخباره تموت. لكن الأرجح أن النقابة التي تفني نفسها في زيارة السياسيين والإشادة بهم ستبقى حيّة وهذا المهم.

 

ثمة إهانة علينا أن نشعر بها، وأن ننتفض لقيم مهنتنا ولكرامتنا. لكن الذهول الذي لم يصاحب تصريحات النقيب يقول الكثير، إنما الأهم أنه يقول إن المهنة المهددة في هذه الأيام بقرارات الإقفال والذواء والتهميش، هذه هي حالها لأن ليس في أدائها ما يدافع عنها. وسائل الإعلام يملكها سياسيون ويوظفونها في مشاريعهم الطائفية وفي فسادهم من دون أن يواجَهوا بأي مقاومة. هذا هو مصدر التهديد الرئيسي للمهنة يا نقيب المحررين.    

والحقيقة أن قصيفي وقبله النقيبان الياس عون وملحم كرم، غرزوا هذه الثقافة في المهنة والنقابة أيضاً، أي ثقافة تحويل مهمة الصحافة من موقعها الرقابي إلى موقع خدماتي. زيارة السياسيين ومعايدتهم دوماً في صلب نشاطاتهم. يجولون على كل سياسي ومسؤول لبناني، ويطلقون بيانات التأييد والإشادة، ومن دون مقابل للمهنة التي تزداد اهتراء مع إقفال مؤسسة تلو الأخرى. من هنا، يُحذر نقيب المحررين السياسيين اليوم بأنهم إذا خذلوا الصحافيين “فإنما تخذلون أنفسكم”.

و”الدار” المهيمن على النقابة، يُشبه حال الصحافة والسياسة الأوليغارشية في لبنان، إذ مات مؤسسه ولم يعد يُصدر أي مطبوعة، بل بات عبارة عن شبكة أفراد تُعيد تدوير النقباء في الحازمية. استراتيجية الاستمرار في الهيمنة على النقابة، ترسو على السيطرة على جدول الأعضاء الذي يفتح أبوابه كل نصف قرن لإدخال الصحافيين. كانت آخر مرة دخل فيها عدد معتبر من الصحافيين، بعيد وفاة النقيب السابق ملحم كرم، وما عليكم الا مراجعة قائمة الأسماء الجديدة لتعرفوا كم كان مُحكماً هذا الإغلاق. أمضى كرم 50 عاماً نقيباً مر فيها 11 رئيساً أميركياً من دوايت أيزنهاور إلى باراك أوباما، ولم يفتح الجدول. 

وحال نقابة الصحافة ليست أفضل، إذ يضم مجلسها مالكون لرخص صحف خرجت عن الطباعة، ومات مؤسسوها وأصحابها والعاملون فيها، وصارت نُسخها من النوادر في الأرشيف الوطني.

النقيب لم يكذب يوم أمس. والمهنة التي يتفانى أصحابها في خدمة السياسي ونشر أخباره تموت. لكن الأرجح أن النقابة التي تفني نفسها في زيارة السياسيين والإشادة بهم ستبقى حيّة وهذا المهم.

خطاب الكراهية اللبنانية طوق حول رقبة اللاجئين 

 

 

 

إقرأ أيضاً