fbpx

هنا القصة الثالثة

Avatar

ترجمة- Foreign Affairs

مقالات الكاتب

الأزمات الإنسانية كنتيجة حتمية للصدمات المناخية..

استولت حرائق الغابات في شمال الولايات المتحدة، والأعاصير في الساحل الشرقي، على اهتمام وسائل الإعلام في صيف هذا العام وخريفه. وكانت لحوادث الطقس السيئ طيلة هذا العام عواقب إنسانية جسيمة في العالم النامي، من الفيضانات العارمة في ولاية كيرالا الهندية إلى الجفاف الشديد في أفغانستان الذي تضرر منه الملايين.

خلال العقد الماضي، خاض الأكاديميون وصناع السياسة جدالات محتدمة حول ما إذا كانت التغيرات المناخية تشكل خطراً أمنياً، وتركز هذا الجدل خصوصاً على احتمالية تسببها في صراعات أهلية. التداخلات متشابكة في هذا الأمر، دفعت صناع القرار إلى مناقشة مسألة التغيرات المناخية بشكل مبهم على أنها “تهديد مضاعف” عندما يقترن بقوى أخرى. لكن القول بأنها تهديد مضاعف لا يكفي، حتى ندرك السمات التي تزيد احتمالية مرور هذه الدول باضطرابات.

في الواقع تسببت عوامل كثيرة في جعل بعض الدول أكثر عرضة لعواقب التغيرات المناخية عن غيرها. وتبرز من بينها ثلاثة عوامل: الاعتماد الهائل على الزراعة، وتاريخ النزاعات معاصر، والمؤسسات المبنية على التمييز السياسي. ويعتقد باحثون أن هذه الدول التي أظهرت هذه العوامل بعض أو كلها، يمكن أن تؤدي التقلبات المناخية الحادة فيها إلى نتائج كارثية، من ضمنها العنف وأزمات الغذاء ونزوح السكان على نطاق ضخم.

لقد استخدمنا تلك العوامل لتحديد الدول الأكثر عرضة للخطر بسبب الاضطرابات المتعلقة بالمناخ والأزمات الإنسانية في الأعوام المقبلة. وبذلك نأمل بتوفير تحذيرات مبكرة لصناع القرار بشأن أين من الممكن أن يتسبب تأثير التغيرات المناخية في عدم الاستقرار على المدى القريب، وأين هي المناطق الأكثر حاجة لبذل الجهود كي نقلل من أثارها.

أي الدول هي المعرضة للخطر؟

توضح المعطيات  الدول التي نعدها أكثر عرضة لخطر الاضطرابات التي سوف تتسبب فيها التغيرات المناخية. هناك عدد ضخم من الدول -بإجمالي 20 منها- تجمع بين عاملين من عوامل الخطر: الاعتماد على الزراعة والنزاعات المعاصرة.. وهناك تسعة دول أخرى (أنغولا وجمهورية الكونغو الديموقراطية وميانمار وباكستان ورواندا وجنوب السودان والسودان وأوغندا واليمن) تعاني من هذين العاملين أيضاً، علاوة على مستويات مرتفعة من الإقصاء السياسي العرقي..

ما سبب أهمية تلك العوامل تحديداً؟ يعني الاعتماد الكبير على الزراعة أن نسبة كبيرة من مصادر رزق المواطنين مرتبطة بالزراعة. وبما أن التقلبات المناخية مثل الجفاف أو الفيضانات تؤثر بشكل مباشر في الزراعة، فإنها غالباً ما تترجم في الدول التي تعتمد على الزراعة إلى انخفاض هائل في الدخل ومستويات عالية من عدم استقرار الأمن الغذائي. سيزيد انخفاض دخل الزراعة جاذبية المصادر البديلة مثل التمرد السياسي. وتميل حكومات تلك الدول إلى الحصول على نسبة كبيرة من عائداتها من الزراعة، ومعظمها من الضرائب على الصادرات. وباستخدام بيانات منظمة العمل الدولية، حددنا الدول ذات المستوى العالي من الاعتماد على الزراعة بأنها تلك التي يمتهن 40 في المئة على الأقل من سكانها الزراعة – وهو الحد الذي استوفته 66 دولة. وفي بعض الدول، مثل ملاوي والصومال، يعمل أكثر من 80 في المئة من القوى العاملة في مجال الزراعة.

يُمكن أن يتحد أيضاً عامل الخطر الثاني، وهو أحداث العنف قريبة العهد، مع الصدمات المناخية ليشكلا معاً الكثير من الأزمات: فقد ثبُت أن أكثر من 40 في المئة من البلدان التي عانت من الأزمات الغذائية عام 2017 تنوء بهذا العبء المزدوج. والأهم من ذلك، يُمثل الصراع الأخير الذي تشهده دولة ما، على الأرجح أفضل مؤشر على أن هذا البلد سيشهد المزيد من الصراعات في المستقبل، إذ إنه من المحتمل أن يوجد في مثل هذه البلدان قادة وجماعات يتمتعون بالقدرة على الوصول إلى الأسلحة وحشد الناس للقتال. استخدمنا بيانات من برنامج “أوبسالا لبيانات الصراعات” Uppsala Conflict Data Program، لتحديد أكثر من 40 دولة شهدت صراعات (التي كانت الدولة طرفاً فيها) خلال السنوات الخمس السابقة لعام 2018.

