fbpx

هنا القصة الثالثة

ماجد كيالي - كاتب فلسطيني

ماجد كيالي

مقالات الكاتب

الأسئلة المسكوت عنها في الصراع السوري

مرت 8 سنوات، على اندلاع الثورة السورية، أو على بداية المعركة في سوريا، والتي طغى عليها طابع الصراع الدولي والإقليمي على هذا البلد، على حساب طابعه الأساسي المتمثل بمحاولة السوريين، أو أغلبيتهم، استعادة مكانتهم أو حقوقهم كمواطنين، أحرار ومتساوين، وتقويض نظام الاستبداد، أو نظام العائلة، التي حكمت وتحكّمت بهذا البلد، بواسطة القوة، منذ 5 عقود.

في الغضون، ثمة أسئلة كثيرة مسكوت عنها، عن تقصّد أو لا مبالاة أو جهل، في تلك المسيرة الطويلة والصعبة والمعقّدة، والتي تمخّضت عن مآسٍ فظيعة وكوارث مهولة، بحيث لا يمكن تقييم ذلك الصراع، بمساراته وتحولاته ومآلاته، من دون تفحّصها، بطريقة موضوعية ومسؤولة وعقلانية، وبروح تنطوي على الجرأة السياسية والأخلاقية، التي تتناسب مع البطولات والمعاناة والتضحيات التي بذلها السوريون، طوال السنوات الماضية.

السؤال الأول، يتعلق بمعنى الانتصار والهزيمة، إذ لا يمكن القول، على سبيل المكابرة والإنكار، إن الثورة انتصرت، في حين أنها عملياً تكسّرت (نتيجة عوامل خارجية وداخلية). بل إن المجتمع السوري، الذي قامت تلك الثورة من أجله، تعرّض هو ذاته للتحطيم أو التفكيك، فكيف يستقيم ذلك مع الانتصار؟ الأهم من ذلك أن هذه المعارضة، التي تصدّرت تلك الثورة، لم تستطع، على رغم مرور 8 أعوام، من إقامة كيان سياسي جامع للسوريين، ولم تقم بدورها حتى على صعيد صوغ اجماعات وطنية جديدة، توحّد السوريين، نتيجة سكوتها أو مجاملتها للخطابات الطائفية أو الدينية، على حساب الخطاب الوطني الديموقراطي. أما الفصائل العسكرية، التي تغطت بالإسلام، والتي ادعت إسقاط النظام بالعمل المسلح، فقد شهدنا مآلاتها، فمعظمها سلّم مواقعه، وحتى أسلحته، للنظام، أو للطرف الروسي، لسلامة منتسبيه، بعد تدمير المناطق التي سيطر عليها وتهجير أهاليها.

نعم، مسار الثورة الحالي تكسّر بعنف وحشي، فحجم القوى التي عملت على كسره أو حرفه أو احتوائه، أكبر مما يمكن صده، لكن ذلك لا يعني أن روح الحرية التي اتقدت في قلوب السوريين اخفت، فالثورات قد لا تحقّق أهدافها مباشرة، وهذا ما حصل مع الثورة الفرنسية (1789)، فهي تكون شقت مسار التاريخ، لا سيما مع اعتبارنا أن هذه هي التجربة الثورية أو السياسية الأولى للشعب السوري، أي أنها محطة على طريق تطوره السياسي.

والفكرة أن الثورة السورية حقّقت، فعلاً، مهمتها التاريخية، في كسر الخوف في قلوب السوريين، وإيقاد شعلة التمرد على النظام، وإخراج الشعب إلى الشوارع، أو إلى مسرح التاريخ.  وبهذا المعنى، فإن تلك الثورة حققت ما تريده منذ العام الأول، وفقاً لإمكانات شعب سوريا، وقدراته وخبراته.

 

يصحّ القول إن الثورة السلمية لا يمكن أن تسقط نظام الأسد، بيد أن السؤال بالمقابل، وبعد تجربة باهظة الثمن، هل الثورة المسلحة أسقطته؟ أو هل كان مسموحاً دولياً وإقليمياً إسقاطه حقا؟ ولماذا اذاً لم تستطع ولا دولة تقديم مضاد طائرات واحد إذاً لفصائل المعارضة العسكرية التي تدعمها؟

 

أما كل ما حدث بعد ذلك، فكان نتاج تدخلات أخرى، خارجية، وربما لو كان ثمة قيادة مجربة ونزيهة لتلك الثورة المجيدة، ومدركة للمعطيات السياسية المحيطة، لكانت غيرت مسارات الثورة أو قلّلت تكاليفها، وجنّبت السوريين المزيد من القتل والتدمير والتشريد، بانتظار محطة تاريخية أخرى. لكن رد فعل النظام، وحلفائه، والتدخلات الخارجية المضرة، لعبت دوراً في اخذ الثورة الى مسارات أخرى، مكلفة ومضرة، وهذا أمر ينبغي أن يدركه المعنيون والمهتمون.

