fbpx

هنا القصة الثالثة

فيكين شيتريان - صحافي وكاتب أرمني

فيكين شيتريان - صحافي وكاتب أرمني

مقالات الكاتب

الأرمن في تجربتي الحربين اللبنانية والسورية: “الحياد” ليس طريقاً للنجاة

كنت أقود دراجتي النارية في الصباح الباكر في طريقي إلى المدرسة، عندما أوقفني فتىً يحمل كلاشنيكوف أكبر منه حجماً عندما كنت أقترب من معبر المتحف البربير.
كان هذا في ربيع عام 1984، بعد شهر أو شهرين من انتفاضة (فبراير) التي قسمت بيروت مجدداً إلى قسمين، ولكي أصل إلى المدرسة كان عليّ أن أمرّ من خط التماس كل صباح .وفي طريق عودتي إلى المنزل طلب مني المسلح الشاب إبراز هويتي، وبعد قراءة خانة الديانة التي كتب فيها “أرمني أرثوذكسي” لم يفهمها ووجه إليّ السؤال قائلاً: ماذا تكون؟ فأجبته “أنا أرمني”.المسلح الشاب على وقع إحراجه من عدم قدرته على معرفة إذا كان الأرمني مسلماً أو مسيحياً سمح لي بالعبور. لو علم الفتى صاحب الكلاشنيكوف حينها ما هو “الأرمني” لكان عرف أنها على الأرجح أفضل هوية تعبر بها نقاط التفتيش في الحرب اللبنانية. عندما اندلعت الحرب في 1975، أعلنت الأحزاب الأرمنية الثلاث، حزب الإتحاد الثوري الأرمني المعروف بـ “حزب الطاشناق” وحزب “الهنشاك الاشتراكي الديموقراطي”، والحزب الليبرالي الديمقراطي “رامغافار” الحياد الإيجابي، بمعنى أنهم لن يشاركوا في العنف لكنهم سيشاركون على المستوى السياسي في جهود الوحدة وحل النزاع في لبنان. لم ينبع هذا الحياد من لا مبالاة الأرمن تجاه مصير لبنان، بل من تجارب الفشل السياسي الماضية والمريرة. في نزاع 1958 في لبنان كان الأرمن منقسمين مثلهم مثل جميع الطوائف اللبنانية ويقاتلون على جبهات عدة. اصطف الطاشناق مع الرئيس كميل شمعون بينما وقف الهنشاك والشيوعيون الأرمن مع كمال جنبلاط، وفي حين سيطر الطاشناق على برج حمود فقد سيطر الهنشاك على شوارع هادجين وخليل بدوي. كانت المحصلة مقتل العشرات من الشباب في القتال أو في أحداث الاغتيال الانتقامية التي تلتها.
في عقد الستينيات وبداية السبعينيات انخرط قادة الطائفة الأرمنية في عدد من اللقاءات الهامة للتغلب على حالة الانقسام والعنف التي سادت في عام 1958. في الوقت الذي تدهورت فيه الأوضاع في لبنان خصوصاً بعد إتفاق عام 1969 في القاهرة والذي سمح بالوجود الفلسطيني المسلح في لبنان، استشرف القادة الأرمن أخطار موجة العنف الجديدة وطوروا بشكل جماعي سياسة للحفاظ على أمن طائفتهم في حال اندلاع حرب أهلية جديدة. لذا لم يكن الحياد الأرمني في الحرب اللبنانية نتيجة عدم المبالاة بل ناتجاً عن جهود واعية للتعلم من أخطاء الماضي. لم تتحمل دوماً الفصائل اللبنانية المتصارعة الحياد الأرمني. ففي سبتمبر 1979 هاجمت مليشيا مسيحية تابعة لحزب الكتائب وحزب الاحرار المواقع الأرمنية في برج حمود بهدف إخضاع تلك المناطق لسيطرة مسيحية موحدة. كانت الهجمات جزءآً من رغبة بشير الجميل في توحيد جميع المناطق والمجموعات المسيحية المسلحة داخل جسد القوات اللبنانية الخاضعة لسيطرته. وعلى الأرجح كان يطمح لوحدة مسيحية شبه مستقلة داخل لبنان. أحبطت المقاومة التي أبرزتها وحدات الدفاع الذاتي الأرمنية هذه المحاولة ولم يخضع الأرمن لمظلة القوات اللبنانية شبه العسكرية.في عام 1986 وفي الوقت الذي شهدت الأحياء الغربية لبيروت صعودا للأصولية الإسلامية، استهدفت سلسلة من الهجمات مواطنين غربيين ونشطاء الاتحادات التجارية والمسيحيين في غرب بيروت. في هذا السياق اغتيل عدد من الأرمن ما أدى إلى موجة كبيرة من الهجرة.
