fbpx

هنا القصة الثالثة

درج

مقالات الكاتب

الأوروبيّون الجدد: المسلمون في فرنسا وبريطانيا

كان من آثار الهزيمة التي مني بها تنظيم الدولة في العراق وسوريّا أنّ الكثيرين ممّن يُقدّر عددهم بما بين خمسة وستّة آلاف أوروبيّ، ممّن ذهبوا إلى بلاد ما بين النهرين كي يقاتلوا، أو كي يعيشوا في ظلّ ما يُسمّى الخلافة، إنّما يعودون الآن إلى أوطانهم. وتبعاً للسياسات المتّبعة في بلدانهم، فإنّهم قد يُسجنون، وقد يتعرّضون للمراقبة، أو يتمّ إخضاعهم لبرامج إعادة تأهيل (فرنسا هي الأقسى، والدانمرك بين الدول الأكثر تفهّماً). ما من أحد يعرف حجم التهديد الذي يمثّله هؤلاء العائدون. هم قد يتوبون ويُبدون الاستعداد كي يصبحوا مواطنين مطيعين للقانون، وقد يخطّطون لعمليّات انتقاميّة.

وبمعزل عن الانتكاسات التي عاناها تنظيم الدولة في ساحات المعركة، فإنّ لائحة الارتكابات التي اقترفها الجهاديّون المسلمون على الأرض الأوروبيّة لا تزال تكبر. فمن سلسلة هجمات بالقنابل والشاحنات والسكاكين في بريطانيا مطالع 2017، وقد حصد أسوأها 22 ضحيّة أثناء حفل موسيقيّ في حلبة مانشستر، إلى العمليّات الأحدث عهداً في أسبانيا وفرنسا، بات واضحاً أنّ شهيّة عدد ضئيل من المسلمين لقتل الكفّار لم تخْفُت.

ومع أنّ العمليّات الإرهابيّة في أوروبا تمضي في جذب الكثير من الاهتمام، فإنّها لم تعد تسيطر على الأخبار كما كانت في 2014 و2015 حين كانت تتمتّع بجِدّة مرعبة. فقد تأكّد مرّة بعد مرّة أنّ في وسع الإرهابيّين أن يخلقوا ذعراً محلّيّاً لكنّه لن يكون واسع الانتشار. وقد أطلق السير جيريمي غرينستوك، الرئيس السابق للجنة مكافحة الإرهاب التابعة للأمم المتّحدة، وصفاً وافياً على الإرهاب الإسلاميّ حين قال إنّه “إزعاج قاتل”. مع هذا، فإنّ ذاك الإزعاج أحدث بعض التقدّم في بلوغ ما يؤكّد عليه العالم الاجتماعيّ الفرنسيّ جيل كيبيل، أحد أبرز المراجع الأوروبيّين في النضاليّة الإسلاميّة، بوصفه الهدف من وراء نقل الجهاد إلى أوروبا: خلق “عطب” لا يلتئم في العلاقة بين مسلمي أوروبا وغير المسلمين فيها. فبحسب كيبيل، انتقل الجهاديّون، بعد انخراطهم في الحرب المقدّسة ضدّ السوفيات في أفغانستان، إلى “الخارج القريب” (البوسنة والجزائر ومصر) قبل أن يحطّوا في الغرب نفسه: أوّلاً، وبالشكل الأشدّ دراميّة، في الولايات المتّحدة، ومنذ 2012 في أوروبا الغربيّة، عبر حملة من الهجمات التي شنّتها خلايا صغيرة وأفرادٌ هم، غالباً، من “أبناء البلد”.

هذا العطب، الذي طال الشوق إلى إحداثه، هو ما أعطى كيبيل عنوان الطبعة الأخيرة من أدبيّاته الموسّعة حول الموضوع: “العطب”، والذي نُشر بعد أشهر قليلة على ظهور اسم مؤلّفه ضمن قائمة ضمّت سبعة أسماء عامّة، كان المجرم الجهاديّ لعروسي عبالله ينوي قتلهم (عبالله قتلته الشرطة في حزيران/ يونيو 2016 بعد قتله ضابط شرطة وزوجته). وبدوره استفزّ كيبيل الجهاديّين في مقابلة أجرتها معه “نيويورك تايمز” في نيسان (إبريل) 2017 إذ قال: “إذا أرادوا أن يقتلوني فليقتلوني”.

 

من دون شكّ يقدّم الكثيرون من الأوروبيّين ذوي الخلفيّة المسلمة إسهامات لحياة الأمم التي تبنّتهم، وهم غالباً ما يفعلون ذلك فيما يحتفظون بعناصر من معتقدهم وثقافتهم. لكنْ مع كلّ هجوم جهاديّ، تتراجع صدقيّة المعادلة التي كثيراً ما تتردّد من أنّ الإسلام دين سلام شوّهته أقليّة معزولة.

