fbpx

هنا القصة الثالثة

رنا الصبّاغ- كاتبة وصحافية أردنية

رنا الصبّاغ- كاتبة وصحافية أردنية

مقالات الكاتب

الأردن يواجه صفقة القرن بتعديل حكومي مخيّب

يشي التعديل الثالث على حكومة عمر الرزاز في أقل من عام بضياع فرصة جديدة لتصويب نهج الحكم بطريقة جوهرية وليس شكلية في مرحلة مفصلية في تاريخ البلاد؛ ذلك أنه يتجاهل مطالب قطاعات واسعة من الأردنيين ترفع سقف احتجاجاتها منذ صيف العام الماضي للمطالبة بتغيير النهج الاقتصادي والسياسي للدولة ويكشف عقم إدارة الدولة بأدوات تقليدية.

ويعقب هذا التعديل الصادم عصر الخميس، تطهيراً في الديوان الملكي وجهاز المخابرات العامة بهدف ضبط إيقاع المشهد الداخلي المحتقن ونزع فتيل احتجاجات، وقبيل إشهار “صفقة القرن” لتسوية القضية الفلسطينية على حساب دول الجوار.

هذه التغيرات بعكس التعديل الوزاري، تعيد تفكيك وتركيب ذراعين أساسيتين للعرش الملكي على مر السنوات، بعدما تعرّضتا لاتهامات من قبل قوى سياسة مؤثرة بأنهما باتا تشكلان حكومة ظل تدير المشهد داخلياً وخارجياً بالاتفاق، وأحياناً على رغم انف الحكومة المفترض انها صاحبة الولاية العامة بمقتضى الدستور.

التغيير في سبع حقائب – بما فيها وزارتا الداخلية والتخطيط والتعاون الدولي- جاء مخيّباً للآمال، إذ عكس استمرار عقلية صانعي القرار الارتجالية وقلّة خبرة الرئيس السياسية في إدارة شؤون الدولة في ظروف سياسية- اقتصادية- أمنية بالغة التعقيد، بحسب ساسة ومسؤولين سابقين وحزبيين تحدثت إليهم كاتبة المقال.

التغيير من المستبعد أن يساهم في تحسين صورة الرئيس وفريقه المتهاوي في عيون الأردنيين، على رغم مساعي الحكومة لكسب الشعبية عبر إظهار تحسن ملموس في أدائها وتعليق سياساتها الجبائية. إذ اتخذت الحكومة حزمة إجراءات لمحاكاة أولويات الناس وهمومهم المعيشية، بما في ذلك ضبط الأسعار وتثبيت تعرفة الوقود، على أمل نزع فتيل احتجاجات شعبية متوقعة على غرار حراك رمضان الماضي، الذي أطاح بحكومة سلف الرزّاز هاني الملقي.

وتتوثب المؤسسة السياسية والأمنية لمواجهة احتجاجات مرتقبة بجانب رئاسة الوزراء/ الدوار الرابع وفي ذيبان (30 كيلومتراً جنوب عمان). وبعد الإعلان عن التشكيلة الجديدة تجمهر عشرات المحتجين قرب رئاسة الحكومة في أول خميس رمضاني وطالبوا بانتخاب الحكومات من الشعب مباشرة، والغاء مجلس الأعيان الذي يعينه الملك، وتعديل قانون الانتخاب. كما عبروا عن رفضهم التعديل الوزاري الذي سموه حكومة “المساومات” وطالبوا بتحرير القضاء الأردني من تدخلات السلطة.

لم يراع التعديل نتائج مسوح حذّرت أخيراً من اتساع فجوة الثقة بين القيادات والشعب، وأشّرت إلى تفاقم التشاؤم وخيبات الأمل بين الأردنيين. فآخر استطلاع لمركز “نماء” للاستشارات الاستراتيجية الشهر الماضي وجد أن ثلثي الأردنيين يشعرون بأن البلاد تسير في الاتجاه الخاطئ، بسبب الفشل في مواجهة تحديات البطالة، والفقر، وارتفاع الأسعار إلى جانب تراجع خدمات الصحة، والتعليم، والنقل وتغلغل الفساد المالي والإداري والواسطة والمحسوبية.