شهدت السبعينيات ظهوراً لعدد من المجموعات الأرمنية المسلحة، (الجيش الأرمني السري لتحرير أرمينيا) وكوماندوز العدالة للإبادة الأرمنية. كان الشباب الأرمن يقلّدون ثقافة حرب العصابات الفلسطينية للقتال من أجل تصويب العدالة في قضية الإبادة الأرمنية التي حدثت في 1915. كان الجيش الأرمني السري نتاجاً مباشراً من نتائج التحرير الفلسطينية، إذ كان مؤسسها عضواً سابقاً في الجبهة، لكن كوماندوز العدالة كانت مقربة من حزب الطشناق ولها جذور ممتدة حتى حركة حرب العصابات الأرمنية في الإمبراطورية العثمانية في أواخر القرن التاسع عشر.لعبت المجموعات دوراً هاماً في نشر القضية الأرمنية، لكن انتهى بها الأمر إلى الانقسام والاقتتال الداخلي. نعم وبالرغم من هذه الأحداث وغيرها، حمى حياد الأحزاب الأرمنية الطائفة من أن تصبح هدفاً للعنف وقلل من خسائرها. عندما اندلع الصراع السوري، تبنى قادة الأرمن اللبنانيين شعار الحياد الإيجابي الذي رفع في لبنان عام 1975. مع ذلك كان الوضع في سوريا مختلفاً كثيراً عنه في لبنان، إذ لم تقبل الحكومة السورية ولا المعارضة فكرة الحياد الأرمني. عندما حصلت سوريا على استقلالها في 1946 كان مجموع سكانها 2.9 مليون نسمة 100 ألف منهم من الأرمن.تواجد في حلب وحدها 60,200 أرمني من مجموع 325 ألف. وفي الوقت الذي وصل فيه بشار الأسد إلى السلطة كان عدد الأرمن قد تقلص إلى 60-70 ألف من مجموع عدد السكان البالغ 16 مليوناً (زاد العدد إلى 20.8 مليون في 2011).ترك الأرمن سوريا بأعداد كبيرة بسبب سياسات البعث القمعية في الستينيات والسبعينيات وتقييد التجارة الحرة.لم تفقد المجموعة أهميتها الديمغرافية فقط، فقد هاجر أكثر أفرادها نشاطاً إلى لبنان (خصوصاً قبل عام 1975) أو الخليج العربي أو الغرب تاركين خلفهم مجتمعاً يحاول التأقلم مع نظام البعث السوري.
عندما بدأ الحراك الشعبي السوري في 2011، تعاطف المتعلمون من بين السوريين الأرمن مع الشعارات الإصلاحية للتظاهرات الأولى (الحرية، انتهاء حالة الطوارئ) لكن المزاج السائد في الطائفة كان ضد هذا الحراك. كانت حجتهم أن سوريا إما أن تبقى مستقرة تحت حكم الأسد أو تتحول إلى ساحة حرب أهلية دموية. كان جدالهم “ألا ترون ما حدث في لبنان والعراق؟”.
لم يقبل نظام الأسد بالحياد كما أنّ قادة المجتمع الأرمني السوري عرفوا رموز النظام وكيفية التفاوض معهم، لكن لم يعلموا الكثير عن المعارضة حيث كانت سوريا نظاماً مغلقاً حتى 2011. النزعة الفوضوية للمعارضة السورية ورموزها في الخارج والتشكيلات العسكرية المتعددة والمتغيرة على الدوام جعلت مهمة إقامة علاقات مع المعارضة مهمة صعبة.وكان إتخاذ المعارضة السورية السياسية والعسكرية من تركيا مستقراً سبباً في شكوك الأرمن كما الأكراد والآشوريين. ففي عام 2013، عندما دخل مقاتلو المعارضة قرية اليعقوبية شمال جسر الشغور. ترك السكان الأرمن منازلهم التي شغلت وسلبت بعد ذلك. لكن الأسوأ لم يأتِ بعد.في مارس 2014 هاجمت مجموعات مسلحة تابعة للنصرة وحلفائها مدينة كسب واكتسحوا دفاعاتها ،مدعومين من قبل الجيش التركي في عملية سميت بالأنفال وقد تمكن سكانها الـمقدر عددهم ب 2000 من الهروب.أما المتبقون وكان أغلبهم من العجائز فقد رحلوا إلى تركيا ومن هناك إلى لبنان واللاذقية.سلب المسلحون المدينة السياحية ودنسوا الكنائس الأرمنية. ولم يقبل مقاتلو المعارضة السورية بأيديولوجيتهم السلفية الجهادية وجود الأرمن في مناطقهم التي سيطروا عليها. وللتحفظ الأرمني سبب آخر: معظم هذه المجموعات الأرمنية كانت نتاجاً للتهجير والمذابح العثمانية التي أهلكت السكان الأرمن.هؤلاء اللاجئون والأيتام بنوا مجتمعات جديدة ومدارس وكنائس معرضة الآن لدورة جديدة من العنف، مما دفع بهم إلى موجات هجرة جديدة إلى الولايات المتحدة وكندا واستراليا بعيدا عن موطنهم التاريخي. عندما يتوقف القتال وينقشع غبار المعارك ماذا سيتبقى من مجتمعات الأرمن التي ازدهرت يوماً ما في حلب؟بين الحرب في لبنان والحرب في سوريا، ظل الموقف الأرمني هو نفسه لكن المحصلة كانت مختلفة.ليس البعث السوري مختلفاً فقط عن الثقافة السياسية في لبنان لكن لدينا أيضاً أجيالا من التغيير في الحركات المنشقة. كان الأرمن حلفاء المجموعات الفلسطينية في الستينيات والسبعينيات حيث عانوا من نفس المصير.لم يستخدم مسلحو منظمة التحرير الفلسطينية أبدا العنف ضد المجتمعات الأرمنية. ففي الرؤية الإسلامية المتطرفة يعد الأرمن كفاراً وأجانبا ومجموعة لا يحق لها أن تدلي برأيها في السياسة. بالطبع رؤيتهم لا تتوافق مع التاريخ وهي ناتجة عن الجهل. لكن تلك قصة مثيرة أخرى لوقت آخر.

إقرأ أيضاً