fbpx

هنا القصة الثالثة

ترجمة - new republic

ترجمة - new republic

مقالات الكاتب

الإعدام شنقاً من أجل شربة ماء

“المطالبة بالعفو أو إسقاط حكم الإدانة عن آسيا بيبي، التي اعترفت بالتجديف وازدراء الإسلام، يُعتبر تجديفاً في حد ذاته وهو جريمة ضد الإسلام والدستور الباكستاني”، هكذا ذكرت المنشورات التي وزعها حزب (تحريك لبيك-باكستان) -الإسلامي المتشدد- خلال احتشاده في أنحاء باكستان الأسبوع الماضي.

هدد (تحريك لبيك- باكستان) بشل البلاد بالاحتجاجات، إذا برأت المحكمة العليا في باكستان بيبي- وهي أم لخمسة أطفال- كما أرسل أنصاره إلى جميع المناطق الرئيسية في البلاد.

وفقاً لقوانين إثبات الأدلة وإجراءات المحاكمة المتبعة في البلاد، ينبغي إطلاق سراح آسيا بيبي والإفراج عنها بدلاً من تنفيذ الحكم الصادر بحقها بالإعدام منذ عام 2010، بسبب نزاع نشب حول كوب ماء. تشتمل القضية على ثغرات قانونية في أدلة الإثبات، فضلاً عن انتهاك أصول المحاكمات المتبعة في البلاد (الإجراءات القانونية المتبعة) وتزييف الوقائع.

ومع تحويل القضية إلى المحكمة العليا في باكستان، أصبحت رمزاً لكيفية مساهمة الكراهية طويلة الأمد والتشريعات المُبهمة في التمكين من اضطهاد الأقليات.

تعود وقائع هذه القضية إلى قرية “إيتان ولي” الصغيرة الواقعة في منطقة تعرف باسم “ننكانه صاحب”، التي تبعد من مدينة لاهور الباكستانية بنحو 30 ميلاً. ففي ظهيرة يوم 14 حزيران/ يونيو عام 2009، نشب شجار عنيف بين أربع نساء يعملن معاً في الحقول بسبب كوب ماء، إذ زعمت الرواية بأن آسيا بيبي، المسيحية الوحيدة بينهن، انتزعت كوب الماء المشترك وشربت منه قبل الثلاثة الأخريات.

زعمت السيدات الأخريات، أن بيبي “نجست” كوب الماء، وأنه كان من المفترض أن يُسمَح لهن بالشرب أولاً، لتتصاعد حدة الشجار لاحقاً وتتجمع عاملات أخريات في الحقل.

وسردت ابنة بيبي خلال مقابلة أجرتها مع البرنامج الإذاعي BBC News hour، كيف ركضت لتحضر والدها لينقذ والدتها، لكنهما لم يجداها عند عودتهما، إذ كانت بيبي قد أُخذت بالفعل، وفي غضون أيام، رُفعت ضدها قضية تتهمها بالتجديف والإساءة للأديان بواسطة رجل الدين الخاص بالقرية، زاعماً أنها (بيبي) اعترفت بارتكابها هذه الجريمة.

زوج آسيا بيبي وابنتها

وتعد مسألة طهارة شرب الماء من بقايا التراث الطبقي الهندوسي، الذي ظل في المنطقة حتى بعدما تحول معظم السكان إلى الإسلام منذ أكثر من مئة عام. وتستمر معاملة المسيحيين -الذين يسود اعتقاد بأنهم من غيروا دينهم من الطبقات الدنيا من الهندوسيين- بصفتهم أشخاصاً منبوذين في أجزاء من باكستان.

ترى الطبقات العليا من الهندوسيين أن استخدام أحد أفراد الطبقات الدنيا الأواني ذاتها التي يستخدمونها، يلوثها أو يدنسها. وعلى ما يبدو، فقد اتبعت العاملات في الحقل مع بيبي في ذلك اليوم المشؤوم من شهر حزيران، هذا المفهوم الطبقي ذاته.
بدت القضية وكأنها صُنعت وفق هوى الأحزاب المتشددة، التي تسعى إلى تعبئة المجتمعات ضد الأقليات الدينية، إذ رُفعَت قضايا مماثلة بتهمة التجديف والإساءة للأديان ضد مسلمين من الشيعة، إضافة إلى أفراد من طوائف الأحمدية.

تتحول باكستان سريعاً من بيئة ريفية في معظمها إلى بيئة أكثر حضرية، ومع التقلب المستمر للنظام الطبقي والمكانة الاجتماعية، يبدو التشبث ببعض التميز الخيالي القائم على أساس الدين مفهوماً جذاباً، حتى لو كان يمنح فقط امتياز الشرب من كوب الماء قبل شخص من الديانة المسيحية.
تعرض قانون التجديف لكثير من الانتقادات حتى من قبل العلماء المسلمين، الذين أشاروا إلى غموض نصه، إلا أن القانون أصبح القضية الرئيسية للمجموعات المتشددة التي تعارض أي تغيير يرونه إضعافاً للطبيعة الإسلامية للدولة الباكستانية.