رئيس الحكومة الأردني عمر الرزاز

رئيس مجلس إدارة مركز نماء للاستشارات الاستراتيجية فارس بريزات ينبه إلى أن حكومة الرزّاز سجّلت أسوأ أداء منذ 1996، ما يدّل على ان الحكومة بحاجة لسياسات جراحية لا تجميلية. “بغض النظر عن نوعية الوزراء الجدد، ومستويات كفاءتهم وسياساتهم، لن يتمكن الرئيس من تحسين صورة هذه الحكومة أمام الرأي العام لأن الأداء يقاس وفق أولويات الأردنيين وهي اقتصادية بحتة”، حسبما يشرح بريزات، الذي عمل مستشاراً رئيسياً للدراسات الاستراتيجية في مكتب الملك عبدالله الثاني (2012-2016). وهو يستبعد قدرة الرئيس وفريقه على “اجتراح الحلول لأن ذلك يتطلب وضع خطّة استراتيجية على المديين المتوسط والطويل، بدل أسلوب الإدارة اليومية للاقتصاد، إضافة إلى جذب تحدي جلب استثمارات جديدة” ضرورية لخلق فرص عمل وادامة النمو الاقتصادي.

بموجب التعديل، عاد سلامة حماد (75 سنة) إلى وزارة الداخلية للمرة الثالثة في ربع القرن الأخير. هذه الشخصية العشائرية التقليدية الجدلية المقربة من القصر كانت أحد أسباب الاحتقان ضد حكومة الملقي (2016-2018)، وهدفاً لانتقادات مجلس النواب، الذي سعى إلى سحب الثقة منه بسبب سياساته المتشدّدة آنذاك ووقوع شبهات تزوير في الانتخابات التشريعية 2016.

ويرى سياسيون أن إناطة هذه الحقيبة السيادية – التي تتبع لها أجهزة الأمن العام والدرك- بحمّاد مرة أخرى، قد تعكس رغبة صانع القرار بتشديد القبضة الأمنية على الأرض وفي العالم الافتراضي، وسط انتشار تعليقات رقمية خرقت خطوطاً حمراً خلال الأشهر الماضية. النائب اليساري المعارض خالد رمضان يقول إنه يقرأ التعديل في جوهره على أنه رسالة لمجلس النواب وللحراك الشعبي المطالب بالإصلاح، اذ يشي بتشديد القبضة الأمنية وخفض سقف الحرّيات.

محمد العسعس حمل حقيبة التخطيط والتعاون الدولي بعدما ألحق الرزّاز بها لقب وزير الشؤون الاقتصادية، وذلك بعد أسبوعين على قرار ملكي بإزاحته عن إدارة دائرة التنمية الاقتصادية والاجتماعية في الديوان الملكي وتعيينه مستشاراً خاصاً للملك.

التعديل المحدود جاء ببعض معارف الرئيس كما حال وزير العمل الذي أمضى 4 شهور على رأس عمله رئيساً لديوان الخدمة المدنية. كما عدل الرئيس اسماء وزارات من دون أن يتم تعديل اسمها في القانون، كما حال وزارتي الإدارة المحلية بدلاً من وزارة الشؤون البلدية ووزارة الاتصالات وتكنواوجيا المعلومات التي أصبحت وزارة الاقتصاد الرقمي والريادة . كما أبقى على وزراء مقربين من الرئيس مع أنه شكا لمقربين منه مراراً من عدم قدرتهم على إدارة ملفاتهم. كما استبقى نائبه رجائي المعشر المسؤول عن الملف الاقتصادي، على رغم تسرب معلومات تفيد برغبة المعشر الملّحة في الاستقالة. كما احتفظ أيمن الصفدي بحقيبة الخارجية وموسى معايطة بحقيبة التنمية السياسية ووليد المصري وزيراً للإدارة المحليةـ على رغم انتشار معلومات حول توتر العلاقات بينهما وبين رئيس الحكومة. وانقلب الرئيس على نفسه، وأعاد تسميتة وزير لتطوير الأداء المؤسسي بعد الغاء هذه الحقيبة قبل 4 شهور.