 

وبالقياس إلى هجمات نفّذها غير مسلمين، كستيفن بادّوك، الذي قتل 58 شخصاً في حفل موسيقيّ بلاس فيغاس في 1 تشرين الأوّل (أكتوبر) 2017، فإنّ الهجمات الجهاديّة خلّفت مضاعفات على الجماعات والتقاليد التي شجّعتهم على فعل ما فعلوه. فكلّ ارتكاب يزيد بأضعافٍ مخيفة ما يخضع له المسلمون في الغرب من عدم الثقة والرقابة والتدخّل. ففي الشهر الذي تلا تفجير الحلبة، سجّلت شرطة مانشستر 224 حادثة ضدّ مسلمين، مقارنة بـ 37 حادثة في الشهر نفسه قبل عام. وفي 19 حزيران 2017، حين زجّ البريطانيّ الأبيض شاحنته الصغيرة وسط مجموعة من المسلمين، شمال لندن، ما أدّى إلى مقتل شخص واحد، شعر كثيرون من البريطانيّين، بمن فيهم أشخاص تحدّثتُ إليهم، أنّ المسلمين يستحقّون ذلك. هذا ما عناه كيبيل بالعطب: فالجهاديّة تتسبّب بردّة فعل “ضدّ المسلمين كلّهم”، فيما السياسيّون الشعبويّون “يشيرون بإصبعهم إلى المهاجرين أو “الإسلام” “.

من دون شكّ يقدّم الكثيرون من الأوروبيّين ذوي الخلفيّة المسلمة إسهامات لحياة الأمم التي تبنّتهم، وهم غالباً ما يفعلون ذلك فيما يحتفظون بعناصر من معتقدهم وثقافتهم. لكنْ مع كلّ هجوم جهاديّ، تتراجع صدقيّة المعادلة التي كثيراً ما تتردّد من أنّ الإسلام دين سلام شوّهته أقليّة معزولة. هذا ما تسنّى لي أن أواجهه بعد أيّام قليلة على هجوم شمال لندن، بينما كنت أستمع إلى محاورة تبثّها إذاعة شعبيّة بين المضيف نِك فيرّاري وخولة حسن، العضو النسويّ البارز في أحد مجالس الشريعة ببريطانيا (هذه المجالس تصرف معظم وقتها في فضّ زيجات غير سعيدة عُقدت بموجب الشريعة الإسلاميّة وانتُقدت بوصفها تعتدي على وظائف الدولة).

المحادثة بدأت بإدانة حسن لتنظيم الدولة بوصفه “عبادة للموت تدّعي أنّها طلعت من داخل الإيمان المسلم”، ومضت قائلة إنّ ارتباط الجهاديّين بالإسلام شديد الانتهازيّة بحيث أنّ [أولئك] القتلة بالجملة الذين يهتاجون لدى هتافهم [كلمة] “الله”، كان يمكنهم ببساطة أن يصرخوا “بوذا” أو “يسوع” “. هنا تدخّل فيرّاري ببرودة خبيثة: “ذكّريني بآخر مرّة أقدمت فيها جماعة من المسيحيّين… على تفجير أطفال يخرجون من حفل غنائيّ، لأنّني لا بدّ كنتُ غائباً في ذاك اليوم”، ثمّ مضى يقول إنّ “ثمّة شيئاً يتعلّق بالإيمان” هو الذي يتسبّب بالمشاكل الراهنة. “هذه هي المسألة كلّها”، أجابت حسن بامتعاض واضح، “فالأمر لا يتعلّق بالإيمان” قالت، قبل أن ينقطع الخطّ التليفونيّ على نحو غامض، بل ذي دلالة رمزيّة.

ووفقاً لاستقصاء للرأي العامّ أجرته صحيفة “لو فيغارو” [الفرنسيّة] في نيسان 2016، فإنّ 63 بالمئة من الفرنسيّين يعتقدون بأنّ الإسلام يحظى بالكثير من “النفوذ والمرئيّة” في فرنسا، فيما كانت النسبة 55 بالمئة في 2010. أمّا الذين اعتبروا وجود الجماعة المسلمة “تهديداً” فارتفعوا من 43 إلى 47 بالمئة. وفي بريطانيا أجري استقصاء آخر في الفترة نفسها تقريباً فوجد أنّ 43 بالمئة من البريطانيّين يعتبرون أنّ الإسلام “قوّة سلبيّة في المملكة المتّحدة”. وبحسب ما أخبرني به ناشط في الجماعة المسلمة في [مدينة] ليدز، فإنّ كثيرين من المسلمين البريطانيّين قضوا ساعات بعد مذبحة لاس فيغاس “يصلّون أن لا يكون المرتكب مسلماً”. فهو لو كان كذلك فإنّ الأمر سيقود إلى ردود أونلاين بالغة الغضب، فضلاً عمّا هو مألوف في الشوارع من أعمال نزع الحجاب بالقوّة وتوجيه الشتائم، هذا إن لم تظهر تهديدات جسمانيّة فعليّة.