أما العامل الثالث، فهو المؤسسات السياسية القائمة على التمييز -ويُمكن وصفها بأنها المؤسسات التي تُهمش فئات اجتماعية معينة أو تستبعدها من السلطة- الأمر الذي يؤدي إلى زيادة خطر عدم الاستقرار، وحالات الطوارئ الإنسانية، وذلك من خلال جعل الحكومات أقل استجابة لقطاعات معينة من السكان. على سبيل المثال، في حالة نقص المواد الغذائية، تقل فرص تلك الفئات المهمشة في هذه البلدان في الحصول على المساعدات الحكومية أكثر من غيرهم، ما يزيد احتمال حدوث أزمة إنسانية ويخلق مظالم ضد الدولة.

تُعرِّف أستاذة العلوم السياسية جوديث بريتور، الاستبعاد السياسي “ذا المستويات المرتفعة” على أنه ذلك الذي يحدث في البلدان التي يتم فيها استبعاد 20 في المئة من السكان على الأقل من السلطة السياسية. باستخدام معاييرها ومعلوماتها المُستقاة من مجموعة بيانات علاقات القوى العرقية (Ethnic Power Relations)، تمكنا من حساب أن 35 دولة لديها حالياً مؤسسات قائمة على التمييز الشديد. إضافة إلى ذلك، فإن 9 من تلك البلدان، المشار إليها على الخريطة، تعتمد بشكل كبير في اقتصادها على القطاع الزراعي، ولها تاريخ حديث من الصراعات. (ثمة على الأقل بلدان آخران، هما الكاميرون وإثيوبيا، يتسمان بمستويات عالية من التمييز، ولكن لم يظهرا في مجموعة بيانات علاقات القوى العرقية).

تحديد المناطق المُعرضة للجفاف

ستشهد البلدان التي تواجه عوامل الخطر الثلاثة المذكورة آنفاً، صعوبات في التعامل مع الصدمات المناخية. ومن المرجح أن يكون الجفاف ونقص المياه من أخطر هذه الصدمات، لا سيما في البلدان التي تعتمد على الزراعة.

وعبر النظر إلى البلدان المعرضة للخطر التي تواجه حالياً عجزاً في المياه أو من المتوقع أن تواجهه في المستقبل القريب، فلا يمكننا فقط تحديد البلدان الأكثر عرضة لتأثيرات تغير المناخ في المستقبل، بل يمكننا أيضاً تحديد البلدان المهددة حالياً بالصدمات المناخية الخطيرة.

على رغم صعوبة قياس عجز المياه على مستوى العالم، إلا أن أحد المناهج المستعملة في القياس هو وضع نموذج لمستويات المياه من خلال حساب نسب هطول الأمطار ودرجة الحرارة والجغرافيا ومعدلات التبخر وعوامل أخرى لتقدير الانحرافات في مستوى المياه، في الأماكن التي تكون فيها كميات المياه السطحية أعلى أو أقل من المعتاد. قامت شركة الاستشارات ISciences، بتطوير نموذج مؤشر أمن المياه (WSIM)، والذي يستخدم البيانات والتنبؤات التاريخية لإنتاج مؤشر مركب عن فوائض المياه وعجزها. بناء على طلبنا، جمعت منظمة ISciences، بياناتها الإقليمية وصنفت جميع الدول في العالم من حيث نسبة سكانها ونسبة أراضيها التي عانت عجزاً في المياه بين تشرين الأول/ أكتوبر 2017 وأيلول/ سبتمبر 2018، وأعدت كذلك قائمة مماثلة تتضمّن عجز المياه المتوقع حتى حزيران/ يونيو 2019. حددت الشركة البلدان التي تعاني من عجز لمدة 10 سنوات، أو الجفاف النادر بما يكفي ليحدث في المتوسط ​​مرة واحدة كل 10 سنوات، والبلدان التي لديها عجزاً أكثر حدّة يبلغ 30 عاماً، والذي يحدث في المتوسط ​​مرة كل 30 سنة.

ثم تفحصنا 25 في المئة من البلدان التي تعاني من أسوأ عجز في المياه وفقاً لبيانات ISCiences، وقمنا بمقارنتها مع قائمتنا السابقة المؤلّفة من 20 دولة مُعرّضة للخطر. على الخريطة أدناه، تظهر البلدان المعرضة للخطر من دون أن تعاني من عجز في المياه، باللون الأزرق الفاتح. أما تلك التي ظهرت في قائمة الـ25 في المئة الأولى من قوائم ISciences التاريخية أو المُتوقّعة للجفاف الذي يحدث مرة كل 10 سنوات، فتظهر باللون الأزرق المتوسط، في حين تظهر تلك التي ظهرت ضمن أعلى 25 في المئة من قائمة حالات الجفاف الذي يحدث مرة كل 30 عاماً باللون الأزرق الداكن.