العنوان الأبرز يكمن في عدم تماهي التعديل مع التغييرات الجريئة والعميقة “من خارج الصندوق”، التي نفّذها الملك خلال الأسابيع الثلاثة الماضية، بالتزامن مع كشف صحيفة “القبس” الكويتية عن مخطط مزعوم كان يستهدف زعزعة استقرار الأردن. أشار ذلك التقرير- الذي لم ينف رسمياً هنا- إلى إقدام مسؤولين على الترويج لشخصية قريبة من الملك عبد الله الثاني ومحاولة المس بسمعة الملكة رانيا وأفراد من عائلتها، إلى جانب التشكيك بقدرات رئيس الوزراء على الحكم وتشجيع الحراك الشعبي الدائر منذ نهاية 2018 والذي خرقت بعض شعاراته خطوطاً حمراً.

بحسب تقرير الصحيفة، جهات عدة كانت وراء المخطط المزعوم: رجل أعمال قريب من أحد أفراد عائلة الملك مطلوب في قضية فساد في الأردن، وأحد قياديي دائرة المخابرات العامة ممن أحيلوا على التقاعد قبل تغيير المدير العام للدائرة في 1 أيار/ مايو 2019. ولفتت إلى تواطؤ المسؤول الأمني مع شخصيات برلمانية، وسياسية وإعلامية داخل البلاد وخارجها، ممن أطلقت حملات تشكيك طاولت النظام الهاشمي بطريقة غير مسبوقة، عبر منصات التواصل الاجتماعي، وتسريب وثائق وأسرار دولة.

على وقع تلك التسريبات، اختار الملك مستشارين جدداً؛ في مقدمتهم السفير المخضرم المتخصص في القانون الدولي بشر خصاونه، الذي عيّن مستشاراً للاتصال والتنسيق، فيما عيّن كمال الناصر مستشاراً للسياسات والإعلام. وأبعد مستشاره الأمني اللواء فيصل الشوبكي، المدير الاسبق لدائرة المخابرات العامة. كما عيّن الديبلوماسي منار الدباس مستشاراً للملك من دون مسمى وظيفي واضح، بعدما كان الرجل الأكثر نفوذاً – بصفته رئيساً لمكتب الملك الخاص- على حساب رئيس الديوان يوسف العيساوي. كما أقال الملك مستشاره لشؤون الإعلام الديبلوماسي ماجد القطارنة إلى جانب عدد من موظفي الديوان من الدرجة الأولى. ويتوقع البعض أن يعفى الملك العيساوي من منصبه ويحدث تغييرات في هرم مؤسسة الجيش وربما الأمن العام.

للخصاونة سجل ديبلوماسي وقانوني. إذ كان يرأس الدائرة القانونية في وزارة الخارجية (2005-2006)، حين رفع الأردن دعوى قضائية لدى محكمة العدل الدولية ضد إسرائيل لبنائها الجدار العازل. بعد عقد من ذلك التاريخ، عيّن خصاونة وزير دولة للشؤون الخارجية، وقبل ذلك سفيراً في القاهرة وأخيراً لدى فرنسا قبل استدعائه الشهر الماضي للعمل إلى جانب الملك.

في 1 أيار، أقال الملك مدير المخابرات اللواء عدنان الجندي وكلّف اللواء أحمد حسني بإدارة هذا الجهاز الحسّاس. وثمّة تسريبات بأن سبب التغيير يعود إلى تجاوزات بعض عناصر الجهاز، مسّت صورة المؤسسة وأغضبت الملك، على رغم “نظافة يده واحترامه الرأي الآخر إلى جانب قلّة تسلطه ورغبته في العمل بطريقة مؤسسية”.

مدير المخابرات الأردني اللواء أحمد حسني

اللواء حسني – ثاني ضابط من أصول شركسية يحتل هذا المنصب منذ تأسيس الدائرة قبل نصف قرن- تدرّج في سلك هذه المؤسسة صعوداً إلى إدارة مكتب عمّان ثم منصب مساعد المدير العام في آذار/ مارس الماضي. ويتحدث زملاء حسني في الجهاز عن حرفيته العالية، وجرأته، وقوة شخصيته وصرامته. وهو يعمل الآن بصمت على تنفيذ رغبة الملك الواردة في رسالة تكليفه. وجاء فيها خصوصاً أهمية التمسك بمرتكزات الدستور وتلازم المسؤولية مع المساءلة مع التشديد على “العمل لضمان صون حقوق وكرامة المواطن وحمايتها، لأننا نفخر في الأردن دوماً بأننا دولة مؤسسات وقانون”، بحسب تعبير الملك، مؤكداً أن “التمسك بالدستور والقانون، واحترامهما مصدر أساسي لاستقرار بلدنا ومناعته”.