لقد أصبح اندماج المسلمين في أوروبا مسألة سياسيّة في الثمانينات. ففي بريطانيا، شرع المسلمون ينشقّون عن الجماعة السوداء، وتطوّر التوتّر بين الجماعتين. وفي فرنسا، اجتمعت سنوات من الإهمال الحكوميّ والشعبيّة التي اكتسبتها الأفكار السلفيّة من خلال الجهاد في أفغانستان لتحطّم ذاك الافتراض القديم والمثير للاطمئنان من أنّ مهاجري البلد من شمال أفريقيا هم حتميّاً اشتراكيّون وعلمانيّون.

وكانت السيطرة الثقافيّة الفرنسيّة

(dirigisme)  

والتعدّديّة الثقافيّة البريطانيّة، وهما مقاربتا البلدين لاندماج المهاجرين، الامتدادين المنطقيّين لنظرتيهما المتعارضتين للإمبراطوريّة (رسالة فرنسا التمدينيّة مقابل “دعه يمرّ” البريطانيّة)، وهذا ما شحذه، في حالة بريطانيا، مبدأ التنوّع الكامن في مُجمّع المملكة المتّحدة (وبدورها تبنّت ألمانيا خليطاً قلقاً من المقاربتين). فحين انفجرت الضواحي الفرنسيّة بالشغب في 2005، ثمّ حين ضرب الإرهاب الجهاديّ فرنسا في كانون الثاني (يناير) 2015، ردّ كثيرون من البريطانيّين مشكلات فرنسا إلى سياستها غير الحكيمة القائمة على إجبار المهاجرين الشمال أفريقيّين على تبنّي مظاهر الثقافة الفرنسيّة كلّها، بما في ذلك توقير اللغة الفرنسيّة والإيديولوجيا العلمانيّة والجمهوريّة.

في المقابل، سمح البريطانيّون للجماعات المختلفة بأن تحافظ على مواصفاتها المتنوّعة فيما كانوا يُغرونها برموز كالبرلمان والتاج. ولم تستطع حتّى تفجيرات لندن في 2005، حين قُتل 52 شخصاً، تدمير هذه المقاربة المتفائلة. وقد عاد ذلك جزئيّاً إلى أنّ الفجوة الزمنيّة التي دامت ثماني سنوات قبل حصول الهجوم الجهاديّ الثاني شجّعت البريطانيّين على الظنّ بأنّ ذاك الانفجار كان استثناء غير طبيعيّ.

وبالعودة إلى 1975، فإنّ الذين وضعوا وثيقة حكوميّة بريطانيّة حول التعليم جادلوا بأنّه “لا يُتَوقّع في أيّ ولد أن يتخلّى عن لغة بيته وثقافته بمجرّد انتقاله إلى المدرسة”، وهنا كان يكمن جوهر التعدّديّة الثقافيّة التي رأت الحكومة، عملاً بها، أنّ لا فائدة في إضعاف روابط الجماعة والتقاليد التي تربط بين المواطنين من أصل أجنبيّ. على العكس، ينبغي تشجيع هؤلاء على ما وصفه المجلس البلديّ للندن الكبرى بـ “التعبير عن هويّاتهم، واكتشاف تواريخهم، وصياغة قيمهم، واتّباع طرقهم في الحياة”.

وكان التعليم والسكن العامّ المجالين اللذين حقّقت فيهما التعدّديّة الثقافيّة اختراقات جدّيّة. وفي حالات كثيرة، لم يُبذَل أيّ جهد لإضعاف تجانس الجماعات المهاجرة، ما أدّى إلى نشأة مناطق أحاديّة الثقافة، كما هي حال “الواحات المسلمة في شرق [مدينة] برمنغهام”، وفق تعبير جيمس فيرغِسّون في كتابه “الـ بريطانيا، بلدي”، وهو المسح الجديد والبالغ التعاطف مع المسلمين البريطانيّين. أمّا المدارس هناك فشُجّعت على الاعتراف بتواريخ وثقافات “الوطن الذي جئنا منه”. وبنتيجة البرنامج البريطانيّ للتعدّديّة الثقافيّة، حيث حُضّت الجماعات على تمثيل نفسها، وكان هذا يشبه إلى حدّ ما طريقة الحكم الإنكليزيّ للهند، حظيت المناطق ذات الأكثريّة المسلمة بمسلمين باتوا رؤساء مجالس ومحافظين وأعضاء في البرلمان بنسبة أعلى كثيراً ممّا عرفته فرنسا.