نصَّب أعضاء حزب (تحريك لبيك- باكستان)- أنفسهم رقباء وحراس، لحماية البلاد من المُجدفين (المتهمين بالتجديف). ففي حادث آخر وقع قبل أشهر، نظم أعضاء الحزب اعتصاماً في أحد التقاطعات الرئيسية في العاصمة الباكستانية إسلام أباد، تسبب في شل حركة المرور لأشهر، رداً على حذف الحكومة خلسة اسم النبي محمد من نص أداء اليمين الدستورية، لتستسلم الحكومة لاحقاً بقولها إن اليمين المعدلة كانت عبارة عن “خطأ”.
بدا جلياً مدى تأثر الحكومة الباكستانية الجديدة -التي تولت مهماتها بعد الانتخابات في هذا الصيف- بالضغوط الإسلامية المتشددة، فمنذ ما يزيد على شهر بقليل، أقال رئيس الوزراء عمران خان، عاطف ميان، أستاذ الاقتصاد والعلوم السياسية والعامة بجامعة “برينستون” الأميركية من مجلسه الاستشاري الاقتصادي؛ لانتمائه إلى طائفة الأحمدية، التي تؤمن بأن سلسلة الأنبياء لم تنتهِ بالنبي محمد.

يأتي ذلك فيما تحتاج باكستان حاجة ماسة إلى خبرة ميان في مجال إعادة هيكلة الديون وقروض الائتمان، في وقت تضغط فيه البلاد للحصول على قرض الإنقاذ من صندوق النقد الدولي، إلا أن خان، الذي أعرب بالفعل عن دعمه قانون التجديف، أثناء سعيه إلى كسب ود الإسلاميين خلال حملته الانتخابية، أقال ميان من منصبه.

ومع التأييد المتزايد من عامة الشعب لعقوبة الإعدام، وتهليلهم لاستئنافها بعد تعليق دام سبع سنوات وانتهى عام 2015، ورئيس وزراء مدين لأولئك الذين يريدون موتها تحديداً، ليس أمام آسيا بيبي سوى تعليق آمالها على المحكمة العليا نفسها.
تعرض المحامون والقضاة جميعاً لترهيب المتشددين، الذين يهددونهم ويصرون على وصف أولئك الذين يريدون تبرئة ساحة آسيا بيبي أنفسهم بالمُجدفين.

استمع قضاة المحكمة الثلاثة الذين ينظرون في قضية بيبي إلى أقوال الجانبين في 8 تشرين الأول/ أكتوبر، وعلى رغم من الاهتمام الذي أبداه القضاة بتناقض تضارب أقوال الشهود مع بعضهم بعضاً، فضلاً عن غياب رجل الدين الذي اتهمها بالتجديف عن المشاجرة، فلم تظهر سوى أدلة قليلة للإشارة إلى الجانب الذي ستميل إليه المحكمة.

ومع نهاية إجراءات المحاكمة، أرجأت هيئة المحكمة النطق بالحكم، وحظرت على وسائل الإعلام الباكستانية مناقشة القضية، وهو ما التزمت به معظمها في الأيام الأخيرة.

وبعيداً من التهديد بإشعال فتيل الاحتجاجات، فهناك ظلال أكثر قتامة تخيم على سير الإجراءات القانونية. إذ لقي اثنان من السياسيين -حاكم البنجاب السابق سلمان تيسير، ووزير الأقليات شهباز بهاتي- مصرعهما بطلق ناري عام 2011 بسبب تأييدهما براءة آسيا بيبي.

أصدرت المحكمة العليا أحكاماً جريئة من قبل، من بينها على سبيل المثال، الحكم الصادر عام 2017، الذي أنهى ولاية رئاسة الوزراء نواز شريف، ليُدان لاحقاً بالفساد. ويسود حالياً قلق حقيقي في باكستان بشأن رد الفعل الدولي على تنفيذ عقوبة الإعدام بحق امرأة بسبب نزاع حول كوب ماء.
ربما تكون قضية آسيا بيبي قد بدأت باعتبارها مزيجاً مروعاً من الطبقية والطائفية والاضطهاد الديني، لكنها سرعان ما تحولت إلى قصة تتعلق بالتمييز الجنسي أيضاً، لا سيما أن معظم- إن لم يكن أغلب- أعضاء حزب (تحريك لبيك- باكستان) هم من الرجال، بزعامة قائدهم خادم رضوى.

تمثل قضية آسيا بيبي القضية الأولى من نوعها على الإطلاق التي تنظر في الحكم على امرأة بالإعدام، في وقت تكمن السلطة حالياً في أيدي جميع أعضاء المحكمة العليا -الذكور- الذين نظروا في قضيتها، واستمعوا إلى ما قدمه المحاميان من أدلة وحجج قانونية.

أظهرت المحكمة العليا في باكستان قدرتها على الوقوف في وجه السياسيين. وتبدو الآن الفرصة مواتية لها لإظهار قدرتها على الصمود أمام الغوغاء، والأحكام المسبقة المتحيزة المترسخة التي تحركهم. فالقضية في صُلبها- بكل بساطة- تتمثل في امرأة وعدد كبير من الناس الذين يريدون موتها.

رافيا زكريا

هذا المقال مترجم عن موقع New Republic ولقراءة المقال الأصلي زوروا الرابط التالي

إقرأ أيضاً:
أسبوعين أو أقل في باكستان: ليست بلاد حروب
من الإعدام على الملأ إلى القتل في غرف مغلقة: سلب الحياة في إيران

إقرأ أيضاً