وشهدت الأيام الماضية إقالة عدد من العمداء من قيادات الصف الأول؛ في ما بدا استكمالاً لحملة إعادة الهيكلة التي أطلقها الملك لمعالجة أخطاء ومخالفات “فردية” داخل هذه المؤسسة الحيوية التي سببت استياء الملك شخصياً.

حتى اليوم لم يصدر أي نفي أو تأكيد لمضامين تقرير “القبس”، الذي استند إلى مصادر غير معروفة ونسج بطريقة أججت مشاعر التعاطف مع الملك. ويسعى الأردنيون إلى تفكيك لغز المخطط المزعوم لجهة مضامينه وتوقيته وسط انقسام بين من يصدّق تلك المزاعم، ومن يعتقد أنها مفبركة بذكاء لاستعادة شعبية بعض المؤسسات والرموز، وتصفية حسابات ضمن حملة تنظيف البيت الداخلي على المستويات كافة على وقع صفقة القرن.

في الأثناء، يتفرغ الملك ومستشاره السياسي الجديد الخصاونة ووزير الخارجية أيمن الصفدي للتعامل مع الضغوط الأميركية والإسرائيلية إلى جانب السعودية، لدفع المملكة للقبول بصفقة القرن الغامضة حتى الآن، على رغم أنها تشكل خطراً محدقاً بالأمن القومي واستقرار الدولة والنظام.
واشنطن لم تعلن بعد تفاصيل الصفقة، التي ترسمها منذ عامين. ولم تطلع الملك عبدالله، حليفها الاستراتيجي على تفاصيلها، على رغم أنه زار واشنطن ثلاث مرات في الشهور الستة الماضية. هذا التعتيم لم يحل دون توقع الأسوأ بعد تكهن محتواها، بحسب وزير خارجية سابق رفض ذكر اسمه. كل ذلك دفع الملك لإعلان لاءآته الثلاث: لا للتوطين، لا للوطن البديل، لا لتهويد القدس الشرقية.

نتائج الصفقة قد تكون كارثية على الأردن غير القادر إلى درجة كبيرة على رفضها المطلق مع انهيار النظام العربي وتراجع إسناد السلطة الوطنية الفلسطينية التي تقف ضد الصفقة. ذلك أن عمّان تعتمد بصورة رئيسة على مساعدات واشنطن، في حدود 1.5 مليار دولار سنوياً، بخلاف المنح العسكرية. وفوق ذلك، ثمّة برود في العلاقات بين الملك ورئيس وزراء إسرائيل بنيامين نتانياهو، الذي تغيّرت أهواء بلاده تجاه الأردن في السنوات الماضية.

فملامح الحل باتت واضحة قبل الإعلان عن الصفقة: انتهاء حل الدولتين، عصب الاستراتيجية الديبلوماسية والاستراتيجية الأردنية منذ عقدين، لا دولة فلسطينية مستقلة مترابطة جغرافياً، لا سيادة فلسطينية على القدس الشرقية وعلى غور الأردن، ولا تفكيك للمستوطنات الرئيسية.

يحذر برلماني من “ان البلدوزر الأميركي قادم بمشروعه على الإقليم وادواته الرئيسية ممثلة بمصر والسعودية والامارات العربية مندفعة بشكل غير معقول في التنفيذ بينما الأردن الخاصرة الرخوة تتعرض لضغوط غير مسبوقة لتكون منفذ للبرنامج وليس طرفاً فيها”. ويختم قائلاً: “أمام ذلك لا نكتفي بالمعالجات المحدودة في المؤسسة الأمنية والسياسية. الوضع كله بحاجة إلى استكمال مفهوم الثورة السلمية البيضاء لامتصاص مفاعيل الإحباط والظلم ومطالب العدالة الاجتماعية، التي تنتشر بين الناس وتعبر عن بعض أوجهها في فوضى الحراكات الشعبية تفتقد إلى برنامج محدد وقيادة واضحة”.

 

الأردن: ماذا حصل أمام الديوان الملكي؟

 

 

إقرأ أيضاً