فـ [مدينة] برادفورد، في غرب منطقة يوركشاير، وهي سابقاً واحدة من بلدات عديدة في إنكلترا عُرفت بصناعتها المعمليّة، أعطت للتعدّديّة الثقافيّة في أكثر أشكالها خلافيّةً تجسيدها. والحال أنّ مسلمي بريطانيا لا يعيشون كلّهم في جماعات مُسوّرة حيال الخارج. فمسلمو شرق لندن وليستِر شديدو التداخل مع وافدين آخرين من أديان مختلفة. لكنّ أجزاء من برادفورد، في الشوارغ الضيّقة الصغيرة حول أتّوك بارك مثلاً، حيث تلبس النساء الجلباب الباكستانيّ، هي أحاديّة ثقافيّاً على نحو عاصٍ. وتهيمن على الجماعة المسلمة في برادفورد، والتي تعدّ 130 ألفاً على الأقلّ، عائلات قدمت من منطقة بعينها في باكستان، هي كشمير الإداريّة، والكثيرون من هؤلاء هاجروا في الستينات. السماء هناك مُنقّطة بمنائر تعود إلى 125 جامعاً، كما أنّ أنظمة المدينة في ما خصّ التعليم والبِرّ والتجارة (ناهيك عن الزواج والطلاق) إنّما شكّلتها مواقف الجماعة التي تتّصف بوثوق علاقاتها ومحافظتها الشديدة. ولئن ضربتها الجريمة المتّصلة بالفقر والمخدّرات، إلاّ أنّني سمعت مرّة بعد مرّة إبّان زياراتي الأخيرة إلى المدينة أنّها كانت لتكون أسوأ كثيراً لولا تجانسها وأخلاقها في التعاون وإيمانها بإله هو في آن معاً رحيم ويحاسب.

 

فأن تكون مسلماً يعني أن تبقى تحت الشكّ، وأن يُقلّل من شأنك، وأن تُبوّب، وما هو أسوأ.

 

في السنوات الأخيرة ضعف التشجيع الإنكليزيّ للتعدّديّة الثقافيّة ردّاً على الهجمات الإرهابيّة وعلى زيادة متسارعة في تعداد المسلمين الذي تضاعف منذ 2000 ليغدو أكثر من ثلاثة ملايين. في 2020، نصف سكّان برادفورد، وهي فضلاً عن كونها إحدى أكثر مدن البلد إسلاميّة من أعلاها إنجاباً، سيكونون دون العشرين. واستجابةً لهذا التحوّل الديموغرافيّ وللخوف من الإرهاب، أقامت بريطانيا، في ظلّ ديفيد كاميرون ثمّ تيريزا ماي بعده، جنازة شديدة العلنيّة لسياسات التعدّديّة الثقافيّة، وهو تحوّل يبدو بالغ التساوق مع النوازع الدفاعيّة التي جعلت خيار بريكزيت يحظى بأغلبيّة صغرى من المقترعين (وقد أُخبرتُ في برادفورد بأنّ كثيرين من سكّان المدينة المسلمين صوّتوا أيضاً لبريكزيت، كي يُظهروا انزعاجهم من المهاجرين البولنديّين والغجر الذين وفدوا مؤخّراً). وجاءت ردّة فعل ماي على الهجوم الإرهابيّ على جسر لندن في حزيران 2017  شديد النمطيّة في تعبيرها عن مغادرة مبدأ مقدّس، حيث طالبت أن يعيش الشعب “لا في سلسلة جماعات منفصلة ومعزولة، بل كمملكة متّحدة واحدة بحقّ”. وسيكون من العناصر المركزيّة في السياسة الحكوميّة لمكافحة التطرّف تطوير قيم “بريطانيّة” كالديمقراطيّة وحكم القانون والحرّيّة الفرديّة والتسامح.

لقد كان ممّا أورده تقرير 1975 الحكوميّ أنّ أمّهات بعض التلاميذ في المدارس البريطانيّة قد يعشن “وراء عازل [عن الرجال] وقد لا يتحدّثن الإنكليزيّة”، وقد وردت هذه العبارة بحياديّة من دون أيّ اقتراح بأنّ شيئاً كهذا يمثّل تهديداً للدولة المدنيّة. أمّا في يومنا هذا، فعبارة كهذه قد تصلح برهاناً على صدّ الجماعات لطريقة الحياة البريطانيّة، ومعها قيم التحرّر وتحقيق الذات الفرديّة ممّا تتمسّك به وترفعه الثقافة البريطانيّة الرسميّة. فالغيتّو، كما تمضي هذه الطريقة [الجديدة] في التفكير، هو الخطوة الأولى في الرحلة إلى التطرّف والإرهاب.