السؤال الثاني، هل أفادت العسكرة والأسلمة (بحكم ارتباط الإثنين بشكل وثيق، لا سيما بالمصادر والموارد والشعارات) ثورة السوريين أم أضرّت بهم وبكفاحهم من أجل حقوقهم من أجل الحرية والكرامة والمواطنة والديموقراطية؟

ربما يجدر التوضيح هنا أن الحديث عن العسكرة لا علاقة له بحق السوريين بالدفاع عن أنفسهم، في مواجهة العنف الوحشي للنظام، وإنما يتعلق بأخذ بعض الدول زمام المبادرة بتشكيل فصائل مسلحة بمواصفات معينة، وبفرض مسار عسكري معين في الصراع مع النظام، وهذا ما حصل في معظم الحالات.

مع ذلك يصحّ القول إن الثورة السلمية لا يمكن أن تسقط نظام الأسد، بيد أن السؤال بالمقابل، وبعد تجربة باهظة الثمن، هل الثورة المسلحة أسقطته؟ أو هل كان مسموحاً دولياً وإقليمياً إسقاطه حقا؟ ولماذا اذاً لم تستطع ولا دولة تقديم مضاد طائرات واحد إذاً لفصائل المعارضة العسكرية التي تدعمها؟

الفكرة هنا أن الثورة لن تنجح بواسطة الحراكات السلمية، لكنها كانت ستكون حققت نقلة في التطور السياسي للشعب السوري، كما ذكرنا، وكانت ستمهد لحقبة جديدة في كفاح هذا الشعب من أجل حريته، وعلى الأقل كان الشعب السوري سيدفع ثمناً باهظاً، لكنه كان سيبقى في أرضه، وسيتجنّب الكارثة التي أحدقت به على المستويات كافة.

السؤال الثالث، هل استفادت الثورة السورية مما يسمى معسكر دول “أصدقاء الشعب السوري” أم أنها خسرت كثيراً بسببه بالذات؟ وفي الواقع فإن الثورة السورية بسبب هؤلاء “الأصدقاء”، وحديثهم الإعلامي فقط، عن رحيل الأسد وعن الخطوط الحمر، تحمّلت أكثر من قدرتها، أو قدرة الشعب السوري، على التحمل، ما جعلها مكشوفة أمام وحشية النظام، ما سهّل له تهجير الملايين وقتل مئات الألوف، وتدمير مدن بأكملها.

الفكرة هنا، وتبعاً للسؤال المذكور، أن القوى المعارضة (السياسية والعسكرية)، التي تصدرت أو تحكّمت بمسارات الثورة السورية، بنَتْ كل شيء، في أشكال عملها وشعاراتها ومستويات صراعها ضد النظام، بناء على وهم الدعم الخارجي، وتبعاً لذلك، بناءً على مراهنتين خاطئتين: أولاهما، أن الانتصار حتمي وأن النظام سيسقط منذ السنة الأولى، كأن الثورات مقدر لها أن تنتصر حتماً، في حين تبيّن التجربة التاريخية أن الثورات يمكن أن تخبو أو تنهزم، كما يمكن أن تنحرف، أو تذهب نحو مساومات. وثانيتهما، أن التدخل الدولي بهذا الشكل أو ذاك آت لا محالة، من دون إدراك أن الدول لا تعمل كجمعيات خيرية، ولا كمنظمات حقوق إنسان وإنما وفقاً لمصالحها، ووفقاً لشبكة معقدة من الأولويات، وهكذا تم أخذ الثورة السورية، وشعب سوريا، نحو الاستنزاف ودفع الأثمان الباهظة، وتشريد نصف السوريين.

لا علاقة للحديث هنا عن ادعاء هندسة للثورات، فالثورات لا تمكن هندستها، أو التحكم بتداعياتها، لكن الحديث هنا عن المداخلات الخارجية، المسكوت عنها لأغراض ضيقة، والتي أدت إلى خلق تشكيلات مسلحة، ذات أيدولوجيات معينة، ومن دون حواضن سياسية، وفرض مسارات عسكرية معينة على الثورة السورية، من دون تجربة لعواقب ذلك أو دراستها. فذلك كله، هو الذي أوصل السوريين إلى هنا، في حين أن معارضتهم المتصدرة، ساكتة عن كل ذلك، او متساوقة معها، بحكم افتقادها حواضن اجتماعية، وتجربة تاريخية، وبحكم ارتهانها للقوى الخارجية. كان الله في عون السوريين.

إقرأ أيضاً