أظهرت بيانات ISCiences، التاريخية لـ12 شهراً من تشرين الأول 2017 إلى أيلول  2018 بعض الدول ذات الاعتماد العالي على الزراعة وذات الصراعات قريبة العهد. تعرض 64 في المئة من السكان في أفغانستان للجفاف الذي يحدث مرة كل 30 عاماً. وكانت النسبة في اليمن 43 في المئة، وفي الصومال 34 في المئة. غير أن النظر إلى نسبة من السكان فقط يمكن أن يخفي مشكلات في المناطق الريفية ذات الكثافة السكانية الأقل. تعرضت 80 في المئة من أراضي أفغانستان و38 في المئة من أراضي جمهورية الكونغو الديموقراطية للجفاف الذي يحدث مرة كل 10 سنوات، في حين عانت 36 في المئة من أراضي السودان من الجفاف الذي يحدث مرة كل 30 عاماً. لم تكن الهند ضمن 25 في المئة من الدول المعرضة للخطر سواء على مستوى السكان أو الأراضي، ولكن حوالى 95 مليون هندي، أو 7.2 في المئة من السكان، تعرّضوا للجفاف الذي يحدث مرة كل 30 عاماً على مدار العام الماضي.

تتوقع ISciences، أن حالات العجز في المياه ستستمر في الصومال واليمن والسودان حتى حزيران 2019. لكن 6 دول أخرى غير مدرجة في قائمة الـ25 الأعلى لعجز الـ10 سنوات أو الـ30 سنة في قائمة 2017-2018 وهي تشاد، الكاميرون، جمهورية أفريقيا الوسطى، إثيوبيا، مالي، والنيجر، من المتوقع أن تصعد إلى أعلى القائمة بحلول حزيران 2019.

إلى أين سنصل من هنا؟

تُبذَل جهود مُبشّرة لزيادة قدرتنا على التنبؤ بالعنف السياسي وأزمات الغذاء. أطلق البنك الدولي مشروعاً تجريبياً لآلية العمل في حالات المجاعة، والذي يحاول توقُّع أماكن المجاعات باستخدام تقنيات التعلم الآلي. ويقوم مشروع نظام الإنذار المبكر بالعنف في جامعة أوبسالا (ViEWS)، بتطوير نظام توقعات مبكرة للصراعات الإقليمية في أفريقيا. ولكن تعمل هذه الأنظمة بكامل إمكاناتها، وقد تساعد قائمتنا في الكشف عن الدول التي قد تصبح مناطق تُعاني من الأزمات الانسانية وعدم استقرار المناخ.

ما الذي على صناع السياسة فعله بهذه المعلومات؟ في البلدان التي تشهد عنفاً واسع النطاق، مثل اليمن أو جنوب السودان، يجب أن تكون الأولوية الرئيسية هي كبح جماح الصراع المسلح. أمّا البلدان التي توقفت فيها أعمال العنف فيمكنها أن تعمل على بناء قدراتها على كشف الأزمات والاستجابة لها، وعلى تحسين فرص العمل. في هذا المقام، بإمكان السياسات التي طوّرها خبراء السياسات الغذائية لمنع المجاعات، بما في ذلك دعم الغذاء والدخل وتأمين المحاصيل، أن تكون مفيدة. عندما ضربت إثيوبيا موجة جفاف كبيرة عام 2015، تمكنت حكومتها من استخدام سياسات مماثلة لدرء المجاعة، على رغم أن هذا النجاح لم يقها تماماً اندلاع الاحتجاجات. ونظراً إلى أن الزراعة هي الأكثر تأثراً بالتغيرات المناخية، يتعين على الحكومات والمؤسسات الدولية أن تنظر على وجه السرعة في كيفية تكييف وتهيئة الممارسات الزراعية لمواجهة هذه التغييرات ومنع حدوث انخفاضات كبيرة في غلّات المحاصيل.

بطبيعة الحال، ليست عوامل الخطر التي نُحدّدها هي الوحيدة التي يمكن أن تساهم في عدم الاستقرار والأزمات الإنسانية. لكن من المرجح أن يؤدي تغير المناخ المستمر إلى زيادة التحديات التي تواجهها هذه البلدان ذات المخاطر العالية في العقود المقبلة. سوف تواجه عواقب أكثر حدّة، وستصبح حكوماتها الهشة في موقف أكثر صعوبة، لا يمكنها من إدارة العنف والتغلّب عليه وإطعام شعوبها. إن معرفة الأماكن المحتملة لحدوث حالات عدم الاستقرار، هي خطوة أولى مهمة لتقليل المخاطر.

 

هذا الموضوع مترجم عن foreignaffairs.com ولقراءة الموضوع الموضوع الأصلي زوروا الرابط التالي.

 

إقرأ أيضاً