وأن يقوم ارتباط مباشر كهذا بين الجماعات المسلمة والتنظيمات الإرهابيّة فذلك بالتأكيد موضوع لتشكيك واسع. والحقيقة أنّ الكثيرين من الإرهابيّين الإسلاميّين غادروا جماعات قاهرة لهم بحثاً عن “عائلة” جديدة بين أشخاص معولمين هدفهم، وفقاً لكلمات أخصّائيّ فرنسيّ آخر بالجهاديّين هو أوليفييه روا، هو بلوغ “مسلم من نوع جديد، مسلمٍ كامل الانفصال عن الروابط الإثنيّة والقوميّة والقَبَليّة والعائليّة”.

وفي أغلب الحالات فإنّ هذه “العائلة” الجديدة، وليس بلداً ما يغلب عليه المسلمون، هي التي تحقن بالإيديولوجيا الجهاديّة. فالمجتمعات والمدارس المسلمة التي ينتقدها البريطانيّون بسبب مواقفها اللاليبراليّة، هي نفسها التي تصلح لأن تكون عائقاً أمام الجهاديّة الثوريّة أكثر فعاليّة من أيّ قدْر من الدعاية الحكوميّة، والسبب هو تشجيعها لتساوق العائلة والجماعة. لكنّ البريطانيّين، أكانوا من اليسار الليبراليّ أم من اليمين الوطنيّ، ينظرون كلّهم إلى الجماعات المسلمة المحافظة بوصفها أبويّة وشوفينيّة ومصابة برُهاب المثليّين. وهم في حالات كثيرة يملكون حججاً جيّدة. أمّا السياسة القديمة في تحكيم مجموعات إسلاميّة أكثر “اعتدالاً” فقد بدّدها التصوّر القائل إنّ هؤلاء مجرّد أدوات، أو أنّهم ليسوا معتدلين بما يكفي.

وبالتفصيل يتعامل فيرغِسّون في [كتابه] “الـ بريطانيا…” مع نهاية التعدّديّة الثقافيّة وإبدالها بمراقبة متصاعدة وبتوكيد على القيم الثقافيّة القوميّة. ففي ظلّ البرنامج الحكوميّ المضادّ للتجذّر [الإسلاميّ]، والمسمّى “امنعْ”، على المعلّمين وموظّفي المستشفيات وباقي العاملين في القطاع العامّ أن يُبلّغوا عن أيّ شخص يعتبرونه متطرّفاً فعليّاً أو محتملاً. لكنْ إذا كان الجميع يوافقون على ضرورة التعرّف على راديكاليّين محتملين، إلاّ أنّ كثيرين من المسلمين تمّ تبويبهم ظلماً، في ظلّ “امنع”، وهذا ما جلب عليهم عاراً يدوم طويلاً بما يتعدّى تقديم النصح “الطوعيّ” الذي يلي إحالتهم إليه. كذلك كانت الهفوات التي ارتُكبت باسم “امنع” ضخمة. فلقد فُتّشت غرفة طالبة في أكسفورد (تبيّن أنّها من السيخ) بعد أن سُمع صوتها وهي تصلّي، كما استجوبت السلطات تلميذاً عمره 14 سنة بعد أن استخدم تعبير “إرهاب بحقّ البيئة”.

لقد ظهر إلى العلن عداء بريطانيا الحديث النشأة للمُنْعَزَلات المسلمة اللاليبراليّة مع حصول فضيحة وطنيّة في 2014 حينما انكشفت تفاصيل مؤامرة مزعومة لأسلمة المدارس في [مدينة] برمنغهام، ثانية أكبر المدن في البلد. ففي العقد الماضي كان قد بُذل جهد منسَّق للإتيان بمزيد من الطاقم التعليميّ المسلم في المناطق ذات الأكثريّة المسلمة من برمنغهام. وهناك دأبت السلطات المدرسيّة على ترويج الصلوات المعتادة وصيام رمضان، كما نشأ بعض الفصل بين الجنسين. وكان الأساتذة في بعض المناسبات يعبّرون عن آراء مُنفّرة في ما خصّ المثليّة الجنسيّة وحقوق النساء. لكنّ المُربّين في تلك المدارس، ومع توكيدهم على القيم الإسلاميّة وحطّهم من القيم “البريطانيّة” التي يُفترض بهم الدعوة إليها، خلقوا شروطاً تأدّى عنها ارتفاع في المستويين الأكاديميّ والنظاميّ، مع ما يلازم ذلك من أثر على نتائج الامتحانات وفرص العمالة.

بعد انفجار الفضيحة، أوقف ثلاثة معلّمين عن التعليم في ثلاث من مدارس بيرمنغهام، وهو ما كان له تأثير ضارّ على المعنويّات وعلى نتائج الامتحانات. ولئن أبقت المحاكمة اللاحقة على إجراء تأديبيّ واحد فحسب فيما أُسقطت كلّ المزاعم حول وجود مؤامرة، إلاّ أنّ الإساءة التي لحقت بسمعة المدارس وتلاميذها ظلّت إساءة مُعتَبَرة.

وبالنسبة إلى فيرغِسّون، فإنّ العطب في علاقات بريطانيا اليوم ليس بين المسلمين وغير المسلمين بقدر ما هو بين المسلمين أنفسهم: فالشبّان يناهضون أهلهم، فيما مُركّب إغراء الجنس والمداخيل الراكدة (الزواج كماليّات لا يستطيعها كثيرون) يتسبّب بغضب قد يحرف نحو العدميّة. لقد انتُقد فيرغِسّون لكونه بالغ التعاطف مع بعض الإسلاميّين الذين صوّرهم الإعلام كتهديد، شأن عاصم قرشي، العضو البارز في فرقة “كايج” لترويج الإسلام، والذي، في 2015، وصف محمّد إموازي، المناضل البريطانيّ في تنظيم الدولة والمعروف بـ “الجهاديّ جون”، بـ “الشابّ الجميل”. لكنّ اعتقاد فيرغِسّون بأنّ البريطانيّين المسلمين ينبغي تثمينهم بسبب معتقدهم الدينيّ، لا بالرغم عنه، هو بمثابة تحسّن كبير في ما خصّ التسامح الذي يخدم المصلحة الذاتيّة، والذي تمّ إحلاله محلّ [بناء] موقع مستنير حيال مسألة المسلمين.

لقد جادل، مثلاً، العالم السياسيّ الأميركيّ الراحل روبرت إس لايكِن، والذي أعيد مؤخّراً نشر كتابه “مسلمو أوروبا الغاضبون” مع مقدّمة عن صعود تنظيم الدولة، بأنّ أحد الأسباب التي ينبغي أن تحمل الغربيّين على مكافحة التمييز ضدّ المسلمين، هو “أنّ هذا التعصّب يسلبنا الحلفاء، بمن فيهم المسلمون في الغرب، وذلك بالضبط حين تمسّ حاجتنا إلى مخبرين”. وسوف يكون من الصعب أن نفكّر في عبارة مناهضة لعدم التسامح تكون أكثر عداءً للتصوّر القائل إنّ المسلم يمكن أن يكون فعليّاً “واحداً منّا”.

لكنْ فيما يعتقد فيرغِسّون أنّ الإقرار بمعتقد الجماعات المسلمة وبقيمها أساسيّ لتساوق المجتمع، يرى كيبيل أنّ هذا سلاح وضعه الليبراليّون ذوو القلوب العاطفيّة في أيدي الإسلاميّين. ولكيبيل رحلة مفيدة: فهو في 2014 كان عضواً في لجنة اقترحت، وضمنت، منع الرموز الدينيّة الفاقعة في المدارس الفرنسيّة (وهو ما بات يُعرف بـ “منع الحجاب”). لكنّه أيضاً صرف الكثير من مهنته  كأكاديميّ يحلّق في تحقيقاته عن مُركّب يجمع بين الفقر والوقوع في فخّ ثقافيّ والأفكار السلفيّة، ما خلق حسّاً بالاغتراب لدى الجيل المسلم اليوم. كتابه السابق، “الإرهاب في فرنسا”، كان تاريخاً حديثاً ودقيقاً لفرنسا المسلمة من خلال عديد القضايا الخلافيّة المعروفة، من نشر رسومات الكرتون التي تهجو النبيّ محمّد في 2005، إلى تذمّر مارين لوبِن في 2010 من أنّ أجزاء من المجتمع تعيش تحت “احتلال” (وهو ما تسبّب باتّهامها الذي بُرّئت منه بـ [نشر] جريمة الكراهية)، إلى الهجمات الجهاديّة الأولى على الأراضي الفرنسيّة في 2012. والمثير خصوصاً في ضوء الانقسام الجيليّ المسلم الذي يركّز عليه فيرغِسّون، وصف كيبيل للمحاولة المجهَضة التي قام بها “اتّحاد المنظّمات الإسلاميّة في فرنسا” لفرض النظام على الضواحي التي فتك بها الشغب في 2005. فهذا الجسد من القادة الدينيّين والزمنيّين، والذي يعتبره الكثيرون الأقوى في فرنسا، خسر هيبته بسبب عجزه عن تمرير منع الحجاب، كما سيطر عليه إخوان مسلمون متقدّمون في السنّ فقدوا صلتهم بالشبيبة ممّن كانوا يُتلفون السيّارات. وكان للفتوى التي أصدرها فقهاء الاتّحاد، والتي اعتبرت أعمال التخريب “حراماً”، أثر يعاكس ما أريد منها. ففي اليوم التالي على صدورها دُمّر أكثر من 1400 مركبة [سيّارة، شاحنة] كما جُرح 35 شرطيّاً.

إنّ “عطب” كيبيل هو مجموعة مقالات وتعليقات للإذاعة حول أحداث في فرنسا والعالم العربيّ. أمّا القسم الأشدّ إثارة منها فهو الخاتمة الطويلة التي يعرض فيها قلّة المعرفة، المشتركة بين مثقّفي الاستبلِشمانت [الفرنسيّة]، بالسياسة الجماعاتيّة التي يُنظر إليها كنقيض للتوكيد الجمهوريّ الفرنسيّ على تكافوء الفرص. والمشكلة، كما يراها كيبيل، لا تكمن ببساطة في العنف الذي يرتكبه الجهاديّون، بل في اللعبة الطويلة لرفاق رحلتهم الذين يهدفون إلى خلق العطب فيما يعملون ضمن إطار القانون. ففي جمهوريّة علمانيّة كفرنسا، كما يكتب، “لا يمكن لطائفة دينيّة أن تتمثّل بصفتها هذه في الحيّز السياسيّ”، لكنّ هذا المبدأ هو بالضبط ما يحاول جيل جديد من الناشطين المسلمين تخريبه.

ويتوقّف كيبيل عند مروان محمّد، الشابّ والحيويّ والحسن التعليم، الذي يقود مجموعة ضغط تُسمّى “الجمع [العمل الجماعيّ] ضدّ رُهاب الإسلام في فرنسا”، والذي ربّما كان الأخطر بين رفاق رحلة [الجهاديّين] هؤلاء. ففي صيف 2016، وبعد هجوم جهاديّ في نيس قتل 86 شخصاً، حظّرت عدّة بلدات ساحليّة ارتداء البوركيني. لكنّ محمّد كان بارزاً في صياغة الاعتراضات اللاحقة على ما أسماه “رُهاب الإسلام الهستيريّ والسياسيّ”، والذي تسبّب لفرنسا بكثير من السمعة غير اللطيفة وانتهى بصدور حكم يعلن أنّ المنع غير قانونيّ. لقد اعتبر كيبيل أنّ هذه العاصفة حول البوركيني، إلى جانب ضجّة انفجرت في الوقت نفسه حول تعرّض امرأتين مسلمتين لإساءة المعاملة في مطعم، تحريضاً شعبويّاً يتخفّى في هيئة حملات دفاع عن حقوق الإنسان. وهو يتّهم هذه الحركات بأنّها تستدعي حالات من “رُهاب الإسلام” (والمزدوجان حول التعبير له) بهدفٍ معلن هو جعل المسلمين يشعرون شعور الضحايا.

ليس هناك مكان للسذاجة في هذا النقاش. فالخميني كان قد أخبر الكثيرين من الغربيّين، حين كان لا يزال في منفاه الفرنسيّ، بأنّ لا رغبة لديه في إقامة حكم إسلاميّ في إيران. لكنْ خلال سنة من عودته إلى إيران في شباط (فبراير) 1979، كان البلد قد تحوّل جمهوريّةً إسلاميّة.

وأنا لا أعرف إذا كان هذا هو الموضوع، ولا كيبيل يعرف، مع أنّه لديه شكوكه. لكنْ بالتأكيد هناك الكثير الذي يقال في فرض المبدأ الفرنسيّ المعتقديّ في العلمانيّة، وهو ما يذكّر بالإجراءات الباعثة على اليأس التي اعتمدتها جمهوريّة تركيّا العلمانيّة قبل أن يجرفها الإسلاميّون الجدد بقيادة رجب طيّب إردوغان. لكنّ فرنسا، وبغضّ النظر عن سكّانها المسلمين الكثيرين والذين ينمون بسرعة، بحيث باتوا يقاربون الـ 8،4 ملايين أو ثُمن مجوع السكّان، ليست على وشك السقوط أمام الإسلاميّين الجدد. وكائناً ما كان الهدف الأخير لناشطين كمحمّد، فإنّ دخولهم في المجرى السياسيّ العريض والدفاع الحاذق عن مزيد من الحقوق أثمرا نتائج جيّدة في ما يخصّ هدف دمج المسلمين في المؤسّسات الأوروبيّة.

فالرئيس إيمانويل ماكرون أطلق إشارات ودّيّة لمسلمي فرنسا، وخلال حملته العام الماضي أقرّ بتلك الجرائم الرهيبة التي ارتكبها الفرنسيّون في الجزائر. وفي 1 تشرين الثاني (نوفمبر) وُضع موضع التنفيذ تشريع مضادّ للإرهاب ينقل بعض السلطات الأكثر قمعيّة التي تنطوي عليها حالة الطوارىء في فرنسا، والتي انتهت في اليوم ذاته، إلى قانون عاديّ. ضبّاط الشرطة سوف يحتفظون بالحقّ في تقييد حركة المشتبَه بأنّهم إرهابيّون، وفي إغلاق أمكنة للعبادة من دون أمر صادر عن المحاكم، لكنّ الإغارة على البيوت، وهي من الوظائف الشديدة الخلافيّة لحالة الطوارىء، باتت الآن مشروطة بإذن القاضي.

فأن تكون مسلماً يعني أن تبقى تحت الشكّ، وأن يُقلّل من شأنك، وأن تُبوّب، وما هو أسوأ. وكما في بريطانيا، فإنّ المبدأ المباشر في الحفاظ على أمن الناس هو ما يبدو صعب التوفيق مع مثال بناء مجتمع متناسق.

لقد صارت أوروبا أشدّ مناهضة للمسلمين فيما تغدو مسلمة أكثر. ومع أنّ من الصعب العثور على جوامع ثقافيّة بين باكستانيّي برادفورد وجزائريّي مارسيليا وأتراك برلين، فالإسلام يبقى المُقرّر الأساسيّ لهويّة ملايين الناس. وأن تكون هذه هي الحال في بريطانيا ذات التعدّديّة الثقافيّة حتّى الآن، وفي فرنسا العلمانيّة حتّى الآن، فهذا يقترح أنّ أيّاً من البلدين لم يستطع حلّ مشكلة الاندماج المسلم، بغضّ النظر عن الفارق بين نظامي البلدين وعن التسامح النسبيّ للنظام البريطانيّ. وما دام هذا هو الموضوع، وما دام السكّان المسلمون سيمضون في التزايد السريع، فسيبقى الإسلام سبباً لقلق أعداد كبيرة جدّاً من الأوروبيّين. فهؤلاء عبّروا بوضوح عن مشاعرهم بتأييدهم مرشّحين مناهضين للهجرة في انتخابات بعد أخرى عبر القارّة، يحفزهم جزئيّاً قرار أنغيلا ميركل في 2015، والذي يفتقر عميقاً إلى الحكمة، بقبول أكثر من مليون لاجىء في ألمانيا. فالرعب الذي سبّبته الأعداد المتزايدة شحذته المخاوف المتعلّقة بالإرهاب، وفي وسع الحكومات أن تقلّص الشيئين، وهي تواصل العمل. إلاّ أنّها ينبغي عليها أيضاً أن تعترف بالإسلام كما هو: ديناً أوروبيّاً. فنادراً ما أقدم الخطاب الغربيّ العريض على ذكر ما هو إيجابيّ ممّا يفعله الإسلام، كتهدئة الجماعات واستقرارها، وخفض الجريمة والانحراف إلى الحدّ الأدنى، وتوفير العون للملايين. وكمثل حركات الامتناع عن الكحول المسيحيّة في القرن التاسع عشر، فالإسلام يُبعد فوضى الكحول التي تهبط على كثير من المدن في ليالي الجمعة والسبت. يكفي أن نزور غرف الطوارىء في المستشفيات المدينيّة لبريطانيا “البيضاء” كي نلاحظ الخراب. وهناك عوامل كثيرة وراء أزمة مسلمي أوروبا، لكنْ ربّما كان أعمقها أنّ الإسلام لم يكن أبداً جزءاً من أيّ حساب إجماليّ للقيم في مجتمع حديث ناجح. ذاك أنّ موقعه هو على هوامش المجتمع، يُتَحدّث عنه أكثر ممّا يُتَعامَل مباشرة معه.

*كريستوفر دو بيلاّغ

تُرجم هذا النصّ عن “نيويورك ريفيو أوف بوكس” في عددها الصادر في 7 حزيران 2018

ترجمته ياسمين ابراهيم

 

إقرأ أيضاً